وشهد العقد الأخير من عصر مايجي (عصر النهضة اليابانية) علو مد «الفكرة اليابانية» نتيجة التوسع الإمبريالي الذي شنته اليابان على جيرانها، وتحولت تلك الفكرة إلى تقديس كامل للدولة، مهد له القانون المدني الذي صدر عام 1898م، وجعل لأرباب العائلات اليد العليا على أفرادها، فلا يستطيع أحد أفراد الأسرة أن يُبرِم أمرًا دون الحصول على موافقة رب الأسرة، بما في ذلك الزواج واختيار بيت الزوجية، وأصبح لمن يخلف (كبير العائلة) في الرياسة حق وراثة ثروة الأسرة باعتباره راعيًا لها، وجعل للأب سلطة مطلقة على زوجته وأبنائه، وظل هذا القانون ساريًا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكان من الطبيعي أن يتجه المشرع إلى وضع كل السلطات في يد أرباب العائلات فيما يتصل بشئون عائلاتهم، فقد كان ذلك يعكس التراث الياباني التقليدي، كما يعكس النظام السياسي الذي يجعل من الإمبراطور كبيرًا للعائلة اليابانية (الأمة) وبذلك تفرقت السبل بالتجربة اليابانية ونظام الدولة الحديثة بالمفهوم الغربي.
وبرزت ثلاثة اتجاهات في الفكر القومي الياباني، الذي ضرب بجذوره في أعماق التراث التقليدي، عبرت عن المفهوم العائلي للدولة، نجملها فيما يلي:
(1) اتجاه يعدُّ «العائلة» ركيزة الدولة اليابانية، ويرى في قيم المجتمع وأخلاقياته امتدادًا لقيم الأسرة وأخلاقيتها، فينادي بالولاء للحاكم باعتباره واجبًا أخلاقيًّا يعادل الولاء لرب الأسرة، ويجعل مِن الشعور الوطني نوعًا من الانتماء العائلي.
(2) اتجاه يربط بين الولاء للدولة والعائلة، وبين «تقديس الأسلاف» الذي ركزت عليه التربية — في ذلك الحقبة — على نحو يقوم على الربط بين حقائق التاريخ والأساطير؛ فاليابان «بلد الآلهة» تحكمها أسرة مقدسة، انحدرت من صلب الآلهة.
(3) اتجاه ينسج التراث الأسطوري في صورة «عبادة الدولة» مستفيدًا بما استقر في وجدان الناس من عقائد متوارثة بعد صبغها بالصبغة السياسية.
وساعد على رواج هذه الاتجاهات والتفاف الناس حولها، انتصار اليابان في الحرب الصينية-اليابانية، والحرب الروسية-اليابانية، واتجاه البعض إلى تفسير تلك الانتصارات في إطار فكرة «الأمة المقدسة» وعبر عن تلك الاتجاهات هوزومي الذي صاغ الإطار النظري لفكرة تقديس الدولة.
انحدر هوزومي من أسرة من الساموراي، وتأثر بوالده الذي كان معلمًا للتراث القومي، وتخرج في جامعة طوكيو الإمبراطورية عام 1883م، ثم أوفد إلى ألمانيا — في العام التالي — لدراسة النظم السياسية والتاريخ، فتأثَّر بالفكر القومي الألماني، ولكنه نظر إليه من زاوية فكرية، ساهم التراث الياباني التقليدي في صياغتها بنصيب أكبر مما ساهم به الفكر الغربي، وعبر عن آرائه على صفحات جريدتَي «طوكيو اليومية» و«بريد المثقف»، فرفض النظريات الخاصة بسيادة الشعب منذ كان طالبًا بجامعة طوكيو.
وبعد عودته إلى اليابان (1889م) نشر مقالًا شهيرًا بعنوان «عقيدة الدولة المطلقة» فسَّر فيه الدستور الياباني مِن وِجهة نظر الفكر السياسي الألماني، فامتدح الشمولية واستهجن الاتجاه الفردي، ونادى بضرورة ذوبان الفرد في الدولة، وناقش — في مقال لاحق — القانون المدني الياباني، فامتدح تركيزه على «الأسرة»، ورأى فيه مفتاح الخير للبلاد؛ لأن اتجاه المشرع إلى إبراز مكانة الفرد من قبل، ساعد — في رأيه — على نمو الرأسمالية اليابانية بالصورة التي أدت إلى اتساع الهوة بين الغنى والفقر. ولما كانت اليابان «بلد عبادة الأسلاف، فنظامها الاجتماعي يقوم على العائلة، ومن ثَم تنبع السلطة من قانون الأسرة، وما الدولة إلا امتداد لنظام العائلة.»
وتبلور فكر هوزومي — عند عام 1896م — حول فكرة تقديس الدولة التي عبر عنها في أحد مقالاته بقوله: «… إن بلادنا كانت منعزلة — في رأيي — منذ زمن بعيد، ولذلك لم تربطها علاقة صداقة بالدول الأجنبية، واستطاعت بلادنا بفضل مشاعرها القومية الفريدة أن تحتفظ بنظامها الاجتماعي والسياسي لما يربو على الألف عام. وتلك المُثُل الفريدة هي السبل التي تشكلت عن طريقها عادات وتقاليد وقيم مجتمعنا، وهي مُثُل ترجع أصولها إلى عقيدة أسلافنا، ومن ثَم يحتل الإمبراطور في بلادنا مكانة رب العائلة، وتمتد مبادئنا الخلقية العظيمة المستمدة من أسلافنا إلى من يرجع إليهم أصل أمتنا وطاعة من يمثل أسلافنا — رب عائلتنا — هو ما يجب أن ندين به للأسرة الإمبراطورية التي يرجع إليها أصل أمتنا.»
وذهب إلى أن تطبيق المفهوم الياباني للعائلة يُضفِي قدسية على الإمبراطور، لارتباطه بعبادة الأسلاف التي تشكل ركيزة العقيدة اليابانية، «فحول العرش تتجمع أرواح أجدادنا» وبذلك ربط هوزومي بين الدولة القومية الحديثة، ومفهوم الولاء الإقطاعي المستمد من الكنفوشية الذي كان لا يزال قويًّا في اليابان، وهو ما يعنيه بقوله: «الولاء للإمبراطور — رب العائلة اليابانية — وطنية وحب للوطن.»
وانعكست أفكار هوزومي على برامج التعليم الياباني في السنوات الأخيرة من عصر مايجي، وطوال عصر طايشو، فاهتمت وزارة التعليم بإدخال مناهج التربية الخلقية في جميع مراحل التعليم، ووضعت لها كتبًا دراسية خاصة أشرف هوزومي على تأليفها، ومن ثَم شارك في وضع أصول الاتجاهات الشوفينية التي غلبت على الحياة الفكرية السياسية في اليابان حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وخلقت تربة صالحة لنمو الفاشية.
وهكذا كان التطور الفكري في عصر مايجي (عصر النهضة) يموج بتيارات عديدة، بعضها يعكس المؤثرات الغربية كالليبرالية والمسيحية والاشتراكية وهي تيارات غلبت على الحياة الفكرية في النصف الأول من ذلك العصر، في مرحلتي «التحضُّر والتنوير» «وتقوية الجيش وإثراء الأمة» وهما المرحلتان اللتان بلغ التأثر بالغرب فيهما ذروته، وتحول التيار القومي — في النصف الثاني من عصر مايجي — إلى اتجاه شوفيني يستمد ركائزه من الفكر التقليدي القديم، ويقدم إطارًا نظريًّا لحركة التوسع الإمبريالي التي بدأتها اليابان في تلك الحقبة، وحققت فيها نجاحًا كبيرًا من الطريق أمام ذلك التيار الفكري الذي استقر على تقديس الدولة على أساس نظرية ربطت بين التاريخ والأساطير والعقائد الموروثة، وراح يصوغ من ذلك كله إطارًا للدولة الحديثة، وكان ذلك التناقُض الخطير الذي عاشه جيل ذلك العصر، وهو الجيل الذي نشأ في مجتمع أسرف في الاقتباس من منجزات الحضارة الحديثة، بقيم مستمدة من عصر الإقطاع، فعانى مثقفو عصر مايجي أزمة نفسية انعكست على الأدب، الذي حفل بمواقف الصراع بين الأسرة والفرد، حيث تكون الغلبة دائمًا للأسرة.
ونستطيع أن نبين ملامح ذلك الصراع الكامن تحت سطح المجتمع في أعمال ناتسومي سوسيكي (1867–1916م). ففي روايته «ماذا بعد؟» يصف انطباع بطل الرواية الشاب عن أبيه، فيقول:
«تلقى والده تعليمه على النحو الذي كان ينشأ عليه الساموراي قبل عصر مايجي … وما تعلمه الأب أصبح يُغايِر حقائق الحياة اليومية، ولكنه ما زال يعتقد في صلاحية تلك القيم — التي تربَّى عليها — لكل العصور، رغم أنَّ ظروف الحياة أثبتت عكس ذلك، فقد تغيَّر أسلوب حياته بتغيُّر ظروف المعيشة، حتى أصبح واقعه اليوم لا يكاد يشبه واقع الأمس إلا قليلًا، رغم أنه لا يشعُر بذلك التغيير ولا ريب أنه يظن أن تربيته العسكرية الصارمة هي سر نجاحه ولكن دايسكي (الابن الشاب) ينظر إلى الأمور بصورة أخرى. فكيف يستطيع المرء تلبية حاجات الحياة العصرية مِن خلال قيم إقطاعية، إنه مهما بذل من جهد، فالصراع بينه وبين نفسه واقع لا محالة.»
ويتجلى ذلك التباين بين ما حققته اليابان من تطور عصري، وبين القيم التقليدية للمجتمع الإقطاعي في رواية أخرى كتبها شيمازاكي طوسون (1872–1943م) بعنوان «الوصية المهملة»، صور فيها موقف المجتمع — في عصر مايجي — من طبقة المنبوذين الذين لم يتقبلهم المجتمع رغم إلغاء النظام الطبقي القديم — قانونًا — ومنحهم حقوق طبقة العامة، فيبين لنا الطريقة المزرية التي عُومل بها معلم ناجح يحظى باحترام وتقدير تلاميذه، ويعترف زملاؤه ومدير المدرسة بكفاءته، عندما يكتشفون أصله الاجتماعي القديم، نتيجة اضطراره الاعتراف لهم بذلك (رغم وصية والده له بكتمان انتمائه للمنبوذين) ورغم تمسك التلاميذ بمعلمهم، فُصِل مِن وظيفته واضطُر إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ما دام المجتمع الياباني ينكره، ولا يعترف بآدميته، فضلًا عن الاعتراف بخدماته لوطنه.
ومهما كان الأمر، فإن هذا الصراع بين جيل الشباب الذين تفتحت أعينهم على مجتمع (عصري) يعيش بقيم إقطاعية بالية، لم يكن يستطيع التعبير عن سخطه بصراحة مطلقة؛ لأن أحدًا مِن اليابانيين لم يكن يجرؤ على الجهر بمناصبة قيم المجتمع العداء دون أن يجد نفسه في مواجهة تهمة الخيانة للدولة، ودون أن يُعَد خارجًا على عقيدة الأمة اليابانية، وقد تحمَّل المثقفون اليابانيون عبء هذه المعاناة نتيجة التناقض بين واقع الحياة، وقيم المجتمع ردحًا طويلًا من الزمان.

جبل فوجي خلف الأمواج – رسم كاتسوشيكا هو كاساي (1760–1849م).