هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، من قريش، ولد في مكّة نحو عام 17 قبل الهجرة (605 م). ولمّا فتح الرسول مكّة في سنة 8 ه (629 م) لم يكن معاوية قد بلغ العشرين من عمره. في ذلك الحين دخل معاوية في الاسلام مع جميع أهل مكّة.
و في الفتح الاسلامي كان معاوية في جيش أخيه يزيد يفتحان سواحل الشام. ثم توفّي يزيد بن أبي سفيان في طاعون عمواس (في الشام) ، سنة 18 ه (639 م) ، فاختار الخليفة عمر بن الخطّاب أن يولّي على الشام معاوية. و حرص معاوية في أثناء ولايته على أن ينظّم الشام تنظيما يجعلها في الواقع مستقلّة عن الحجاز. فلما قتل عمر بن الخطّاب و جاء عثمان بن عفّان الأموي إلى الخلافة توطّد مركز معاوية في الشام، و لم يبق معاوية واليا فقط، بل أصبح حاكما مستقلا مستبدا. و لمّا جاء علي إلى الخلافة نشب النزاع بين معاوية و عليّ و استطاع معاوية أن يتغلّب على عليّ بالدهاء و الحيلة و بالمال يشتري به نفرا من أنصار عليّ.
و بعد معركة صفّين أخذ معاوية البيعة لنفسه بالخلافة من أهل الشام فأصبح في العالم الاسلامي خليفتان. فلمّا قتل عليّ بن أبي طالب (1) و قدّم بنو هاشم الحسن بن عليّ للخلافة استطاع معاوية أن يتغلّب على الحسن بالحرب و بالدهاء أيضا. و منذ ذلك الحين (عام الجماعة، سنة 41 ه) أصبح معاوية الخليفة الوحيد في العالم الاسلامي.
و مع أن معاوية قام في أثناء خلافته بشيء من الجهاد في المشرق و المغرب، فانه هادن الروم زمنا طويلا حتّى يستطيع التغلّب على المنافسين له في طلب الخلافة من بني أمية خاصّة. في تلك الاثناء كان يسعى إلى توطيد الملك في بني أميّة و إلى أن يجعل الخلافة وراثية في عقبه. و قد استطاع أن يأخذ البيعة لابنه يزيد بالخلافة في حياته هو. و هكذا زالت الخلافة بمعناها الشورويّ الذي. كان في أيام الخلفاء الراشدين و حلّ محلّها ملك عضوض (2). و كانت وفاة معاوية سنة 60 ه(680 م) .
كان معاوية من دهاة العرب له القول المشهور: لو أن بيني و بين الناس شعرة ما انقطعت: ان شدّوها أرخيتها، و ان أرخوها شددتها. و كان حازما ظالما: إذا بلغ غايته باللين لم يلجأ إلى العنف، و ان لم يكن بدّ من العنف لم يتركه في سبيل تحقيق غاياته. كان يقول: اني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، و لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني.
و لمعاوية خطب كثار و رسائل، و خصوصا فيما يتعلّق بالفتنة التي نشبت بينه و بين عليّ. و مع أن خطبه و رسائله لا تخالف في أسلوبها الاسلوب العامّ في عصره، فان فيها كثيرا من الايجاز و متانة التركيب و من حسن الرأي. و كان معاوية بليغا جدا (البيان و التبيين 1:314،353،383) ثم وصف بالجهارة (ارتفاع الصوت مع وضوحه) و بجودة الخطبة (البيان و التبيين 1:127) . غير انه لم يخطب في جماعة منذ سقطت ثناياه (البيان و التبيين 1:60) .
المختار من آثاره:
-أقوال لمعاوية بن أبي سفيان:
قال معاوية لعمرو بن العاص (حينما وجّهه إلى لقاء ابي موسى الاشعري للتحكيم) : يا عمرو، ان أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبي موسى، و أنا و أهل العراق راضون بك. و قد ضمّ اليك رجل (3) طويل اللسان قصير الرأي، فأجد الحزّ و طبّق المفصل (4)، و لا تلقه برأيك كلّه.
و قال معاوية: ما رأيت سرفا إلا إلى جنبه حقّ مضيّع.
و قال معاوية: إذا لم يكن الهاشميّ جوادا لم يشبه قومه. و إذا لم يكن المخزوميّ تيّاها لم يشبه قومه. و إذا لم يكن الأمويّ حليما لم يشبه قومه.
-كان زياد بن أبيه قد كتب إلى الحسن بن عليّ بن أبي طالب رسالة يتوعّده فيها. فبعث الحسن بالرسالة إلى معاوية، فغضب معاوية و كتب إلى زياد:
من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان: و بعد، فان لك رأيا من أبي سفيان و رأيا من سميّة (5). فأمّا رأيك من أبي سفيان فحلم و عزم، و أمّا رأيك من سميّة فكما يكون رأي مثلها. و قد كتب إليّ الحسن ابن عليّ أنك عرضت لصاحبه (6)، فلا تعرض له، فانّي لم أجعل لك اليه سبيلا، و إنّ الحسن بن عليّ مما لا يرمى به الرجوان (7). و العجب من كتابك اليه لا تنسبه إلى أبيه، أفالى أمّه وكلته (8)؟ و هو ابن فاطمة بنت محمّد عليه السلام؟ فالآن حين اخترت له (9)، و السلام.
-قدم معاوية إلى المدينة في عام الجماعة (41 ه) فخطب في أهلها فقال:
أما بعد، فانّي-و اللّه-ما وليتها بمحبّة علمتها منكم و لا مسرّة (منكم) بولايتي، و لكنّي جالدتّكم بسيفي هذا مجالدة. و لقد رضت لها نفسي على عمل ابن أبي قحافة، و أردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا، و أردتها على سنيّات عثمان (10) فأبت عليّ. فسلكت طريقا لي و لكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة و مشاربة جميلة. فان لم تجدوني خيركم، فانّي خير لكم ولاية. و اللّه، لا أحمل السيف على من لا سيف له. و ان لم يكن منكم إلا ما يستشفي به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك دبر أذني و تحت قدمي (11). و ان لم تجدوني أقوم بحقّكم كلّه، فاقبلوا منّي بعضه؛ فان أتاكم منّي خير فاقبلوه، فإنّ السّيل إذا جاد يثري، و ان قلّ يغني (12). و إياكم و الفتنة فانّها تفسد المعيشة و تكدّر النعمة.
________________________
1) راجع فوق، علي بن أبي طالب، ص 307
2) يعض عليه أصحابه (يحافظون عليه جهدهم) مع الظلم و العسف.
3) أي أبو موسى الأشعري. راجع في أمر أبي موسى و عمرو بن العاص، فوق، ص 307
4) هذه استعارة مأخوذة من صناعة الجزارة (بكسر الجيم) ، فان القصاب (اللحام: الذي يذبح الابل و الغنم و يقطعها) لا يسهل عمله عليه إلا إذا أصاب المفصل (عرف مكان اتصال بعض العظام ببعض) ثم طبق الحز (حز بسكينه في موضع اتصال العظمين) .
5) راجع الكلام على زياد بن أبيه و استلحاق معاوية له، فوق، ص 387.
6) كان الحسن بن علي قد أوصى بصاحب (صديق له إلى زياد، فلم يقبل زياد و رد على الحسن ردا قبيحا عنيفا) .
7) يرمى به الرجوان: جانبا البئر (يهان و يحتقر) .
8) أظننت أنك إذا لم تنسبه لأبيه تعني أنك تنسبه لأمه (فتحط من شأنه، كما هي الحال في شأنك أنت و أمك سمية) . غير أنك لا تحقر الحسن إذا نسبته لأمه، فان أمه فاطمة بنت محمد رسول اللّه (نسبته إلى أمه أشرف من نسبته إلى أبيه) .
9) لقد أحسنت الاختيار له (بأن تنسبه إلى أمه؟) .
10) حاولت أن أسير على سياسة عبد اللّه بن أبي قحافة (أي بسياسة أبي بكر الخليفة الأول) فلم أر ذلك ممكنا، ثم حاولت أن أتبع سياسة مثل سياسة عمر (الحزم و الشدة في الحق) فلم استطعها. و حاولت أن أتبع سنيات (جمع سنة بفتح السين و فتح النون بمعنى عام أو اثني عشر شهرا-و أظن أن الاصوب أن تكون سنينات عثمان جمعا لكلمة «سنة» بضم السين و تشديد النون (مصغرة) بمعنى الخطة و الطريقة (أي سياسة اللين و الاهتمام بالأمور الجزئية) فلم أستطع ذلك أيضا.
11) ما يستشفي به القائل بلسانه: الوشاية و اظهار العداوة من غير قصد إلى نفع أو اصلاح. جعلته دبر (وراء) أذني و تحت قدمي: لم أحفل به، أهملته.
12) إذا كثر المطر أثرى: جعل الناس أثرياء (أغنياء جدا) . و ان قل أغنى الناس: كفاهم حاجتهم.