هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ، كان جدّه من سادات غطفان في نجد ثم نزل الكوفة في حيّ بني أسد فكان له و لولده من بعده جاه و شرف في الكوفة. أما أم مالك فكانت أمّ ولد تدعى صفيّة.
ولد مالك بن أسماء في الكوفة، نحو سنة 35 ه(655 م) و شبّ تامّ الخلق ذا جمال باهر حسن الحديث و محبّا مغامرا حتّى روي (غ 1:147) أن عمر بن أبي ربيعة رأى رجلا. يطوف بالبيت قد بهر الناس بجماله و تمامه، فسأل عنه فقيل له: هذا مالك بن أسماء بن خارجة! فجاء عمر فسلّم عليه و قال له: يا أخي، ما زلت أتشوّق إليك منذ بلغني قولك:
إنّ لي عند كلّ نفحة بستا... ن من الورد أو من الياسمينا
نظرة و التفاتة أتمنّى... أن تكوني حللت في ما يلينا
و كان لمالك أخ اسمه عيينة يبدو أنه كان مثله في الجمال و في المغامرة. و كان له أخت بارعة في الجمال اسمها هند، من الاديبات و ذوات الخبرة و الحنكة و الدهاء، فشغلت ولاة العراق: تزوّجها عبيد اللّه بن زياد (توفي 67 ه-686 م) ، ثم تزوّجها بشر بن مروان (توفي 74 ه-693 م) ، ثم تزوّجها الحجّاج و شغف بها على ما نعرف من جدّ الحجّاج في الأمور و قسوته في معاملة الناس.
ولّى الحجّاج، بعد زواجه بهند، مالك بن أسماء على أصبهان و ولّى عيينة على شيء من الجبايات (في العراق في الاغلب) فظهر للحجّاج عليهما كليهما خيانة في الأموال فسجن مالكا في الكوفة و اشتطّ في تعذيبه حتّى كان لا يأذن بأن يسقى الماء إلا ممزوجا بالملح و الرماد (1). ثم ان الحجّاج عفا عنهما إكراما لأختهما هند.
و كان لمالك بن أسماء شعر طويل جميل (ديوان المعاني 2:162) ثم شاب و صار يخضب بالحنّاء (الأمالي 3:112) قبل أن يبلغ الاربعين من العمر.
في العقد الفريد (2): «لمّا مات مالك بن أسماء. . . قال الحجاج: ذلك عاش ما شاء و مات حين شاء» . فاذا نحن اعتمدنا هذه الجملة وجب أن يكون مالك بن أسماء قد توفّي في أيام الحجاج، و ربما بعد سنة 90 ه (708 م) ، و كان لا يزال فيه بقيّة من قوّة.
مالك بن اسماء بن خارجة شاعر غزل ظريف مكثر، و شعره فصيح الالفاظ سهل التركيب عذب في التلاوة. و فنونه الغزل و الخمريات، و له شيء من العتاب القريب من الهجاء، كما أن له أبياتا سائرة.
المختار من شعره:
- قال مالك بن أسماء في إحدى نسائه يستحسن كلامها، و كانت امرأته تلك تلحن أحيانا (تكسب كلامها غنّة أو نغما مخصوصا) مع اصابة المعني. و فهم الجاحظ اللّحن في هذه الابيات بمعنى الخطأ في القول (غ 16: 43، الاسطر 5-12؛ البيان و التبيين 1:147،228) :
أ مغطّى مني على بصري بالـ...ـحبّ، أم أنت أكمل الناس حسنا
و حديث ألذّه، هو مما... ينعت الناعتون: يوزن وزنا
منطق صائب، و تلحن أحيا...نا؛ و خير الكلام ما كان لحنا
- و له في اللهو (غ 16:40، معجم البلدان 1:865) :
حبّذا ليلتي بتلّ بونّا... حيث نسقى شرابنا و نغنّى
و مررنا بنسوة عطرات... و غناء و قرقف فنزلنا (3)
حيث ما دارت الزّجاجة درنا... يحسب الجاهلون أنّا جنّنا
من شراب كأنّه دم جوف... يترك الشيخ كالفتى مرجحنّا (4)
- كان مالك بن أسماء مغرما بالشراب فنصحه الحجّاج بتركه فتركه مدّة ثم عاد اليه. و في ذلك يقول:
و ندمان صدق قال لي بعد هجعة... من الليل قم نشرب فقلت له مهلا (5)
فقال أبخلا، يا ابن أسماء؛ هاكها... كميتا كريح المسك تزدهف العقلا(6)
فتابعته في ما أراد، و لم أكن... بخيلا على الندمان أو شكسا و غلا (7)
و لكنّني جلد القوى أبذل النّدى... و أشرب ما أعطى و لا أقبل العذلا (8)
ضحوك، إذا ما دبّت الكأس في الفتى... وغيّره سكر وان أكثر الجهلا (9)
____________________
1) الاغاني (طبعة الساسي)16:40-41؛ الأمالي 2:198؛ البيان و التبيين 2:181.
2) بتحقيق محمد سعيد العريان (توفي 1964 م) ، القاهرة (مطبعة الاستقامة)1372 ه-1953 م، 3:215.
3) القرقف: الخمر الباردة.
4) ارجحن: مال و اهتز.
5) الندمان (بفتح أوله) : النديم الواحد (الذي يشارك غيره في مجلس الخمر) . و ربما جاءت جمعا. مهلا! : استمع، لا تدعني إلى ذلك، اترك هذا القول أو العمل.
6) كميت: حمراء اللون. تزدهف العقل: تستخف العقل، تذهب به.
7) الشكس: صعب الخلق، سيء المعاشرة، كثير الخلاف على من يعاشرهم. الوغل: النذل، الساقط.
8) العذل: اللوم.
9) الجهل: (الكلام القبيح، الفج، القاسي) .