(وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
خلاصة التفسير: أمر الله تعالى المسلمين في هذه الاية الشريفة قائلا: أنفقوا في سبيل الله وأعينوا أسر وعوائل المقاتلين بمساعداتكم المالية التي تعادل الجهاد في سبيل الله عز وجل ومن خلال تغطية نفقات ومصاريف سوح القتال وتهيئة المعدات ووسائل القتال لكي يتمكن المجاهدين من الدفاع عن الاسلام والمسلمين بقوة وعزم ويحولوا دون غلبة جبهة الكفر والنفاق لأن سيادة الكفر والشرك عليكم معناه هلاككم.
ومن المعلوم أن الاجماع عن الانفاق سيؤدي إما الى إظهار العدو أو إثارة أطماعه نحو بلاد الاسلام وتعزيزها ولكلتا الحالتين نتيجتهما الهلاك والفناء فإما أن يقع المجتمع وإما أن يبتلى في شراك الاستعمار والاستغلال المعنوي وكذلك الحال عند الافراط والتفريط في الانفاق فهو يعادل ترك أصل الانفاق وفيه الهلاك الحتمي.
ولذلك لابد للمسلمين من أن يحافظوا على ما وهبهم الله تعالى من القدرات والإمكانات وألا يتسببوا في هلاكهم بأيديهم فالإنفاق في سبيل الله تعالى يعني توفير الدفاع عن الاسلام والنظام الاسلامي الذي يعد نموذجا بارزا للآية الشريفة ومانعا للهلاك ومانحا للحياة والكرامة لأن الجهاد بالمال والنفس والاستجابة لدعوة الله في الدفاع يمثل عاملا حياتيا يحول بين المسلمين وبين هلاكهم وفنائهم وفي تركه وإهماله إخفاق في الاستمرار في الحياة وسقوط نحو الهاوية وعلى هذا فإن استعداد البعض للشهادة طوعا عند الحاجة وتهيئة مستلزمان النصر والظفر على العدو وتخليص البلاد الاسلامية من براثن الاعداء والحفاظ على حياض الدين وصيانة كيان الامة الاسلامية يعتبر شهامة محمودة وشجاعة استثنائية ممدوحة تدخل في باب الدفاع المشروع وليس الالقاء في التهلكة والتهور المذمومين .فعلى جميع المسلمين إذا وفي جميع الحالات وفي جميع المجالات الفردية والاجتماعية أن يكونوا محسنين وصادقين ومخلصين وأمنين ومجاهدين بالمال والأنفس ومساعدين للمحتاجين والمساكين لان الله سبحانه يحب المحسنين. ويعد الاحسان والعمل الصالح أًصل الانفاق في سبيل الله تعالى سواء أكان ذلك من خلال توفير الاسلحة والمعدات العسكرية وهو ما لا يمثل إحسانا للغير أو عبر المساعدات وإعانة الاشخاص على الاستمرار في العيش والحياة الكريمة وهذا هو الاحسان الى الغير فالإحسان في أي عمل هو الاخلاص فيه بحيث يجمع في ذاته كل العناصر والمقومات المطلوبة ويطرد كل ما يعتبر مانعا أو قيدا في سبيل تطبيقه وإجرائه.
هذا ويدل سياق الاية الشريفة المفسرة على ضرورة اهتمام المجتمع الاسلامي بالنفقات الفردية أو الشخصية حتى يشعر الجميع بمسؤوليتهم فيراعوا الاعتدال في الانفاق بحيث لا يؤديالى افتقارهم ومسكنتهم ولا يمتنعوا تماما عن الانفاق فيحليهم الى بخلاء أشحاء وأن يشاركوا في توفير النفقات الجارية للحكومة الاسلامية ويعينوها على حل المشاكل والقضاء على العواتق وفي غياب ذلك فإن الحكومة ستدخل نفق الفقر ودهاليز الحاجية وسيتعرض المجتمع الاسلامي بأكمله للخطر والهلاك وعليه فإن من بين الواجبات والمسؤوليات الاجتماعية التي تقع على الامة الاسلامية هي محو حالة الفقر لكي تحافظ على نفسها ودينها من الهلاك والفناء وتمنع الفقراء من السقوط في هاوية الانحراف والهرج والمرج مما قد يضطرهم الى ارتكاب المعاصي وعمل الفحشاء أو إشعال نار الفتنة والشغب فيتعرض الامن والاستقرار في البلاد الاسلامية للخطر.
تفسير المفردات: لا تلقوا: الالقاء من لقي بمعنى مقابلة الشيء ومصادفته كقوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ[1]) والإلقاء هو طرح الشيء من حيث تلقاه ثم صار في التعارف اسما لكل طرح[2].
التهلكة: هي كل ما يؤدي الى الهلاك[3]، قيل: وليس في كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين بمعنى الهلاك إلا هذا[4]. وقال الفخر الرازي في مفاتيح الغيب لا أعلم في كلام العرب مصدرا إلا هذا قد حكى سيبويه التنصرة والتسترة وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر[5]، ثم أضاف وأقول: إني لأتعجب كثيرا من تلكفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجة قوية فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها[6]، هذا ولم تثبت قراءة التهلكة بالكسر.
تناسب الايات: أوجبت الاية المفسرة انفاق المال لتجهيز الجيش الاسلامي وإدارة الحرب[7]، باعتبار أن توفير الاموال لشراء الاسلحة وشراء المعدات يمثل أكبر دعم وتعزيز للجهاد والآلة العسكرية الاسلامية ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد. وكان يعيش في أول الاسلام ضيقا والمال قليلا فكان ذلك موجبا لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظنا أن في التمسك به النجاة وفي انفاقه الهلاك أخبرهم أن الامر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك فقال تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ[8]).
وما من شك في أن الحرب تستهلك كلا من العدد وجمهرة المقاتلين من جهة وتحتاج في نفس الوقت الى العدة والأدوات والتجهيزات من جهة اخرى ولما كان المجتمع يضم في طياته الاغنياء العاجزين عن القتال بالإضافة الى الاقوياء القادرين على الجهاد لكنهم فقراء لا يمتلكون مالا كافيا للإنفاق فقد أمر الله سبحانه وتعالى الاغنياء والأثرياء بالإنفاق لتوفير العدة والعدد لتعزيز القدرة القتالية لدى أولئك الذين لا يمتلكون المال لدعم ساحات القتال[9]، وبطبيعة الحال يتوجب على من امتلك المال والقوة معا التوفيق بين جهاد النفس والمال في آن واحد.
ولما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الاعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو منه على الانفس ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلا بأعمال الغريزتين الشجاعة والجود ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن[10].
[2] مفردات ألفاظ القرآن: 745، مادة «لقى».
[3] مفردات ألفاظ القرآن: 844، مادة «هلك».
[4] تفسير مجمع البيان: 1 - 2 / 515 .
[5] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 136 ؛ تفسير البحر المحيط: 2 / 67 ... وغيرهما.
[6] التفسير الكبير: المجلد 3، 5 / 146.
[7] تفسير الميزان: 2 / 64. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي تكتل: «قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أمر بإنفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله، والكلام في تقييد الإنفاق ها هنا بكونه في سبيل الله نظير تقييد القتال في أوّل الآيات بكونه في سبيل الله».
[9] تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 1 / 532 .
[10] نظم الدرر: 1 / 367، نقلاً عن الحرالي.