قد عرفت أن التوحيد الذاتي يفسر بمعنيين : الأول : إنّه واحد لا مثل له ، والثاني : إنه أحد لا جزء له ، ويعبر عن الأول بالتوحيد الواحدي وعن الثاني بالتوحيد الأحدي وقد عرفت دلائل التوحيد بالمعنى الأول ، وإليك البحث في المعنى الثاني فنقول :
التركيب يتصور على قسمين :
الأول : التركيب الخارجي ، كتركيب الشّيء من أجزاء خارجيّة ، من عناصر مختلفة كالعناصر المعدنية والمركبات الكيميائية. وهذا القسم من التركيب مستحيل عليه سبحانه ، لأن الشيء المركب من مجموعة أجزاء ، محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره معلول له ولا يوصف بوجوب الوجود والألوهية ، هذا.
مضافا إلى أنّ الأجزاء المؤلّفة للذات الإلهية ، إما أن تكون «واجبة الوجود» فيعود إلى تعدد الآلهة وتكثر واجب الوجود ، وقد فرغنا عن امتناعه أو تكون ممكنة الوجود ، وفي هذه الصورة تكون نفس تلك الأجزاء محتاجة إلى غيرها ، ويكون معنى هذا أنّ ما فرضناه «إلها واجب الوجود» معلول لأمور ممكنة هي في حدّ نفسها معلولة لموجود أعلى ، وهذا أمر محال.
الثاني : التركيب العقلي ، والمراد منه هو كون الشيء بسيطا خارجا ولكنه ينحلّ عند العقل إلى شيئين وهذا كالجنس والفصل وما يقوم مقامهما ، فإن وزان الجنس عند العقل غير وزان الفصل فواقع الإنسانية وإن كان شيئا واحدا في الخارج ، لكنّه ينحل في العقل إلى ما به الاشتراك وهو الحيوانية ، وما به الامتياز وهو الناطقية.
وهناك قسم آخر من التركيب العقلي أدق من تركب الشيء من جنسه وفصله ، وهو كون كل ممكن مركبا من وجود وماهية حتى اشتهر قولهم : «كل ممكن زوج تركيبي له ماهية ووجود». وهذه الكلمة لا تعني أنّ هناك شيئا يقابل الوجود وشيئا آخر يقابل الماهية ، بل ليس في الخارج إلّا شيء واحد وهو الوجود ، ولكن الماهية تبين مرتبته الوجودية كالجماد والنبات والحيوان وغيرها كما أن الوجود يحكي عن عينيته الخارجية التي تطرد العدم.
والتركيب في هذا القسم أدقّ من التركيب في القسم السابق أي تركب الشيء من جنسه وفصله ومع ذلك كله فهذا النوع من التركيب محال عليه سبحانه ، إذ لو كان له ماهية ، وشأن الماهية في حد ذاتها أن تكون عارية عن الوجود والعدم ، قابلة لعروضهما ، فعندئذ يطرح السؤال نفسه : ما هي العلّة التي أفاضت عليها الوجود؟ والمحتاج إلى شيء آخر يفيض الوجود على ماهيته يكون ممكنا لا واجبا. ولأجل ذلك ذهب الحكماء من الإلهيين إلى بساطة ذاته وتنزيهه عن أي تركيب خارجي أو عقلي وبالتالي كونه منزها عن الماهية.
ثم إنّ ما جاء في صدر سورة التوحيد يمكن أن يكون دالا على هذا النوع من التوحيد ، قال سبحانه : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (1) فهو يقصد ردّ التثليث التركيبي الذي تتبناه النصارى أو ما يماثل ذلك التركيب.
والدليل على ذلك هو أنّه لو كان المقصود من توصيفه ب «أحد» غير البساطة للزم التّكرار بلا جهة لتعقيبه ذلك بقوله في ذيل السورة : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) فصدر السورة ناظر إلى التوحيد بمعنى البساطة ، كما أنّ ذيلها ناظر إلى التوحيد بمعنى نفي الشيء والنظير له ، ويتضح ذلك إذا وقفنا على أن السورة برمتها نزلت في رد عقائد المسيحيين ، وإن لم يرد ذكرهم بالاسم.
وبذلك تقف على قيمة كلمة قالها الإمام الطاهر علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) : «إنّ الله عزوجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون ، فأنزل الله عزوجل (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَدُ) والآيات من سورة الحديد ... إلى قوله : (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ، فمن رام ما وراء هنالك هلك (2).
وهناك حديث بديع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير فيه إلى كلا التوحيدين أي كونه واحدا لا مثيل له ، وواحدا لا جزء له ، قال (عليه السلام) : وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه فقول القائل :
1 ـ هو واحد ليس له في الأشياء شبه.
2 ـ إنّه عزوجل أحديّ المعنى : لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم» (3).
ثم إن هناك قسما ثالثا من التركيب أوجد باختلاف الآراء منه فرقا ومناهج فكريه عديدة وهو زيادة صفاته على ذاته وهو ما نطرحه في القسم الثالث ـ التالي ـ من أقسام التوحيد.
____________
(1) سورة الإخلاص : الآية 1.
(2) توحيد الصدوق ، ص 283 ـ 284 ، طبعة الغفاري.
(3) توحيد الصدوق ، ص 83 ـ 84. وهذه المفاهيم العالية الواردة في هذه الأحاديث آية كون العترة الطاهرة وارثة لعلوم النبي الأكرم وكونهم خلفاءه في الأرض.