قامت الدول الخمس بالإغارة على تشين [كانت خمس دول هي: یان وتشي ووي وجاو — هان، قد قامت مجتمعة عام 287ق.م. بالهجوم ضد تشين، وارتدت خائبة] فلمَّا لم تحرز نصرًا، عادت أدراجها، ثم حاولت دولة تشي، فيما بعد، الهجوم على سونغ، فأوقفتها تشين وصدتها عن ذلك، فأرسلت دولة تشي، من جانبها المبعوث سونقو «في زيارة إلى تشين طالبًا منها التحالف معها لمهاجمة دولة سونغ، وأبدى ملك تشين موافقته، وهنا وقع الفزع في قلب دولة وي، لما رأته من تحالف تشين وتشي وأرادت إجراء مصالحة سلمية مع تشين. (وبهذا الخصوص، فقد تكلم سوتشين مع ملك وي، قائلًا له:) «بلغني أن ملك تشين قال ﻟ سونقو: «إن من يقوم بضرب وتحطيم القوة الجبارة لدولة سونغ واقتسام أراضيها هي الدول الست مجتمعة، بينما أن دولتَين اثنتَين ستستغلان فرصة ضعف دولة سونغ وتقتسمان مع جلالة الملك مصالحه فيها، وهما وي وتشو. فائذن لنا بألا نقف في وجه تشو إذا أرادت مهاجمة وي، وساعتئذٍ فيمكن لجلالة الملك أن يفوز وحده بدولة سونغ، غنيمة سائغة له وإذ يقوم جلالته بمهاجمة سونغ، فلا بد له من أن يضع اليد القاسية مع اليد الرحيمة [هكذا حرفيًّا، بمعنى أن يستخدم كل والوسائل المتاحة له، سواء كانت عنيفة أم لينة]. إن الظهور على سونغ (وكسر شوكتها) يستحق توظيف كل الوسائل بما في ذلك تحقيرها والنيْل من كرامتها، وهو ما يُعد مشروعًا تمامًا، ولا يدخل في باب «الجرم أو الإثم الذي لا يُغتفر»، بل إن القضاء على تلك الدولة قضاءً مبرمًا وإزالتها من الوجود، لا يعد من قبيل البغض أو الشحناء. هذا ولا ينبغي لجلالة الملك المعظم أن يدخل في محاولات تصالح سلمي مع سونغ بهدف اقتطاع المزيد من أراضيها، فقد تم الحصول على ما يكفي، ولم يعُد يبقى سوى تعبئة الجيش لمهاجمتها؛ فالأمل في إفنائها معقود بدولة تشي …»
فلمَّا سمعت هذه الكلمات أحسستُ بین جوانحي بالحزن والأسى، لأجل الملك، ثم إن من المؤكد أن دولة تشين سوف تلجأ إلى نفس الوسيلة في معاملاتها مع جلالته، ولا بد أنها ستوقع به في مآزق لا خروج منها إلا بالتنازل لها عن بعض أراضيه، حتى بعد أن تحصُل منه على ما يكفيها من الأرض، فلن تتوانى عن اللجوء إلى القوة لمهاجمته. ثم إنها يمكن — بالتأكيد — أن تميل إلى السلم والمصالحة مع جلالة الملك، بحيث تقنعه باستصغار شأن دولة تشي حتى إذا فسد التحالف بين وي وتشي، راحت تتودَّد إلى هذه الأخيرة لكي تساعدها في ابتزاز جلالته.
وقد سبق لدولة تشين أن جربت هذه الخطة السياسية مع دولة تشو، بل جربتها أيضًا مع دولة هان، ومن ثم فأرجو جلالته أن ينظر إلى هذه المسألة بعين التَّأمل والاعتبار ذلك أن ما تُبديه تشين نحو دولة وي من نوايا ودية ما زال أمرًا يحوطه الغموض والترقُّب، وهو ما يحدوني إلى القلق والظنون خشية ما يمكن أن يصيب جلالته من مكروه، وأرى أن أنجح سياسة، هي الهجوم على تشين — هذا في المقام الأول — أما في المقام الثاني، فتأتي سياسة القطيعة مع تشين، وفي البند الثالث تقع سياسة توثيق الارتباط مع مجموعة دول التحالف مع التظاهر الشكلي بالحرص على علاقات السلام والمصالحة مع تشين، دون الدخول في عداوات مع باقي الدول. واعلم أنه لا يمكن الحفاظ على البلاد بمنأى عن الخطر ما دام التحالف قائمًا بين تشي وتشين، فأصغِ جيدًا لما أنصحك به وحذارِ من أن تقوم بالمصالحة مع تشين.
مما لا شك فيه أن دولة تشين ذات قوة وسطوة جبارة وهو ما يفهمه جيدًا واحد مثل ويرانغ، تمامًا مثلما يفهم أيضًا باقي أحوال الممالك، وهكذا فهو — وعلى الرغم مما يحاوله من إلحاق الضرر بدولة تشين (خدمة لكم) — فإنه لا يستطيع ولا حتى يجرؤ على أن يجاهر بسياسته تلك. وأنت قد تسمع صوتًا يصدر عن الممالك ينطلق بالدعوة إلى مهاجمة دولة تشين، ثم يترامى إلى سمعك أيضًا، وفي الوقت ذاته، أن آخرين اجتمعوا سرًّا (بأطرافٍ من الممالك) ونصحوا بالتريث مُعلنين خشيتهم من التآمر ضد تشين، وإذا لاح لهم أن الممالك توشك أن تنقض على تشين لتفتك بها، بادروا إلى نكث عهدهم وميثاقهم مع دول التحالف ولينأوا بأنفسهم عن الانخراط مع الآخرين فيما هم مقدمون عليه، واعلم كذلك أنه إذا ما تداعت الممالك إلى مقاطعة تشين، فسيقولون، [أولئك الذين أحدثك عنهم] إنهم مُضطرون إلى الانصياع رغم أنفِهم. وإذا ما بَدَا لهم أنه لم يعُد بيد الممالك أية حيلة، وبادروا إلى خيانة عهدهم معها، ونظروا إلى تشين بوصفها الحليف الأول الذي يمكن أن يحفظ عليهم كيانهم أو يحتموا هم بظلاله، فكيف يمكن لجلالته أن يستعين بهؤلاء على دفع الخطر عن نفسه، وهم الذين يستثمرون خيانتهم له أفضل استثمار [يعدون خيانتهم له هي رأس مالهم الوافر].
اعلم أنه لا بد لمن يدفعون الخطر عنك من أن يعتمدوا ثلاث خطط سياسية، على أن تكون الخطة الأولى منها هي الواجبة والمفروضة قبل أي اعتبار، فإذا لم يتسنَّ لهم ذلك، لجئوا إلى الخطة الوسطى، وإلا اضطروا إلى الأخذ بالأدنى، فإذا لم تكن أدنى خطة ممكنة التنفيذ؛ فسيفعلون ما بوسعهم لتوضيح موقفهم من أن مصيرهم غير مرتبط بمصير تشين، وبالتالي فسيُقدِمون على الإضرار بها مهما كانت النتائج، ويدركون تمام الإدراك أن استقرار أحوالهم منوط بدرء الخطر عن دولة وي [حرفيًّا: دون الوقوف موقف المتفرج عليها].
ولا يُمكنني، بأي حال، أن أدعوك إلى نبذ ميثاق التحالف سعيًا للتصالح مع تشين درءًا للمخاطر وتجنبًا للويلات؛ وذلك لأني لا أعرف على وجه اليقين مدى ملاءمة هذه السياسة، فهل يُمكنني ذلك حقًّا؟ فما دام الأمر على هذا النحو الذي شرحت لك، فلست أرجو إلا مزيد النظر والاعتبار والتأمل.
إن يان وتشي دولتان متعاديتان؛ وتربطهما مع تشين علاقات ودية وأخوية، فاذهب وحاول أن تدعوهما إلى التحالف معًا — على الرغم مما بينهما من البغضاء والعداوة — لضرب تشين (التي تربطها بدولة يان علاقة مصاهرة — حيث تزوج أمير يان ابنة ملك تشين — أكثر مما هي علاقة) أخوية وستجد أن الأمر أصعب مما تظن.
لقد قام (فيما مضى من الزمان البعيد) الإمبراطور الأعظم بشن حملة عسكرية ضد منطقة الأحراش في «جوالو» ومع ذلك فلم تنتفض قوات «رونغ الغربية» لمقاومته؛ وكذلك قام الإمبراطور الحكيم «يو» [كما تنطق في الفيوم] بمهاجمة قبائل «مياو» الثلاث، دون أن يثور ضده أهالي «إي [كما تنطق في «إيلات»]. (وهكذا ﻓ) محاولة تأليب يان ضد دولة تشين، مسألة في غاية الصعوبة، بالدرجة التي يتعذَّر، حتى على إمبراطور الزمان نفسه أن يجد إليها وسيلة، وكل ما أستطيعه هو أن أحض جيش يان على الخروج للقتال، ثم أقوم من جانبٍ آخر بدعوة قوات تشي على الخروج لملاقاته، كما أني أعمل ما في وسعي للاعتراف بطاعة المسئولين في سانجين، وأعمل بإخلاص في خدمة كل من «فنغ يانجون»، «منغ شانجون»، «هانمين»، و«جوتسوي» و«هانشيو» وأعرف لنفسي مكاني خلفهما. وقد بادرت إلى قطع كل علاقة تربطني بدولة تشين لئلَّا تساور المسئولين أية هواجس بشأن الوقوف في وجه تلك الدولة. بل كنتُ أنا أول من دعا أمراء الدويلات إلى حرق وثائق معاهداتهم واتفاقاتهم مع تشين، وكنت أنا أيضًا الذي جدد تلك الدعوة بين الجميع، ثم إني دعوتهم، كذلك، إلى دولة تشين. يومئذٍ لم يتفق معي في الرأي سوى فنغ يانجون، وهانشيو؛ أما «صوشيو» و«جوبي» [مبعوثا دولة تشو] فقد بقيا، سرًّا، في هاندان، ولم أكتفِ بذلك، بل حاولت أن أحث ملك تشي على المضي قدمًا في طريق مناهضة نفوذ تشين، وذلك بمحاولة تخريب الاتفاق القائم بين سونقو ودولة تشين.
إلا أن كلمة الأمراء اتفقت حول مصالحة تشين ثم أرسلوا «صوشيو» ليذيع ما توصلوا إليه من رأي موحد، واعتبروا أن دولة تشي أفضل حليف لهم، وطالبوا بدفع قوات لمهاجمة دولة وي، واحتدَّ الاختلاف بيننا، وصار الصراع معهم داميًّا. ثم ترامت إلينا من الغرب، أنباء بواسطة صوشيو، تفيد بعدم إقدام تشي على مهاجمة وي. (وفي كل تلك الحلقات والفصول من الصراع الكبير) فلم أكن — بالطبع — أجهل قوة ونفوذ تشين، لكني لم أذهب إلى ذلك المدى إلا لأجلك أنت.»