تعتبر بعض المسائل شرطا لاستجابة الدعاء كالإخلاص الذي مر بيانه فيما يمثل البعض الاخر منها موانع وسدود تقف في وجه الاجابة كالرياء والغل تجاه المؤمن وقطع الرحم وغير ذلك فإذا وقعت محورا للدعاء لم تتحقق اجابته وتكمن النقطة الرئيسية في الفصل بين شرط الاجابة وموانعها رغم أن كلا منهما ينطبق على شيء معين من حيث المصداق كالإخلاص والرياء تماما كاعتبار الطهارة شرطا لصحة الصلاة: )لا صلاة إلا بطهور[1]( والحدث مانع لها، وكذلك شرط استقبال القبلة لصحتها والإستدبار كمبطل لها وما شابه ذلك.
وقد لا يتحد الشرط والمانع في المصداق أحيانا مثل التحدث أو السلام المتعمد اللذين يمثلان مانعا لصحة الصلاة وعدم وجود أية علاقة بينهما وبين الطهارة وأما تفصيل موضوع موانع الاجابة بما في ذلك ضرورة أن يكون في العنصر الاصلي للدعاء أو كان وصفا قبيحا للداعي نفسه فموجود في قسم الدعاء على مثلا متصفا بهذه الصفة (أي الظلم) ويستفيد من قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[2]) بأن تجاوز الداعي في الدعاء أو في كيفيته أو في مضمونه يكون مانعا للإجابة فمن كان مظهرا لإبليس اللعين أنى له أنه يدعو الرحمن؟ تذكير تتضمن الادعية المأثورة الواردة عن آل البيت عليهم السلام الكثير من المعارف التي يشير بعضها الى شروط الاجابة فيما يذكر البعض الاخر منها موانع الاجابة فقد وردت بعض موانع الاجابة مثلا في دعاء أبي حمزة الثمالي المروي عن الامام السجاد عليه السلام بالشكل التالي: (... أو لعلك رأيتني مستخفا بحقك فأقصيتني أو لعلك رأيتني معرضا عنك فقليتني أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني[3]).
وفيما يلي بعض موانع استجابة الدعاء:
1. التوجه لغير الله تعالى: إذا دعا الشخص بحق ولم يتوجه في دعائه لغير الله عز وجل فإن دعاءه سيكون مستجابا حتما ويعتبر ذلك دليلا لا يمكن نقصه أو تنفيذه وأما عدم الاستجابة للدعاء فقد يكون لأمر معين أو لافتقاد هذا الدعاء للشرطين المذكورين أو بسبب الشوائب المتعلقة بالدعاء والتي من شأنها رده ورفضه إذ لما كان الدعاء عبادة وكان جزءا من هذه العبادة ممزوجا بالرياء مثلا فإن العبادة برمتها ستكون مرفوضة وباطلة كالإناء الذي يحوي ماء قليلا فتسقط فيه قطرة من الدم النجس.
ويكون الرياء أحيانا في صلب العمل العبادي كالرياء في الركوع أو السجود الذي يوجب بطلان العمل كله وأحيانا أخرى يكون خارج ذلك العمل العبادي كالمراءاة في ارتداء نوع من اللباس في الصلاة وفي هذه الحالة يكون المرائي قد ارتكب معصية لكن إذا لم يسر الرياء الى داخل عبادته ولم يمس جوهر عمله فإنه لن يكون سببا لبطلان العمل العبادي وأما ارتداء اللباس الجميل لمجرد التظاهر بالثروة والجمال وغير ذلك فإنه لا يعد رياء البتة ورغم ورود التحذير من ارتداء بعض أنواع الالبسة الخاصة بالشهرة إلا أن ذلك لا يدخل في اطار الرياء وإن كان معنى المراءاة منطبقا عليه من الناحية اللغوية ويعرف الرياء بأنه أي عمل يقوم به الشخص ولا يكون خالصا لوجه الله فيحاول الشخص المذكور افهام الاخرين من خلال سلوكه وأقواله وأفعاله بأن ما يفعله هو لمرضاة الله تعالى وفي سبيله.
ومن لم يمتزج دعاؤه مع روحه بل أصبح حرفة وعادة له بحيث يعتاد مثلا على الدعاء والمناجاة بعد كل فريضة ويكون قلبه مطمئنا للأسباب المادية والعلل العادية أثناء دعائه وطلبه لأية حاجة يريدها من الله سبحانه فهذا الشخص في الحقيقة لا يدعو الله مخلصا وخالصا خلافا للشخص الذي لا يدعو إلا الله ولا يطمئن إلا بما لدى الله وليس بما لديه هو فكن بما في يد الله عز وجل أوثق منك بما في يديك[4]. ولا ريب في أن وثوق الانسان بما هو موجود في خزائن الغيب الالهية لا بما في يديه هو دليل قاطع على زهده وسبب موجب للإخلاص في دعائه.
2. ألا يكون الدعاء في مصلحة الداعي: قد يكون طلب الداعي من الله سبحانه في بعض الاحيان لا يتناسب ومصلحة ولو علم بالضرر الذي قد يصيبه إذ ما أعطي سؤله لما ألح في المطالبة ومن هنا فإن الله الحكيم حنان لا يريد إلا خير عباده وصلاحهم ولذلك فو لا يتناسب لهذا النوع من الادعية.
وربما تكمن المصلحة المؤقتة للبعض في الحاجة المادية ويكون الصلاح الموسمي للبعض الاخر في سلامتهم وعافيتهم حيث ورد في الحديث القدسي الشريف قوله تعالى: (... فإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفاقة ولو اغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصحله إلا الصحة ولو أمرضته لأفسده ذلك... وذلك أني أدبر عبادي بما يصلحهم وأنا بهم لطيف خبير[5]).
فالفقر والمرض والضعف والعجز وما شابهها هي أمور غير مطلوبة لكن عندما يتعلق الامر أحيانا بالنجاة من الأخطار الجسمية تصبح فيها مصلحة نسبية ومن ذلك قيام سيدنا الخضر عليه السلام بخرق السفينة التي أقلته هو وسيدنا موسى عليه السلام[6]، فلو لم يفعل ذلك لاستولى عليه السلطان الجائر كما ورد في تلك القصة[7].
3. عدم معرفة الله: ومن بين الاسباب التي تحول دون استجابة الله تعالى للدعاء هو عدم معرفته بالشكل المطلوب وهو ما قاله الامام الصادق عليه السلام في جوابه على سؤال حول علة عدم استجابة الله لبعض الأدعية: لانكم تدعون من لا تعرفونه[8].
فمن لا يعرف مدعوه معرفة كاملة يجعل الله ضمن سائر الاسباب والعلل والوسائط الاخرى فيقول الله والخلق أو الله والجاه والمنزلة وهذا بحد ذاته نوع من الشرك نعم اذا انقطعت عن الداعي كل الاسباب وعلم بأن الله سبحانه هو المؤثر الاول والأخير: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ[9])، عندئذ سيكون دعاؤه مستجابا.
تذكير من الواضح أن هناك اختلافا بين شرط معرفة الله وشرط الاخلاص في الدعاء وحيلولة ذلك دون التوجه الى الله عز وجل (المذكور في الفقرة الاولى) رغم أن تلك المعرفة قد تكون مشتركة في بعض النواحي وكذلك من حيث التعبيرات المستخدمة.
4. الدعاء مع غياب السعي: لا شك في أن نظام الوجود قائم على أساس السعي والاجتهاد ومن أجل الوصول الى المطلوب لا بد من اتخاذ وسائل مناسبة فالدعاء إذا لا يكون نافذ المفعول بدون سعي واجتهاد وبالتالي فإن دعاء العاطل ليس مستجابا[10]. وهذا يعني أن الكسل والعطل والخمول كلها موانع للإجابة لأن معنى دعاء الخامل هو :إلهي غير سنتك وأبطلها بينما خلق الله سبحان الارض وفقا لسنته وسخرها للانسان لكي يسير فيها ويبحث عن رزقه عليها: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ[11]). وهذا العمل ليس سهلا كما هو واضح لأن المقصود بقوله تعالى: (مَنَاكِبِهَا) هي الجبال والمناجم[12] التي يجب أولا السيطرة عليها وتسخيرها ثم استخرج الرزق منها اذ ليست الارض كلها صالحة للزراعة.
هذا من ناحية أما من الناحية الاخرى فإن اتكال الشخص على عمله والاعتماد على مجهوده يتنافى مع الخلوص في الدعاء والتوحيد فالتوحيد في الدعاء يعني أن يقوم الانسان باستخدام الوسائل بإذن الله تعالى ومنه كذلك يسأل المطلوب وهو ما فعله سيدنا يوسف الصديق عليه السلام عندما كان ملقى في غيابه الجب حيث سأل الله سبحانه النجاة لكنه في نفس الوقت تمسك بالحبل الذي أدلي اليه فاستطاع حينئذ الخروج من البئر ولم يكن مسكه للحبل وتشبثه.
به إلا كوسيلة يمكنها اخراجه من البئر ولم يكن ذلك أيضا إلا بأمر من الله عز وجل.
وبإمكاننا الاشارة الى مثال نموذجي حول الجمع بين الدعاء والقيام بالعمل المناسب من الناحية الصحية والعلاجية والاقتصادية وغير ذلك في هذه القصة القصيرة مر أمير المؤمنين عليه السلام بأعرابي والى جنبه ناقة جرباء فقال له الامام عليه السلام ألا تداويها؟ قال بلى يا أمير المؤمنين إني أداويها قال الإمام: وبماذا؟ قال الاعرابي بالدعاء قال الامام: ضع مع الدعاء شيئا من القطران[13]![14].
[1] وسائل الشيعة: 1 / 365 - 366. وورد في وسائل الشيعة كذلك: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزِ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍعليه السلام قَالَ: لا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ وَعَنْهُ عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزِ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍعليه السلام عَلَيْنَا فِي حَدِيثٍ قَالَ: يَا زُرَارَةُ، الْوُضُوهُ فَرِيضَةٌ .
[5] الأمالي، الشيخ الطوسي: 166 - 167 ، المجلس السادس.
[6] (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا).
[7] قال العلامة الطباطبائي تثل في تفسير الميزان: 24 - 25: «فالتأويل أمر خارجي هو مرجع ومال الأمر خارجي آخر، فتوصيف آيات الكتاب بكونها ذات تأويل من جهة حكايتها عن معانٍ خارجية (كما في الأخبار) أو تعلقها بأفعال أو أمور خارجية (كما في الإنشاء) لها تأويل، فالوصف وصف بحال متعلّق الشيء لا يحال نفس الشيء. وثانياً: إن التأويل وإن كان هو المرجع الذي يرجع ويؤل إليه الشيء لكنه رجوع خاص لا كل رجوع، فإن المرؤوس يرجع إلى رئيسه وليس بتأويل له والعدد يرجع إلى الواحد وليس بتأويل له، فلا تحالـة هـو مرجع بنحو خاص لا مطلقاً. يدل على ذلك (ما ورد في( قصة موسى والخضرعليهما السلام».
[8] بحار الأنوار: 90 / 368
[10] وسائل الشيعة: 7 / 124 ؛ و 17 / 27 عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قال: أربعة لا يستجاب نهم دَعْوَةُ الرَّجُلُ جَالِسٌ فِي بَيْنِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَهُ: أَلَمْ أَمْرُكَ بِالطَّلَبِ؟ وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَدَعَا عَلَيْهَا فَيُقَالُ لَهُ: أَلَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا إِلَيْكَ؟ وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ مَالَ فَأَفَسَدَهُ فَيَقُولُ: اللَّهُم ارزقني؛ فيقال له: ألم أمرك بالاقتصاد؟ ألم امركَ بِالْإِصْلاح؟» ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَوْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قواماً. وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ مَالٌ فَأَدَانَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَمْ آمُرُكَ بِالشَّهَادَةِ؟».
[12] روض الجنان: 19 / 326؛ جامع البيان: المجلد 14، 29 / 10 - 11. قال الطبري في جامع البيان: «عن ابن عباس، قوله: « فِي مَنَاكِبِهَا» يقول: جبالها».
[13] القطران ما يتحلل من شجر الابهل ويطلى به الابل وغيرها المصباح المنير: 508 مادة (قطر).
[14] تفسير الكاشف: 1/ 288