هو أبو جلدة (1) بن عبيد بن منقذ بن حجر بن عبيد اللّه بن مسلمة من بني جشم بن غنم من بني يشكر بن بكر بن وائل، من أهل الكوفة. و كان أبو جلدة صاحب شراب مولعا بالخمر ينفق فيها كلّ ماله فنشأ فقيرا صعلوكا.
قال الاصفهاني (11:310) : أبو جلدة «من ساكني الكوفة» . و في الاغاني أيضا (11:313) : «كان أبو جلدة مع القعقاع بن سويد المنقريّ في سجستان» . فلمّا تولّى القعقاع سجستان ولّى أبا جلدة على بست و الرّخج (11:318) . و الملموح من كتاب الاغاني أن ابا جلدة سكن سجستان ثم طال مكثه فيها (2).
و يبدو ان أبا جلدة عاد فيما بعد إلى الكوفة و اتّصل بالحجّاج و كان في بطانته و من خواصّ اصدقائه و جلسائه. ثم انه انقلب على الحجاج و شايع عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث في الثورة على الحجّاج. و في يوم (معركة) الزاوية (3) كان أبو جلدة من أشدّ المحرّضين على قتال الحجّاج. فلمّا انهزم ابن الاشعث سنة 83 ه(702 م) ، كان أبو جلدة في الذين قتلهم الحجّاج (4).
أبو جلدة اليشكري شاعر. وجدانيّ له قصيد و رجز، و شعره فصيح سهل. أما فنونه فهي المديح و الهجاء، و كان ممن هاجى زيادا الأعجم. و قد كانت له براعة في وصف الخمر، و خصائصه في وصفها قريبة جدا من الخصائص المحدثة، و خصوصا في النديم و معاملة النديم إذا سكر و خرج به السّكر عن طوره، مما عرفناه فيما بعد في شعر أبي نواس. و لأبي جلدة أيضا شيء من الغزل و الحكمة.
المختار من شعره:
- قال أبو جلدة اليشكريّ في الرفق بالنديم (الشعر و الشعراء 460؛ غ 11: 328-329) :
أبى اللّه أن ألحى نديمي إذا انتشى... و قال كلاما سيّئا لي على السّكر (5)
و قاري و علمي بالشّراب و أهله... و ما نادم القوم الكرام كذي الحجر (6)
فلست بلاح لي نديما بزلّة... و لا هفوة كانت و نحن على الخمر
عركت بجنبي قول خدني و صاحبي... و نحن على صهباء طيّبة النّشر (7)
فلمّا تمادى قلت خذها عريقة... فإنك من قوم جحاجحة زهر(8)
و ما زلت أسقيه و أشرب مثلما... سقيت أخي، حتّى بدا وضح الفجر (9)
و ايقنت أنّ السّكر طار بلبّه... فأغرق في شتمي و قال وما يدري
ولاك لسانا كان إذ كان صاحيا... يقلّبه في كلّ فنّ من الشعر (10)
- في الاغاني (11:319) : مرّ أبو جلدة بقصر من قصور بست ينزله رجل من الدهاقين (11)، فرأى ابنة الدهقان تشرف من أعلى القصر فقال:
إنّ في القصر ذي الخبا بدر... تمّ حسن الدّلّ للفؤاد مصيبا (12)
و لعا بالخلوق، يأرج منه... ريح ندّ إذا استقلّ منيبا (13)
يلبس الخزّ و المطارف و القـ...ـزّ و عصبا من اليماني قشيبا (14)
و رأيت الحبيب يبرز كفّا... ما رآه المحبّ إلاّ خضيبا (15)
- خطب أبو جلدة امرأة من بني عجل يقال لها خليعة بنت صعب فأبت أن تتزوّجه و قالت له: أنت صعلوك فقير لا تحفظ مالا و لا تلفي (16) شيئا إلاّ أنفقته في الخمر. ثم تزوّجت غيره. فقال أبو جلدة يبرّر إسرافه في المال (غ 11:320) :
لمّا خطبت إلى خليعة نفسها... قالت خليعة لا أرى لك مالا
أودى بمالي، يا خليع، تكرّمي... و تخرّقي و تحمّلي الأثقالا (17)
إنّي، و جدّك، لو شهدت مواقفي... بالسّفح يوم أجلّل الأبطالا (18)
سيفي، لسرّك أن تكوني خادما ... عندي إذا كره الكماة نزالا (19)
_______________________
1) في القاموس (1:284) : و سمى العرب جلدة (بكسر الجيم) . و في حاشية لمحققي كتاب الاغاني (11:310) أن هذا الاسم ورد في أصول الاغاني بالكاف: أبو كلدة، ثم صحح من كتب التاريخ و كتب الأدب. و في كتاب الكامل للمبرد: أن أبا الجلد اليشكري كان كارها و مخالفا لنافع بن الازرق و لأتباعه الخوارج، و أنه قال لنافع، سنة 64 ه(683-684 م) : «يا نافع، ان لجهنم سبعة أبواب، و ان أشدها حرا الباب الذي أعد للخوارج؛ فان قدرت ألا تكون منهم فافعل» (الكامل 609، راجع 566) . في «سيرة ابن هشام» (غوتنجن 1858) ص 61: ابو خلدة (بفتح الخاء و اللام) اليشكري.
2) راجع الاغاني 11:317،321،329.
3) الزاوية: موضع قرب البصرة. و يوم الزاوية: معركة كانت بين الحجاج و بين الخوارج، سنة 83 ه (702 م) .
4) غ 11:310. و في كتاب الشعر و الشعراء (ص 459) أن أبا جلدة «مات في طريق مكة» .
5) ألحى: أشتم. على السكر: في حال السكر.
6) (هذا راجع إلى) و قاري (رويتي و تعقلي) و علمي بالشراب و أهله (و معرفتي بالخمر و أثرها و بحال نفر من الناس إذا شربوا الخمر) . الحجر: العقل. -و ما يصلح نديما للناس الكرام (الذين تطرأ عليهم أحوال غريبة إذا سكروا) إلا الرجل العاقل.
7) عركت بجنبي قول خدني: أغضيت، سكت عن الكلمة القبيحة التي يتفق أن يوجهها إلي خدني و صاحبي. الخدن: الذي يصاحب الآخرين في كل أمر ظاهر و باطن. النشر: الرائحة.
8) لما تمادى (به السكر فتمادى هو) في الاساءة إلي (من أثر السكر) قلت (له) خذها (خذ هذه الكأس من الخمر مرة ثانية-من غير أن أحاسبه على الاساءة) . عريقة: قديمة (كريمة الأصل) . فانك (أنت أيضا) من قوم جحاجحة (سادة، زعماء في أقوامهم) زهر: بيض (ذوي أحساب و أنساب كريمة) .
9) وضح الفجر: ضوء الفجر.
10) لاك لسانا، أخطأ اللفظ بلسانه (عسر على لسانه النطق الصحيح الواضح) ، و كان هذا اللسان نفسه (حينما يكون هو صاحيا) يأتي بأفانين (جميلة) من الشعر.
11) الدهقان: الرجل الفارسي إذا كان صاحب أراض واسعة.
12) ذو الخبا-ذو الخباء: الذي لا يطلع أحد على داخله. بدرتم: القمر ليلة تمامه و كمال استدارته. حسن الدل: جميل الدلال و الغنج (أعماله و سلوكه كلها محببة إلى نفس محبه) . للفؤاد مصيبا: يصيب القلب بلحظاته (يوقع الناس في حبه) .
13) ولعا (مولعا) بالخلوق (الطيب) : يكثر من التطيب. يأرج منه: ينتشر منه. ريح: رائحة الند: نوع من الطيب، العنبر. استقل (نهض) منيبا (راجعا) . -المقصود: كلما تحرك فاحت منه رائحة طيبة.
14) الخز: ثياب تنسج من ابريسم (حرير) خالص أو من ابريسم مخلوط بالصوف. القز: الحرير الطبيعي على الحال التي يستخرج عليها من الصلجة (بضم الصاد: الشرنقة) . المطارف جمع مطرف (بضم الميم و سكون الطاء و فتح الراء) : رداء (ثوب يلبس فوق غيره، فوق سائر الثياب) من خز مربع: عرضه كطوله (؟) ذو أعلام (جمع علم بفتح العين و اللام: رسم، أو شكل أو صورة) . عصب من اليماني: برد (بضم الباء: ثوب مخطط من حرير) من صنع اليمن. القشيب: الجديد النظيف.
15) . . . . ما رآها المحب إلا خضيبا (مخضوبة: مصبوغة بالحناء، حمراء اللون-فكأنها مخضوبة من دمه) . المعنى الملموح: ما رأى أحد هذه المرأة إلا مات بحبها.
16) تلفي: تجد، تكسب.
17) أودى بمالي: أهلكه، ذهب به، أفناه. التخرق: التوسع في السخاء، الكرم الكثير (القاموس 3: 226، السطر الأخير) . تحمل الاثقال: القيام عن العشيرة أو الاسرة بما يترتب عليها من واجبات تعجز (بفتح التاء و كسر الجيم) هي عنها.
18-19) وجدك: و حقك (قسم، يمين) . لو شهدت (أبصرت، حضرت) مواقفي (ثباتي في القتال) -أجلل الابطال سيفي (سيفي مفعول به من الفعل «أجلل» في البيت السابق) : أعلوهم بسيفي، أقتلهم. الكماة جمع كمي (بفتح الكاف و كسر الميم و تشديد الياء) : البطل، الشجاع التام السلاح. النزال: تضارب الفارسين و هما على خيلهما. -يجب أن يكون نسق البيتين: . . . . لو شهدت مواقفي يوم معركة السفح التي كره الكماة القتال فيها (لشدتها و هولها) و أنا أقتل الابطال بسيفي اسرك أن تكوني عندي خادما (خادمة) لا زوجة فقط!