إذا اتفقا على استئجار دار معينة شهرا معينا و اختلفا في الأجرة و أقام كل منهما بينة بما قدره فإن تقدم تاريخ أحدهما عمل به لأن الثاني يكون باطلا و إن كان التاريخ واحدا تحقق التعارض إذ لا يمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين متنافيين و حينئذ يقرع بينهما و يحكم لمن خرج اسمه مع يمينه هذا اختيار شيخنا في المبسوط.
و قال آخر يقضى ببينة المؤجر لأن القول قول المستأجر لو لم تكن بينة إذ هو يخالف على ما في ذمة المستأجر فيكون القول قوله.
و من كان القول قوله مع عدم البينة كانت البينة في طرف المدعي و حينئذ نقول هو مدع زيادة و قد أقام البينة بها فيجب أن يثبت و في القولين تردد.
و لو ادعى استئجار دار فقال المؤجر بل أجرتك بيتا منها قال الشيخ يقرع بينهما و قيل القول قول المؤجر و الأول أشبه لأن كلا منهما مدع.
و لو أقام كل منهما بينة تحقق التعارض مع اتفاق التاريخ و مع التفاوت يحكم للأقدم لكن إن كان الأقدم بينة البيت حكم بإجارة البيت بأجرته و بإجارة بقية الدار بالنسبة من الأجرة.
و لو ادعى كل منهما أنه اشترى دارا معينة و أقبض الثمن و هي في يد البائع قضي بالقرعة مع تساوي البينتين عدالة و عددا و تاريخا و حكم لمن خرج اسمه مع يمينه و لا يقبل قول البائع لأحدهما و يلزمه إعادة الثمن على الآخر لأن قبض الثمنين ممكن فتزدحم البينتان فيه.
و لو نكلا عن اليمين قسمت بينهما و يرجع كل منهما بنصف الثمن.
و هل لهما أن يفسخا الأقرب نعم لتبعض المبيع قبل قبضه و لو فسخ أحدهما كان للآخر أخذ الجميع لعدم المزاحم و في لزوم ذلك له تردد أقربه اللزوم.
و لو ادعى اثنان أن ثالثا اشترى من كل منهما هذا المبيع و أقام كل منهما بينة فإن اعترف لأحدهما قضي له عليه بالثمن و كذا إن اعترف لهما قضي عليه بالثمنين و لو أنكر و كان التاريخ مختلفا أو مطلقا قضي بالثمنين جميعا لمكان الاحتمال و لو كان التاريخ واحدا تحقق التعارض إذ لا يكون الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين و لا يمكن إيقاع عقدين في الزمان الواحد و يقرع بينهما فمن خرج اسمه أحلف و قضي له و لو امتنعا من اليمين قسم الثمن بينهما.
و لو ادعى شراء المبيع من زيد و قبض الثمن و ادعى آخر شراءه من عمرو و قبض الثمن أيضا و أقاما بينتين متساويتين في العدالة و العدد و التاريخ فالتعارض متحقق فحينئذ يقضى بالقرعة و يحلف من خرج اسمه و يقضى له و لو نكلا عن اليمين قسم المبيع بينهما و رجع كل منهما على بائعه بنصف الثمن و لهما الفسخ و الرجوع بالثمنين و لو فسخ أحدهما جاز و لم يكن للآخر أخذ الجميع لأن النصف الآخر لم يرجع إلى بائعه.
و لو ادعى عبد أن مولاه أعتقه و ادعى آخر أن مولاه باعه منه و أقاما البينة قضي لأسبق البينتين تاريخا فإن اتفقتا قضي بالقرعة مع اليمين و لو امتنعا من اليمين قيل يكون نصفه حرا و نصفه رقا لمدعي الابتياع و يرجع بنصف الثمن و لو فسخ عتق كله و هل يقوم على بائعه الأقرب نعم لشهادة البينة بمباشرة عتقه.
مسائل:
الأولى: لو شهد للمدعي أن الدابة ملكه منذ مدة فدلت سنها على أقل من ذلك قطعا أو أكثر سقطت البينة لتحقق كذبها.
الثانية: لو ادعى دابة في يد زيد و أقام بينة أنه اشتراها من عمرو فإن شهدت البينة بالملكية مع ذلك للبائع أو للمشتري أو بالتسليم قضي للمدعي و إن شهدت البينة بالملكية بالشراء لا غير قيل لا يحكم لأن ذلك قد يفعل فيما ليس بملك فلا تدفع اليد المعلومة بالمظنونة و هو قوي و قيل يقضى له لأن الشراء دلالة على التصرف السابق الدال على الملكية.
الثالثة: الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد وادعى رقيته قضي له بذلك ظاهرا و كذا لو كان في يد اثنين و أما لو كان كبيرا و أنكر فالقول قوله لأن الأصل الحرية و لو ادعى اثنان رقيته فاعترف لهما قضي عليه و إن اعترف لأحدهما كان مملوكا له دون الآخر.
الرابعة: لو ادعى كل واحد منهما أن الذبيحة له و في يد كل واحد بعضها و أقام كل واحد منهما بينة قيل قضي لكل واحد بما في يد الآخر و هو الأليق بمذهبنا و كذا لو كان في يد كل واحد شاة و ادعى كل منهما الجميع و أقاما بينة قضي لكل منهما بما في يد الآخر.
الخامسة: لو ادعى شاة في يد عمرو و أقام بينة فتسلمها ثم أقام الذي كانت في يده بينة أنها له قال الشيخ ينقض الحكم و تعاد و هو بناء على القضاء لصاحب اليد مع التعارض و الأولى أنه لا ينقض.
السادسة: لو ادعى دارا في يد زيد و ادعى عمرو نصفها و أقاما البينة قضي لمدعي الكل بالنصف لعدم المزاحم و تعارضت البينتان في النصف الآخر فيقرع بينهما و يقضى لمن خرج اسمه مع يمينه و لو امتنعا من اليمين قضي بها بينهما بالسوية فيكون لمدعي الكل ثلاثة الأرباع و لمدعي النصف الربع.
و لو كانت يدهما على الدار و ادعى أحدهما الكل و الآخر النصف و أقام كل منهما بينة كانت لمدعي الكل و لم يكن لمدعي النصف شيء لأن بينة ذي اليد بما في يده غير مقبولة.
و لو ادعى أحدهما النصف و الآخر الثلث و الثالث السدس و كانت يدهم عليها فيد كل واحد منهم على الثلث لكن صاحب الثلث لا يدعي زيادة على ما في يده و صاحب السدس يفضل ما في يده ما لا يدعيه هو و لا مدعي الثلث فيكون لمدعي النصف فيكمل له النصف و كذا لو قامت لكل منهم بينة بدعواه و لو ادعى أحدهم الكل و الآخر النصف و الثالث الثلث و لا بينة قضي لكل واحد منهم بالثلث لأن يده عليه و على الثاني و الثالث اليمين لمدعي الكل و عليه و على مدعي الثلث اليمين لمدعي النصف.
و إن أقام كل منهم بينة فإن قضينا مع التعارض ببينة الداخل فالحكم كما لو لم يكن بينة لأن لكل واحد بينة و يدا على الثلث فإن قضينا ببينة الخارج و هو الأصح كان لمدعي الكل مما في يده ثلاثة من اثني عشر بغير منازع و الأربعة التي في يد مدعي النصف لقيام البينة لصاحب الكل بها و سقوط بينة صاحب النصف بالنظر إليها إذ لا تقبل بينة ذي اليد و ثلاثة مما في يد مدعي الثلث.
و يبقى واحد مما في يد مدعي الكل لمدعي النصف و واحد مما في يد مدعي الثلث يدعيها كل واحد من مدعي النصف و مدعي الكل يقرع بينهما و يحلف من يخرج اسمه و يقضى له فإن امتنعا قسم بينهما نصفين فيحصل لصاحب الكل عشرة و نصف و لصاحب النصف واحد و نصف و تسقط دعوى مدعي الثلث.
و لو كانت في يد أربعة فادعى أحدهم الكل و الآخر الثلثين و الثالث النصف و الرابع الثلث ففي يد كل واحد ربعها فإن لم يكن بينة قضينا لكل واحد بما في يده و أحلفنا كلا منهم لصاحبه.
و لو كانت يدهم خارجة و لكل بينة خلص لصاحب الكل الثلث إذ لا مزاحم له و يبقى التعارض بين بينة مدعي الكل و مدعي الثلثين في السدس فيقرع بينهما فيه ثم يقع التعارض بين بينة مدعي الكل و مدعي الثلثين و مدعي النصف في السدس أيضا فيقرع بينهم فيه ثم يقع التعارض بين الأربعة في الثلث فيقرع بينهم و يخص به من تقع القرعة له و لا يقضى لمن يخرج اسمه إلا مع اليمين و لا يستعظم أن يحصل بالقرعة الكل لمدعي الكل فإن ما حكم الله تعالى به غير مخطئ.
و لو نكل الجميع عن الأيمان قسمنا ما يقع التدافع فيه بين المتنازعين في كل مرتبة بالسوية فتصح القسمة من ستة و ثلاثين سهما لمدعي الكل عشرون و لمدعي الثلثين ثمانية و لمدعي النصف خمسة و لمدعي الثلث ثلاثة و لو كان المدعى في يد الأربعة ففي يد كل واحد منهم ربعها فإذا أقام كل واحد منهم بينة بدعواه قال الشيخ يقضى لكل واحد منهم بالربع لأن له بينة و يدا.
والوجه القضاء ببينة الخارج على ما قررناه فيسقط اعتبار بينة كل واحد بالنظر إلى ما في يده و يكون ثمرتها في دعوى التكملة فيما يدعيه مما في يد غيره فيجتمع بين كل ثلاثة على ما في يد الرابع و ينتزع لهم و يقضى فيه بالقرعة و اليمين و مع الامتناع بالقسمة فيجمع بين مدعي الكل و النصف و الثلث على ما في يد مدعي الثلثين و ذلك ربع اثنين و سبعين و هو ثمانية عشر فمدعي الكل يدعيها أجمع و مدعي النصف يدعي منها ستة و مدعي الثلث يدعي اثنين فيكون عشرة منها لمدعي الكل لقيام البينة بالجميع الذي يدخل فيه العشرة و يبقى ما يدعيه صاحب النصف و هو ستة يقرع بينه و بين مدعي الكل فيها و يحلف و مع الامتناع يقسم بينهما و ما يدعيه صاحب الثلث و هو اثنان يقرع عليه بين مدعي الكل و بينه فمن خرج اسمه أحلف و أعطي و لو امتنعا قسم بينهما ثم تجتمع دعوى الثلاثة على ما في يد مدعي النصف فصاحب الثلثين يدعي عليه عشرة و مدعي الثلث يدعي اثنين و يبقى في يده ستة لا يدعيها إلا مدعي الجميع فيكون له و يقارع الآخرين ثم يحلف.
وإن امتنعوا أخذ نصف ما ادعياه ثم تجتمع الثلاثة على ما في يد مدعي الثلث و هو ثمانية عشر فمدعي الثلثين يدعي منه عشرة و مدعي النصف يدعي ستة يبقى اثنان لمدعي الكل و يقارع على ما أفرد للآخرين.
فإن امتنعوا عن الأيمان قسم ذلك بين مدعي الكل و بين كل واحد منهما بما ادعياه ثم يجتمع الثلاثة على ما في يد مدعي الكل فمدعي الثلثين يدعي عشرة و مدعي النصف يدعي ستة و مدعي الثلث يدعي اثنين فتخلص يده عما كان فيها فيكمل لمدعي الكل ستة و ثلاثون من أصل اثنين و سبعين و لمدعي الثلثين عشرون و لمدعي النصف اثنا عشر و لمدعي الثلث أربعة هذا إن امتنع صاحب القرعة من اليمين و مقارعيه.
السابعة: إذا تداعى الزوجان متاع البيت قضي لمن قامت له البينة و لو لم تكن بينة فيد كل واحد منهما على نصفه قال في المبسوط يحلف كل واحد منهما لصاحبه و يكون بينهما بالسوية سواء كان مما يختص الرجال أو النساء أو يصلح لهما و سواء كانت الدار لهما أو لأحدهما و سواء كانت الزوجية باقية بينهما أو زائلة و يستوي في ذلك تنازع الزوجين و الوارث و قال في الخلاف ما يصلح للرجال للرجل و ما يصلح للنساء للمرأة و ما يصلح لهما يقسم بينهما (: و في رواية أنه للمرأة لأنها تأتي بالمتاع من أهلها) و ما ذكره في الخلاف أشهر في الروايات و أظهر بين الأصحاب و لو ادعى أبو الميتة أنه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره كلف البينة كغيره من الأنساب و فيه رواية بالفرق بين الأب و غيره ضعيفة