قال الأمينيّ: هل خفي على الخليفة أنّ ظاهر الكتاب لا يُغني الامّة عن السُّنَّة، وهي لا تفارقه حتى يردا على النبيّ الحوض، وحاجة الامّة إلى السُّنَّةَ لا تقصر عن حاجتها إلى ظاهر الكتاب؟
وَالكِتَابُ كَمَا قَالَ الأوْزَاعِيّ ومَكْحُولٌ أحْوَجُ إلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إلَى الكِتَابِ. («جامع بيان العلم وفضله» ج 2، ص 191).
أو رأى هناك اناساً لعبوا بها بوضع أحاديث على النبيّ الأقدس- وحقّاً رأى- فهمّ قطع جراثيم التقوّل عليه صلى الله عليه وآله، وتقصير تلكم الأيدي الأثيمة عن السُّنّة الشريفة؟ فإن كان هذا أو ذاك، فما ذنب مثل أبي ذرّ المنوَّه بصدقه بقول النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله: مَا أظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، ولَا أقَلَّتِ الغَبْرَاءُ عَلَى رَجُلٍ أصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أبِي ذَرٍّ؟[1] أو مثل عبد الله بن مسعود صاحب سرّ رسول الله، وأفضل من قرأ القرآن، وأحلَّ حلاله، وحرّم حرامه، الفقيه في الدين، العالم بالسُّنَّة؟[2] أو مثل أبي الدرداء عُوَيْمِر كبير الصحابة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله؟[3] فلما ذا حبسهم حتى اصيب؟ ولما ذا هتك اولئك العظماء في الملأ الدينيّ وصغّرهم في أعين الناس؟ وهل كان أبو هريرة وأبو موسى الأشعريّ من اولئك الوضّاعين حتى استحقّا بذلك التعزير والنهر والحبس والوعيد؟! أنا لا أدري!
نعم، هذه الآراء كلّها أحداث السياسة الوقتيّة سدّت على الامّة أبواب العلم، وأوقعتها في هوّة الجهل ومعترك الأهواء وإن لم يقصدها الخليفة، لكنّه تترّسَ بها يوم ذاك، وكافح عن نفسه اقتحام المعضلات، ونجا بها عن عويصات المسائل.
م- وبعد نهي الامّة المسلمة عن علم القرآن، وإبعادها عمّا في كتابها من المعاني الفخمة والدروس العالية من ناحية العلم والأدب والدين والاجتماع والسياسة والأخلاق والتأريخ، وسدّ باب التعلّم والأخذ بالأحكام والطقوس ما لم يتحقّق ويقع موضوعها، والتجافي عن التهيّؤ بدين الله قبل وقوع الواقعة، ومنعها عن معالم السُّنَّة الشريفة، والحجز عن نشرها في الملأ. فبأيّ علم ناجع، وبأيّ حُكم وحِكَم تترفّع وتتقدّم الامَّة المسكينة على الامم؟ وبأيّ كتاب وبأيّة سُنَّةٍ تتأتّى لها سيادة العالم التي أسّسها لها صاحب الرسالة الخاتمة؟ فسيرة الخليفة هذه ضربة قاضية على الإسلام وعلى امّته وتعاليمها وشرفها وتقدّمها وتعاليها عَلِمَ بها هو أو لم يعلم، ومن ولائد تلك السيرة الممقوتة حديث كتابة السُّنن، ألا وهو: حديث كتابة السُّنن: عن عروة أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السُّنن فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثمّ أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إنّي كنتُ اريد أن أكتب السُّنن وإنّي ذكرتُ قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.[4]
وقد اقتفى أثر الخليفة جَمْعٌ وذهبوا إلى المنع عن كتابة السُّنَن خلافاً للسُّنَّةِ الثابتة عن الصادع الكريم.[5]
رأي الخليفة في الكتب: أضف إلى الحوادث الأربعة- حادث مشكلات القرآن، وحادث السؤال عمّا لم يقع، وحادث الحديث عن رسول الله، وحادث كتابة السُّنن- رأى الخليفة واجتهاده حول الكتب والمؤلّفات. أتى رجل من المسلمين إلى عمر فقال: إنّا لمّا فتحنا المدائن أصبنا كتاباً فيه علم من علوم الفرس وكلامٌ معجبٌ. فدعا بالدَّرَّة فجعل يضربه بها ثمّ قرأ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ.[6] ويقول: ويلك! أقَصص أحسن من كتاب الله؟! إنّما هلك من كان قبلكم لأنّهم أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم وتركوا التوراة والإنجيل حتى درسا وذهب ما فيهما من العلم!
صورة اخرى: عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطّاب رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إنّا لمّا فتحنا المدائن أصبتُ كتاباً فيه كلامٌ معجبٌ، قال: أمِنْ كتاب الله؟ قال: لا! فدعا بالدرّة فجعل يضربه بها، فجعل يقرأ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. إلى قوله تعالى: وإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ.[7] ثمّ قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم وتركوا التوراة والإنجيل حتى درسا وذهب ما فيهما من العلم.
وأخرج عبد الرزّاق، وابن الضريس في «فضائل القرآن»، والعسكريّ في «المواعظ»، والخطيب عن إبراهيم النخعيّ قال: كان بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال. فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطّاب أن يُرفع إليه، فلمّا قدم على عمر علاه بالدرّة ثم جعل يقرأ عليه: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ- حتى بلغ- الْغافِلِينَ. قال: فعرفتُ ما يريد. فقلتُ: يا أمير المؤمنين! دعني فو الله لا أدع عندي شيئاً من تلك الكتب إلّا أحرقتُه فتركه. (راجع «سيرة عمر» لابن الجوزيّ» ص 107؛ و«شرح ابن أبي الحديد» ج 3، ص 122؛ و«كنز العمّال» ج 1، ص 95).
وجاء في تاريخ «مختصر الدُّوَل» لأبي الفرج الملطيّ المتوفّى سنة 684 هـ، ص 180 من طبعة بوك في اوكسونيا، سنة 1663 م، ما نصّه: وعاش يحيى الغراماطيقيّ إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندريّة ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفيّة التي لم تكن للعرب بها انسة ما هالَهُ ففتن به. وكان عمرو عاقلًا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه ثمّ قال له يحيى يوماً: إنّك قد أحطتَ بحواصل الإسكندريّة وختمتَ على كلّ الأصناف الموجودة بها، فما لك به انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه؟ قال: كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكيّة. فقال عمرو: هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلّا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب.
فكتب إلى عمر وعرّفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: وأمَّا الكُتُبُ التي ذَكَرْتَهَا، فَإنْ كَانَ فِيهَا مَا وافَقَ كِتَابَ اللهِ فَفِي كِتَابِ اللهِ عَنْهُ غِنى. وإنْ كَانَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَتَقَدَّمْ بِإعْدَامِهَا.
فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمّامات الإسكندريّة وإحراقها في مواقدها فاستُنفذت في مدّة ستّة أشهر فاسمع ما جرى واعجب!
هذه الجملة من كلام الملطيّ ذكرها جرجي زيدان في «تاريخ التمدّن الإسلاميّ» ج 3، ص 40، برمّتها. فقال في التعليق عليها: النسخة المطبوعة في مطبعة الآباء اليسوعيّين في بيروت قد حُذفت منها هذه الجملة كلّها لسبب لا نعلمه.
وقال عبد اللطيف البغداديّ المتوفّى سنة 629 هـ في «الإفادة والاعتبار» ص 28: رأيتُ أيضاً حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور. ويظهر من حالها أنّها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبّة هو حاملها. وأرى أنّه الرواق الذي كان يدرس فيه ارسطوطاليس وشيعته من بعده وأنّه دار المعلّم التي بناها الإسكندر حين بني مدينته، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر.[8]
استبان ممّا عرضناه باقتضاب أنّ جملة حَسْبُنا كتابُ اللهِ لم تمثّل رأى عمر فحسب، بل مثّلت رأى أبي بكر وعثمان أيضاً. وكذلك رأى الحكّام الأمويّين الغاصبين. فالجميع ساروا على هذا النهج. وكان تدوين الحديث محظوراً حتى عصر عمر بن عبد العزيز حيث انقضى القرن الأوّل الهجريّ، ولم يُلْحَظْ أثر من الحديث والسنّة والتدوين حتى انقضى قرن ونصف من الزمان، ثمّ إنّ علماء العامّة شرعوا بعد ذلك يدوّنون الأحاديث.
لذلك عمل عمر بالحمل الأوّليّ الذاتيّ، أي أنّه عمل بمفهوم ومفاد حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، كما عمل في الخارج بالحمل الشائع الصناعيّ أيضاً، وحال دون تدوين الحديث وبيان السُّنَّة، فلم يَبْقَ بِيَدِ الامّة إلّا ظاهر القرآن.
[1] «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 342 و344.
[2] «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 312 و315.
[3] «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 337.
[4] «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 206؛ و«مختصر جامع بيان العلم» ص 33.
[5] راجع «سنن الدارميّ» ج 1، ص 125؛ و«مستدرك الحاكم» ج 1، ص 104 إلى 106، و«مختصر جامع بيان العلم» ص 36 و37.
[6] الآية 3، من السورة 12: يوسف.
[7] الآيات 1 إلى 3، من السورة 12: يوسف. والآية الثالثة تامّة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أوْحَيْنَآ إلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وإن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ.
[8] «الغدير» ج 6، ص 294 إلى 296، باب نوادر الأثر في علم عمر. وقد تطرّقنا بإيجاز إلى موضوع حرق مكتبة إيران ومصر في كتاب «نور ملكوت القرآن» من سلسلة أنوار الملكوت، ج 4، البحث التاسع. وذكرنا أنّ هذه الإشاعة مكيدة من مكائد الاستعمار ولا سند لها تاريخيّاً.