

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
بعثة (رينل رود) إلى الحبشة
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 406 ــ 413
2026-04-18
59
تكلم «رينل رود» عن الغرض من إرسال بعثته إلى الحبشة فقال:
إنه لما كان الآن واضحًا أن العمليات في السودان سوف يترتب عليها تولي الحكم والإدارة في حوض النيل الأعلى، فقد صار من المرغوب فيه الاستفادة في الفترة من الزمن التي يجب أن تمضي قبل إمكان استئناف الزحف، والحصول إذا أمكن على حياد الأحباش المشبع بالود والعطف، وهم الذين بعد نجاحهم الأخير ضد الطليان قد أصبحوا قوة ذات شأن في مساحة شاسعة من الأراضي المتاخمة للسودان.
وتعددت الأسباب التي جعلت إرسال مثل هذه البعثة ضروريًّا؛ وأول هذه الأسباب ما كان يروج من إشاعات بأن الأحباش على وشك الاتفاق، أو أنهم قد اتفقوا فعلًا مع «المهدية» على استئناف العلاقات بالرغم من هزيمة القلابات التي مات فيها الملك يوحنا (1889م)، خصوصًا وأن الأحباش يشكون في أن الإنجليز قد أمدوا الطليان بالأسلحة لغزو بلادهم. أضف إلى هذا أن الرسالات التبشيرية الفرنسية في الحبشة كانت عظيمة النشاط منذ أن استولى الفرنسيون على «أوبوك» (Obok) وجيبوتي، وتأسست مستعمرة الصومال الفرنسي. وكانت الحكومة الفرنسية قررت في ديسمبر 1896م إرسال حاكم هذه المستعمرة «لجارد» (Lagarde) إلى أديس أبابا ليبذل كل ما وسعه من جهد مع منليك ليوافق على تسهيل مرور حملتين فرنسيتين في بلاده إحداهما برئاسة «كلوشيت» (Clochette) الذي كان وقتئذٍ في الحبشة، والأخرى برئاسة «بونفالو» (Bonvalot) الذي كان منتظرًا وصوله في أي وقت، ومهمتهما الوصول إلى النيل. وقد تطايرت الشائعات بأن «لجارد» مكلف بالمفاوضة مع منليك للوصول إلى اتفاق سياسي معه، وبأن «بونفالو» مكلف بدراسة مشكلة فتح الحبشة للنشاط التجاري. وقد أخذ «بونشامب» (Bonchamps) بعد قليل مكان «بونفالو» في قيادة هذه البعثة. ومن المعروف أن «لجارد» فيما بعد وصل إلى أديس أبابا في مارس 1897م وغادرها قبل أن يبلغها «رينل رود» نفسه بأسابيع قليلة.
وثمة سبب آخر؛ هو أنه كان معروفًا أن حملة أخرى فرنسية على وشك الزحف في منطقة الأوبانجي العليا على النيل، منذ أن صدرت تعليمات الحكومة الفرنسية في فبراير 1896م إلى كل من «ليوتار» و«مارشان» ليقود هذا الأخير حملة غرضها الوصول إلى النيل ورفع العلم الفرنسي على فاشودة. وكانت هذه التعليمات سرية، ولم يعرف البريطانيون شيئًا على وجه الدقة عن نشاط الفرنسيين في هذه الجهات، ولكنهم اعتقدوا أن الفرنسيين على كل حال «لا يقصدون خيرًا». وعندما قصدت جماعة فرنسية ثالثة برئاسة البرنس هنري دورليان إلى الحبشة، وذهب البرنس إلى أديس أبابا لمقابلة منليك، ساد الاعتقاد بأن الغرض من حملته هو الزحف صوب النيل من الشرق لمقابلة الحملة الزاحفة عليه من الغرب.
وإلى جانب هذا كله كان الروس يعملون للتوغل في الحبشة، فاستطاع أخيرًا أحد رجالهم «ليونتيف» (Léontieff) وهو صحفي أن يأخذ إلى روسيا جماعة من الأحباش، من أجل التقريب بين الأمتين، حيث يساعد على ذلك ما هنالك من تقارب أو صلات بين الكنيستين الروسية والحبشية. وخشي الإنجليز أن يسعى هؤلاء الوكلاء الروس مع زملائهم الفرنسيين في تشويه أغراض الإنجليز في حوض النيل بصورة تستفز منليك ضد المطامع البريطانية. وكان الخطر الذي يعمل الإنجليز لوقفه هو مرور السلاح والذخيرة من أرض الحبشة إلى الدراويش في السودان.
وعلاوة على ذلك، فقد كان واجب البعثة البريطانية «بعثة رينل رود» أن تبذل قصارى جهدها لتحول دون أي تعاون من جانب منليك مع الخليفة عبد الله، وأن تجمع كل ما يتسنَّى لها أن تجمعه من معلومات عن الحالة في داخل الحبشة ذاتها، على أن تنظر البعثة بعد نجاح مهمتها مسألة تخطيط الحدود بين الصومال البريطاني والحبشة، ناحية هرر.
صدرت تعليمات الحكومة البريطانية إلى «رينل رود» في بداية فبراير 1897م بالذهاب إلى أديس أبابا؛ ليوضح للنجاشي منليك أن العمليات العسكرية التي تقوم بها الحكومة المصرية في السودان، إنما الغرض منها هو استرجاع المديريات التي كانت سابقًا تحت حكم مصر، وليس مبعث هذه العمليات العسكرية أية نوايا عدائية نحو الحبشة. وبمقتضى التعليمات الصادرة إليه لا تعارض الحكومة البريطانية في الاعتراف بتخطيط الحدود الحبشية بين خطَّي عرض عشرة وخمس عشرة درجة شمالًا مما لا يتجاوز منطقة النفوذ التي أُعطيت لإيطاليا في بروتوكول 15 أبريل 1891م. بل إن الحكومة البريطانية — كما استمرت التعليمات تقول — مستعدة تمامًا للموافقة على امتداد آخر للحدود «الحبشية»، حتى تصل إلى ذلك الجزء من النيل الأزرق الذي يقع بين كركوج وفامكة، إذا اتضح أن هذا الامتداد ضروري في نظير الحصول على محالفة منليك وتعاونه ضد الدراويش مع الحكومة البريطانية. ولكن هذه المسألة بالذات — امتداد الحدود — إنما تتعلق بدرجة كبيرة بالمصالح المصرية. وفي الختام طلبت التعليمات من «رينل رود» أن يتبع في هذه المفاوضة، الإرشادات والنصائح والمعلومات التي يزوده بها اللورد كرومر في القاهرة قبل قيام البعثة.
وتألفت البعثة من جملة أعضاء، يهمنا أن نذكر منهم الكابتن الكونت جليخن (Gleichen) الذي نشر كتابًا عن هذه البعثة في سنة 1789م، وكان من قسم المخابرات بوزارة الحرب البريطانية والكولونيل «ونجت»، رئيس المخابرات العسكرية في الجيش المصري، وأما ترجمان البعثة، فكان «والدو هيمانوت» (Waldo Heimanaut) أحد الأحباش من شوي المقيمين بالقاهرة.
غادرت البعثة الإسماعيلية إلى عدن بطريق البحر في فبراير 1897م، ومن عدن وصلوا بحرًا إلى زيلع في 20 مارس 1897م، وبعد عشرة أيام كانوا قد بلغوا «جلديسا» (Gyildeissa)، وهي محطة جمركية بينها وبين هرر أربعون ميلًا. وهرر هذه كانت مقر الرأس ماكونن وقاعدة مقاطعة هرر التي تخضع له. وكان الرأس ماكونن يحكم هرر منذ أن انتهى حكم أميرها المستقل الأمير عبد الله ابن الأمير محمد عبد الشكور، والذي تسلَّم الحكم فيها بعد جلاء المصريين منها في 1885م. وقد ذكرنا أن منليك الثاني ملك شوي ضمها إلى الحبشة بعد ذلك بعامين (1887م). وغادرت البعثة هرر في 8 أبريل 1897م فوصلت أخيرًا إلى أديس أبابا في 28 أبريل 1897م.
وفي أول مقابلة للبعثة مع الإمبراطور (أو نجاشي النجاشية) منليك الثاني يوم 28 أبريل نفسه؛ أبلغه «رينل رود» أن ملكة بريطانيا انتهزت فرصة مرور ستين سنة على اعتلائها العرش البريطاني، فأوفدته (أي رينل رود) في بعثة خاصة إلى الإمبراطور يحمل إلى جلالته رسالة ود وصداقة وتأكيد لنوايا بلاده السلمية، ولرغبة صادقة في أن تسود العلاقات الطيبة بين بلدي جلالتها والإمبراطور. ثم سلم منليك رسالة من الملكة فكتوريا، وأخرى من الخديوي عباس، وثالثة من بِطريق الأقباط في مصر.
وحضر المقابلة إلى جانب رجال الإمبراطور ومستشاره الخاص، وكان سويسريًّا يُدعى «إلج» (Ilg)، أعضاء البعوث الأجنبية، ومنهم بعض من ذكرت الشائعات أسماءهم قُبيل قيام البعثة إلى الحبشة؛ مثل «بونفالو» والبرنس هنري دورليان، الفرنسيين، وليونتيف الروسي.
وعَرف «رينل رود» أن البعثة الفرنسية برئاسة «كلوشيت» قد وصلت إلى أديس أبابا قبل وصوله هو بأسابيع قليلة، وأن كلوشيت لا يزال يعيد تنظيم حملته في مكان بعيد بمسافة ساعتين أو ثلاث ساعات فقط من أديس أبابا استعدادًا لاستئناف الزحف صوب النيل، حتى يقابل الحملة التي يقودها «مارشان» وتزحف من الغرب.
وعَرف «رينل رود» كذلك أن الخليفة عبد الله أوفد بعثتين إلى أديس أبابا. ومع أن «رينل رود» لم يستطع معرفة الغرض من هذه البعوث على وجه التحقيق، فقد كان المفهوم أن الغرض منها هو إنشاء الصلات الودية مع منليك، في الوقت الذي كان متوقعًا فيه أن يستأنف المصريون والإنجليز زحفهم جنوب دنقلة. وعرف رينل رود أن منليك اتخذ موقف الحياد، فأجاب بأنه لا يرغب في تجديد الحرب والعداء ضد المهدية، ولكنه لا يريد في الوقت نفسه أن يعد بمساعدة الخليفة. وقد تحددت إقامة البعثة السودانية أثناء وجودها في أديس أبابا، فنزلت في منزل أبونا متاؤس القبطي، ومنعت من الاتصال بأحد، وكان رئيس البعثة الثانية محمد عثمان ودحاج خالد العمراني.
وتعددت المقابلات بين منليك ورينل رود، وأوضح «رينل رود» أن حكومته تريد «تنظيم» الحدود الشرقية وحماية مصالح بريطانيا التجارية. وفيما يتعلق بالمصالح المصرية الوصول إلى تفاهم مع منليك بشأن بعض الأراضي، وأن الحبشة عليها بموجب المعاهدة المبرمة في 3 يونيو 1884م مع الأميرال هويت (Hewett) أن تحيل على الحكومة البريطانية، وليس على أحد سواها كل النزاعات التي تنشأ بينها وبين مصر. وعندما اعترض منليك بأن بريطانيا أحضرت الطليان إلى مصوع؛ أي إنها المسئولة عن احتلالهم مصوع في فبراير 1885م، فوضعت بذلك — كما قال منليك — الطليان بين الأحباش والبريطانيين أنفسهم، نفي «رينل رود» أن بريطانيا مسئولة عن ذلك؛ لأن احتلال مصوع إجراء قامت به دولة أوروبية مستقلة ليس لأحد سلطان عليها، هذا من جهة؛ ولأن مصر لم يكن في وسعها وقف هذا الاحتلال وقتئذٍ، من جهة أخرى، وليس للحكومة البريطانية أي حق في معارضته. وإلى جانب هذا فإن احتلال الطليان لمصوع ليس من شأنه أن يلغي أو أن يضعف المعاهدة القائمة بين إنجلترا والحبشة، بدليل أن الحبشة لا تزال تحتل إقليم بوغوص الذي احتلته بناء على هذه المعاهدة. ولذلك فإن الحكومة البريطانية متمسكة كذلك بحقها في تسوية أي نزاع يقوم بين الحبشة ومصر. وإذا كان هناك اعتراض آخر بأن إنجلترا قبلت تفسير إيطاليا لمعاهدة «أتشيالي» المبرمة بين الطليان ومنليك في 2 مايو 1889م، فالذي حدث هو أن الحكومة البريطانية قبلت نص المعاهدة بالصورة التي أبلغها لها الطليان، ولم تعلم إلا مؤخرًا أن حكومة الحبشة ترفض الاعتراف بأي تفسر لا يستند على النصوص الأمهرية للمعاهدة؛ وذلك كان السبب في أن الحكومة البريطانية عندما أرادت النظر في رسم الحدود بين الحبشة والصومال البريطاني أبلغت رغبتها هذه إلى منليك عن طريق الحكومة الإيطالية التي فهمت — وعلى خلاف ما اتضح أخيرًا — أنها السبيل الصحيح والوسيط بين الحبشة والحكومات الأجنبية بمقتضى معاهدة «أتشيالي». ومع ذلك فقد اعتبرت الحكومة الإنجليزية بعد أن اتخذت هذه الخطوة أن مسألة الحدود قد سُويت، ونفى منليك أن أحدًا أبلغه رغبة الحكومة البريطانية هذه.
وتحدث «رينل رود» مع منليك في مسائل التجارة، ومعاملة الإنجليز معاملة الدولة الأكثر رعاية، ثم في مكافحة وإلغاء تجارة الرقيق، ومنع مرور الأسلحة والذخائر من أراضيه إلى الأماكن التي تنشط فيها تجارة الرقيق، مثل السودان. وقد وعد منليك برعاية مصالح الإنجليز التجارية ومكافحة تجارة الرقيق في بلاده، ومنع مرور الأسلحة إلى السودان، حيث قال إن الدراويش هم أعداؤه كما أنهم أعداء الإنجليز. وتحدث «رينل رود» معه عن بعثة «كلوشيت»، وعندئذٍ نفى منليك أنها تحمل سلاحًا وذخيرة لأغراض غير الصيد والقنص. ثم طلب منليك من ناحيته — وكما فعل ذلك أيضًا الرأس ماكونن — أن يسمح الإنجليز بمرور الأسلحة من زيلع إلى الحبشة، فوعد «رينل رود» أن تجيز حكومته ذلك إذا وافق الفرنسيون على أن معاهدتهم مع الإنجليز في 2 / 9 فبراير 1888م بشأن تحديد مناطق النفوذ على خليج تاجورة وعلى ساحل الصومال تجيز ذلك. وأشار «رينل رود» إلى أن الإنجليز في الوقت نفسه يؤدون خدمة جليلة لمنليك بإغلاق زيلع في وجه القبائل المعادية له والتي كانت في حرب معه، فلم تحصل على أية إمدادات من زيلع.
وأما فيما يتعلق برسم الحدود الحبشية عمومًا، ومطالب الإنجليز بشأن حدود الصومال البريطاني الملاصق للصومال الفرنسي من جهة، والحدود بين مصر «والسودان» والحبشة، فإن «رينل رود» لم يلبث أن اكتشف أن منليك أصدر منشورًا إلى كل الدول — قال «رينل رود»: إنه لم يره إطلاقًا — يدعي فيه حقوقًا واسعة تشمل امتلاك نصف مساحة الصومال البريطاني، وكل الأراضي الممتدة غربًا إلى النيل، بشكل يعيد تأسيس مملكة إثيوبيا القديمة، ووجد «رينل رود» أن الأراضي التي توافق حكومته على إعطائها لمنليك في السودان وصوب النيل الأزرق — وذلك في نظير عقد محالفة صريحة معه — تقل كثيرًا عن «التوسع» الذي يريده منليك في هذه الجهات أو في الصومال. وعلى ذلك فقد رأى «رينل رود» من الحكمة تأجيل كل المسائل المتعلقة برسم الحدود في هذا الجانب الغربي إلى ما بعد استرجاع الخرطوم، وتأسيس السيطرة المصرية في حوض النيل. وفي 14 مايو 1897م، وهو يوم توقيع المعاهدة في أديس أبابا، كتب «رينل رود» إلى «سولسبري»: «إنه إذا حصل أن تقرر إعادة الاستيلاء على أم درمان، وقام أسطول قوي من البواخر بأعمال الرقابة في امتداد النيل الطويل الذي يجري بدون عقبات من الخرطوم إلى فاشودة، فسوف يكون لدينا تلك القوة الأدبية التي تسندنا عند بيان مطالبنا ومطالب مصر في عبارات واضحة صريحة؛ الأمر الذي تفتقده الآن تمامًا.»
وفي 14 مايو 1897م أمكن إذن توقيع معاهدة أديس أبابا. وفي اليوم التالي (15 مايو) غادرت البعثة أديس أبابا، فوصلت هرر في 31 مايو، حيث بقيت بها بضعة أيام؛ لإنهاء بعض المسائل المعلقة بالمفاوضة والاتفاق مع الرأس ماكونن، ثم غادرت البعثة هرر في 4 يونيو 1897م، فوصلت إلى زيلع في 14 يونيو، فأبحرت منها إلى عدن ثم إلى السويس، وبور سعيد، وواصل «رينل رود» السفر إلى لندن.
وتتألَّف معاهدة أديس أبابا من ست مواد؛ تنص المادة الأولى على أن يكون لدى كل من الطرفين المتعاقدين مطلق الحرية في المجيء إلى أراضي الطرف الآخر والذهاب منها والتجارة فيها، ولكن يمتنع على أية عصابات مسلحة عبور الحدود من الجانبين إلا بتصريح سابق من السلطات المختصة. وفي المادة الثانية أُرجئ تخطيط الحدود بين مستعمرة الصومال البريطاني والحبشة إلى اتفاق ينتهي إليه «رينل رود» مع الرأس ماكونن، بتبادل المذكرات التي تلحق بالمعاهدة وتكون جزءًا منها. وفي المادة الثالثة يبقى طريق القوافل بين زيلع وهرر والمارُّ بجلديسة مفتوحًا على امتداده لتجارة البلدين. وفي المادة الرابعة يعامل نجاشي الحبشة رعايا بريطانيا ومستعمراتها فيما يتعلق بالرسوم الجمركية والضرائب المحلية معاملة رعايا الدول الأخرى في كل المزايا التي ينالها هؤلاء. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تمر كل السلع والمواد المخصصة للحبشة من ميناء زيلع من غير أن تدفع عليها أية ضريبة بمجرد أن يقدم النجاشي طلبًا بذلك. وفي المادة الخامسة، تجيز الحكومة البريطانية مرور الأسلحة والذخائر المخصصة لإمبراطور الحبشة في أراضيها على أن يخضع ذلك للشروط المنصوص عليها في القرار العام الذي اتخذه مؤتمر بروكسل في 2 مايو 1890م. وفي المادة السادسة يتعهد منليك قبل جلالة ملكة بريطانيا بأن يمنع بكل ما يملك من قوة مرور الأسلحة والذخائر من أرضه، وكل أملاكه إلى المهديين الذين يعلن أنهم أعداء إمبراطوريته.
وفي هرر أمكن توقيع اتفاق مع الرأس ماكونن في 4 يونيو 1897م أُلحق بالمعاهدة، وذلك بشأن تعيين الحدود بين الصومال البريطاني والحبشة، في صورة خطابين متبادلَين من «رينل رود» والرأس ماكونن.
وهكذا تكون بعثة «رينل رود» نجحت في تحقيق ما كان مرجوًّا منها، فاستطاعت أن تزيل كل سوء تفاهم بين بريطانيا ومنليك بسبب موقف الأولى من معاهدة «أتشيالي» ومؤازرتها للطليان في مشروعاتهم التوسعية في إرتريا. وتعهد منليك بعدم مساعدة المهديين، وأعلن أنهم أعداؤه؛ كما سُويت حدود الصومال البريطاني، وأمكن اتخاذ الأهبة لتسوية المشاكل الحدودية المنتظر أن تنشأ بين السودان والحبشة عند تقرير استئناف الزحف إلى الجنوب — بعد دنقلة — لاسترجاع السودان.
ومع ذلك فإن البعثة لم تكن موفقة في مسعاها لوقف نشاط البعثات الفرنسية أو وقف زحفها غربًا. ذلك أن الفرنسيين استطاعوا أن يصلوا بحملتهم بقيادة «بونشامب». وكان «كلوشيت» قد تُوفي أثناء ذلك — إلى ملتقى السوباط بالأجوبا (Ajuba) في أواخر ديسمبر 1897م على مسافة مائة ميل فقط تقريبًا من فاشودة، ولكن لم يكن لدى الحملة الوسائل التي تستطيع بها عبور الأنهر، وكان الجوع يفتك بها، فاضطرت إلى النكوص على أعقابها، ولكن لم تلبث أن تجددت المحاولة، فاستطاع الفرنسيون أن يصلوا بقيادة الضابط «فافر» (Faivre) الذي خلف «بوشامب» ومعهم قسم من جيش منليك نفسه بقيادة الدجاج تساما (Dedjaz Tessama) الوصول إلى النيل يوم 22 يونيو 1898م؛ أي قبل وصول «مارشان» إلى فاشودة بثلاثة أسابيع فقط، وكان مع الحملة أحد الروس في أديس أبابا «ويدعى أرتامانوف Artamanoff» وحملة «تساما» هذه جزء من المحاولات الواسعة التي أراد بها منليك توسيع حدوده نحو حوض النيل وتثبيتها.
وعلاوة على ذلك، فإنه قبل وصول بعثة «رينل رود» إلى أديس أبابا بأيام قليلة كان «لجارد» (Lagarde) باسم الجمهورية الفرنسية قد أبرم اتفاقًا مع منليك في أديس أبابا في 22 مارس 1897م بشأن تخطيط الحدود بين الصومال الفرنسي والحبشة، ومنع أية دولة أجنبية من التداخل في منطقة النفوذ الفرنسي، والتسليم بحق الحبشة في الحصول على الملح من بحيرة «أسال» (Assal).
وكان هذا النشاط الفرنسي بالزحف على حوض النيل الأعلى من ناحية الحبشة «بعثات كلوشيت، بونشامب، فافر» من جهة، وبالزحف عليه كذلك من ناحية الكونغو الفرنسية والأوبانجي العليا من الغرب «بعثة مارشان، وليوتار» من جهة أخرى السبب الرئيسي في تقرير الحكومة البريطانية استئناف الزحف من دنقلة، وسبق الفرنسيين في الوصول إلى فاشودة، واسترجاع كل أقاليم السودان المصري.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)