

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
عهد سيطرة المهدية في السودان (انسحاب حملة الانقاذ (أو الحملة النيلية)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 313 ــ 321
2026-04-13
38
رجعت الحملة أدراجها، فوصلت بعد صعوباتٍ إلى القبة في مساء 4 فبراير 1885م. وكانت القوة التي بالقُبَّة علمت بسقوط الخرطوم منذ أول فبراير، فأبلغته إلى اللورد ولسلي في كورتي. وأبرق هذا في يوم وصول الخبر إليه في 4 فبراير 1885م إلى حكومته في لندن، فوقع خبر مقتل غوردون وسقوط الخرطوم وقوع الصاعقة هناك. وكان من أثر هياج الرأي العام وسخطه على الحكومة التي ظلت تتباطأ في إرسال النجدة — كما اعتقد — حتى أضاعت الوقت ووصلت حملة الإنقاذ بعد «فوات الفرصة»؛ أن خضعت سياسة الحكومة في الفترة التالية لضغط الرأي العام عليها، بصورة جعلتها تترك الخطة التي التزمتها سابقًا، من حيث عدم الرغبة في التدخل في شئون السودان، وعدم تحمل أية مسئوليات بشأنه، حتى إنها عندما اضطرت إلى التدخل حددت أغراض حملة الإنقاذ — كما رأينا — بأنها إنقاذ غوردون والحامية، وتخليصهما من الخرطوم، ثم الانسحاب من البلاد وإخلائها؛ فاضطرت الآن أمام إلحاح اللورد ولسلي في طلب التعليمات المفصلة عن الخطة الواجب عليه اتباعها بخصوص السودان بعد سقوط الخرطوم، أن تبرق إليه بتعليماتها في 7 فبراير 1885م: «من هارتنجتون إلى ولسلي: إن سياستك الحربية تؤسس على الضرورة التي نعترف نحن بها، حسب بيان الحقائق التي أمامنا الآن؛ على ضرورة أن قوة المهدي في الخرطوم يجب القضاء عليها. ونحن نترك لك تقرير الإجراءات العسكرية التي هي أفضل لتحقيق هذه الغاية، وفيما إذا كان يجب الزحف في هذا الفصل أو في الفصل التالي. وعلى أساس بيان سياستنا هذا نطلب منك إخبارنا فورًا عن القوات الإضافية التي تريدها، ومتى وأين يجب إرسالها، وكذلك فيما إذا كنت — حسب الخطة التي تتخذها بناء على التعليمات الصادرة إليك — تريد إرسال قوة فورًا للهجوم على عثمان دقنة.»
بناءً على هذه التعليمات أمر اللورد ولسلي القوات الموجودة في «القبة»، برئاسة الجنرال السير ردفرس بولر (Redvers Buller)، الذي تسلَّم القيادة من السير هربرت ستيوارت بعد جرحه أن يستولي على المتمة بمجرد أن يتجهز لذلك، على أن يضم قواته بعد ذلك إلى قوات الجنرال «إرل» (Earle) (وهو الذي كان يقود قسم الجيش الزاحف من كورتي على طريق النيل في الوقت الذي تقدم فيه «طابور الصحراء»، بقيادة الجنرال السير هربرت ستيوارت لنجدة غوردون)، فتقوم القوتان بهجوم على بربر. وقد طلب من «إرل» بعد أن يستولي على «أبي حمد» أن يكون قريبًا من بربر في نهاية فبراير لهذا الغرض. وكان على القوتين بعد الاستيلاء على بربر، الزحف على الخرطوم في فصل الشتاء التالي.
ولكن القوة الموجودة في «القبة» لم تكن في حالة تسمح لها بالزحف على المتمة؛ وذلك لقلة عددها، ولقلة الجمال اللازمة لنقل المؤن؛ ولأن المؤن ذاتها كانت قليلة جدًّا، بحيث لا تكفي إلَّا لاثني عشر يومًا فقط؛ بينما المتمة مدينة محصنة، وبها حامية من حوالي 2000 رجل، ويستعد المهدي لإرسال الإمدادات القوية إليها. فقرر «بولر» التقهقر إلى «أبي طليح» التي وصلها في 15 فبراير.
أمَّا القوة التي مع الجنرال «إرل»، والتي مهمتها الاستيلاء على أبي حمد، ثم التقدم إلى بربر، فقد غادرت كورتي في 28 ديسمبر 1884م، واضطرت إلى التوقف بعض الوقت عقب سقوط الخرطوم، ثم صدرت الأوامر إليها ثانية بالتقدم في 7 فبراير. وفي 10 فبراير 1885م اشتبكت مع الدراويش، وانتصرت عليهم في معركة حامية عند جبل كربكان (Kirbekan). وسقط في هذه المعركة الجنرال «إرل»، وتسلَّم القيادة الجنرال براكنبري (Brackenbury). وفي 16 فبراير وصلت الأوامر من اللورد ولسلي بأن يقابل هذا الطابور طابور الصحراء في موعد لا يتجاوز 26 فبراير، وذلك للقيام بهجوم مشترك على بربر. وعندئذٍ بعث «برانكبري» يوضح للجنرال ولسلي كل الصعوبات التي تحُول دون تنفيذ التعليمات الخاصة بالهجوم على بربر في الموعد المحدد لهذا الهجوم.
وعرف ولسلي صعوبات الموقف من التقارير التي وصلته في وقت واحد من قائدي الطابورين، «بولر» و«براكنبري»، وحينئذٍ تبين له استحالة الاستيلاء على بربر قبل قدوم الصيف، وقرر سحب قواته إلى مكان بين دنقلة ومروى، يعسكرون فيه خلال شهور الصيف، وأصدر تعليماته بذلك في 20 فبراير 1885م. وفي حوالي منتصف مارس كانت هذه القوات جميعها قد عادت إلى كورتي في انتظار استئناف الزحف — بعد إمداد الحملة بالمؤن والرجال — على الخرطوم في الشتاء القادم.
وقد تأثرت العمليات العسكرية التي كانت تجري مستقلة في السودان الشرقي بقرار الحكومة تحطيم قوة المهدي، بعد مقتل غوردون وسقوط الخرطوم، وكان ولسلي اقترح لهذا الغرض إرسال قوة كبيرة إلى سواكن؛ للقضاء على عثمان دقنة — وكانت هذه من حوالي 13000 رجل بكل معداتهم — ولإنشاء سكة حديدية بين سواكن وبربر، وقد تعيَّن لقيادة هذه القوة الجنرال جراهام في 20 فبراير 1885م، فرحل جراهام إلى سواكن في 12 مارس، وأحرز جراهام جملة انتصارات في حملته الثانية هذه، أعادت إلى الأذهان انتصارات حملته الأولى؛ فانتصر على عثمان دقنة في واقعة «تل هشيم» في 20 مارس 1885م، والتحم معه في معركة حامية بعد ذلك بيومين في طريق «تماي» — واقعة تُوفرِك (Tofrek). وفي 3 أبريل تقهقر عثمان دقنة من «تماي»، وتوغل في الصحراء، فدخل جراهام «تماي» ووجدها خالية وأحرقها، ثم عاد إلى سواكن دون أن يحقق الغرض الذي جاءت من أجله الحملة، وهو القضاء على عثمان دقنة، ثم أخفقت الحملة في غرضها الآخر، وهو مد السكة الحديد إلى بربر؛ ذلك أنه ما كاد يبدأ العمل في إنشاء السكة، حتى جاءت التعليمات من لندن بوقف بنائها لأية مسافات كبيرة، حتى يجري بحث الموضوع مرة أخرى، ثم لم يلبث أن تُرك المشروع جانبًا، وبدأت الحملة ذاتها تنسحب من سواكن في 17 مايو 1885م.
وكان هذا الانسحاب من سواكن بناءً على قرار الحكومة الإنجليزية، بإبطال كل العمليات العسكرية في السودان، والانسحاب من هذه البلاد نهائيًّا.
•••
لقد كانت ثورة الغضب من مقتل غوردون وسقوط الخرطوم تقضي على حكومة المستر غلادستون، حتى إنه لم ينقذها إلَّا أكثرية قليلة (14 صوتًا) من قرار مجلس العموم التصويت بلوم الحكومة، وطرح الثقة بها بسبب هذه الكارثة، وذلك يوم 28 فبراير 1885م. ولكن ثورة الغضب هذه لم تلبث أن خفت حدتها، واستطاعت الحكومة أن تعيد النظر في مسألة السودان في جو من الهدوء والسكينة. وعندئذٍ تبين لها أن مجرد الاستيلاء على بربر وليس استرجاع الخرطوم ذاتها أمر لن يتحقق قبل بداية الصيف بالقوات العسكرية الموجودة لديها، وأن مسافات شاسعة تفصل بين دنقلة المكان الذي انسحب إليه اللورد ولسلي وبين الخرطوم، حيث كانت تتركز قوات المهدي. وأكد اللورد ولسلي نفسه في تقرير هام بعث به إلى حكومته في 6 مارس 1885م: «أن هزيمة المهدي تتطلب الدخول في حملة عسكرية كبيرة؛ لأن نفوذه وسلطانه قد زادا بالطبع كثيرًا بسبب انتصاراته الأخيرة، فهو يتمتع بسيطرة كاملة على السودان جميعه ما عدا مديرية دنقلة التي نحتلها، وكل الطبقات تنظر إليه على أنه فاتح عظيم ورجل مقدس جدًّا، ويعتقد عدد كبير جدًّا أنه المهدي المنتظر حقيقة، بينما ليس لنا — كما استمر ولسلي يقول — في هذه البلاد حزب يناصرنا، ونعيش وسط جواسيس وأعداء متخفين، وقليلون أولئك الذين يبدو أنهم يشعرون بأية ثقة في قدرتنا على هزيمة المهدي.» وطلب ولسلي إمدادات بالرغم من الجيش الكبير الذي معه، من المشاة والفرسان.
وعلى ذلك فقد وجدت حكومة المستر غلادستون أنها مضطلعة بأعباء حرب كبيرة تتكلف نفقات باهظة، ولا يدري إنسان نتيجتها؛ وذلك لتأييد سياسة لقيت من هذه الحكومة كل معارضة، هي سياسة التدخل في شئون السودان، وتحمل مسئوليات الحكم به. ومنذ مارس 1885م كان غلادستون قد عرض المسألة على زملائه — مسألة الاستمرار في العمليات العسكرية أو الانسحاب من السودان — بالشكل الآتي:
إذا تركنا جانبًا الدفاع عن مصر — الأمر الذي لا يقترح أحد التخلي عنه أو تركه — هل يبدو هناك أي التزام يتطلبه الشرف، أو أي إغراء في السياسة؟! وإني شخصيًّا يجب عليَّ أن أضيف: هل هناك أي مبرر أدبي، يجب أن يقودنا في الحالة الحاضرة من حيث المطالب التي على إمبراطوريتنا؛ يقودنا إلى إضاعة (أو خسارة) قسم كبير من جيشنا في القتال ضد الطبيعة، وأخشى كذلك القتال ضد الحرية (الحرية التي يجيزها الحال) في السودان؟
ولقد كان واضحًا أن كل الأركان التي قامت عليها سياسة استمرار العمليات العسكرية في السودان بعد سقوط الخرطوم قد صارت منهارة، فبدلًا من هزيمة عثمان دقنة في السودان الشرقي، استطاع هذا الإفلات ولا يزال حرًّا طليقًا؛ وبدلًا من مد السكة الحديدية من سواكن إلى بربر لاستخدامها في الزحف على الخرطوم في الخريف، ثبت أنه لا يمكن إنجازها في الوقت المناسب؛ وبدلًا من الاستيلاء على بربر قبل انتهاء فصل الصيف، ثبت كذلك أنها ممتنعة على الحملة؛ وبدلًا من أن يبدأ اللورد ولسلي الزحف على الخرطوم بالقوات التي لديه، أو بإمدادات بسيطة، ظهر أنه يطلب قوات كبيرة؛ وعلاوة على ذلك وكما ذكر غلادستون فإن الحرب ستكون في السودان ضد حريات شعب السودان، الذي ثار في زعم الحكومة وتفكيرها الجديد ضد الحكم المصري لينال حرياته. وحيث إن حكومة المستر غلادستون تؤيد حريات الشعوب، فلا يجب أن تحارب شعبًا اختار لزعامته أحد رؤسائه الوطنيين محمد أحمد بملء إرادته. وزيادة على ذلك وفي أثناء اجتماعات الوزارة لبحث الموقف عمد السير إفلن بارنج من تلقاء نفسه يوضح آراءه لحكومته؛ فأوصى بالتخلي عن إرسال الحملة إلى الخرطوم.
أضف إلى هذا كله أنه لم يلبث أن ظهرت في أفق العلاقات بين روسيا وإنجلترا أزمة حادة، تهددت بسببها حدود الإمبراطورية الإنجليزية في الهند؛ ذلك أن اصطدامًا وقع بين الروس والأفغان؛ سببه أن الروس احتلوا «مرو (Merv)» بدعوى أنها داخلة في دائرة نفوذهم. وفي انتظار حضور لجنة لتخطيط الحدود بين الروس والأفغان حسب اقتراح الحكومة الإنجليزية، احتل الروس المراكز الاستراتيجية الهامة، ووقع الاصطدام بينهم وبين الأفغان في بنجدة (Penjdeh) (مارس 1885م) — وطالب الرأي العام في إنجلترا بالحرب مع روسيا. ومع أن عبد الرحمن أمير الأفغان أظهر حكمة واعتدالًا لتجنب وقوع الحرب بين جيرانه «الإنجليز والروس»، وأمكن في آخر الأمر تسوية المسألة بواسطة لجنة أفغانية للحدود (1885-1886م)، وتوقيع اتفاق نهائي في سان بطرسبرج بعد ذلك في 1887م؛ فقد كان الموقف وقت الأزمة على غاية من الحروجة، وخشيت الحكومة الإنجليزية — في أبريل 1885م — أن ينتهز الروس فرصة مشغولية الإنجليز بالحرب في السودان، فيقتحموا حدود الهند الشمالية الغربية من ممر خيبر.
ولقد كانت هذه المسألة الأخيرة العامل الحاسم في تقرير الحكومة الإنجليزية وقف العمليات العسكرية وإخلاء السودان.
وعلى ذلك فقد أبرق وزير الحربية اللورد هارتنجتون إلى «ولسلي» في 13 أبريل 1885م:
في الوضع الذي عليه شئون الإمبراطورية، من المحتمل أن يتم التخلي عن الحملة إلى الخرطوم، وإرجاع الجنود بكل سرعة ممكنة إلى مصر. ومطلوب منك أن تفحص الإجراءات التي يجب في هذه الحالة اتخاذها سريعًا لتأمين انسحاب الجنوب بسلام، ويستدعي ذلك وقف الزحف من سواكن، ولكن لا يدعو للانسحاب بعجلة.
وفي يوم 21 أبريل 1885م أعلنت الحكومة في مجلس البرلمان أن النية ليست متجهة للزحف على الخرطوم، أو القيام بعمليات عسكرية عدوانية أو هجومية جديدة في السودان، وصار تبليغ اللورد ولسلي بهذا القرار.
ولكن «ولسلي» كان منذ 14 أبريل قد أبرق إلى وزير الحربية «هارتنجتون» بأنه إذا كان تقرر اتخاذ خطة الدفاع، فالواجب الاحتفاظ بوادي حلفا وكورسكو كمخافر أمامية، ووضع قوة عسكرية في أسوان. ثم أبرق في اليوم التالي (15 أبريل) يوصي بالتمسك بدنقلة؛ لأن الاحتفاظ بها يمنع المهدية من الامتداد إلى مصر، ويؤمن ولاء القبائل على الحدود، ويمنع حدوث الاضطرابات والقلاقل. ومن المحتمل كذلك الثورات المحلية؛ نتيجة لاتباع سياسة الانسحاب، وهي السياسة التي سيترتب عليها كذلك زيادة عدد الحاميات في مصر نفسها، واحتلال المدن الكبيرة في البلاد (أي مصر) بقوات عسكرية. وكان من الذين سُئلوا في هذا الموضوع ووافقوا على التمسك بدنقلة؛ كل من السير ردفرس بولر، والسير تشارلس ولسون، والكولونيل كتشنر. ولو أن هؤلاء أرادوا الاحتفاظ بدنقلة كإجراء أساسي لاستئناف سياسة الزحف على الخرطوم. وأمَّا السير إفلن بارنج فكان يخالف هذا الرأي الأخير، ولكنه، كما قال، كان يخشى في الوقت نفسه من الأثر السياسي، الذي يمكن أن يحدثه في مصر تقهقر مباشر، ولم يكن يرضى بأن يدع الدراويش ينزلون في النيل، أو يقتربون كل هذه المسافة من مصر في وادي حلفا. ولذلك فقد كان مِن رأي «بارنج» الاحتفاظ بدنقلة إلى الوقت الذي يمكن فيه تنظيم قوات عسكرية سودانية، فتحتل هذه القوات المديرية — مديرية دنقلة — التي يتعيَّن لحكومتها في الوقت نفسه عبد القادر باشا حلمي، وكان أصلًا صاحب هذا الاقتراح السير تشارلس ولسون. وقد أبلغ «بارنج» حكومته رأيه الأخير في برقية قال فيها: «بودي جديًّا أن ينطبع في ذهن حكومة جلالة الملكة أن تنفيذ سياسة التقهقر في التوِّ والساعة من دنقلة والأماكن المجاورة لها مباشرة؛ ليس من الحكمة سياسيًّا. كما أنه لا يبعث على الاحترام.»
وأمَّا هذه الاعتراضات على وقف العمليات العسكرية والانسحاب من دنقلة، فقد ذهبت جميعها سدًى. وأصرت حكومة المستر غلادستون على قرارها. وفي 8 مايو سنة 1885م إذن أبرق اللورد هارتنجتون إلى «ولسلي»: «إن الحكومة بعد دراسة كل التقارير التي وصلتها، لا تزال متمسكة بقرار أن تعمل باقتراح الدفاع عن الحدود المصرية عند وادي حلفا وأسوان، الذي تضمَّنته برقيتكم بتاريخ 14 أبريل.»
وكان بعد هذا القرار بأسابيع قليلة أن سقطت وزارة غلادستون وزارة «الأحرار» في 24 يونيو 1885م، وتألفت وزارة برئاسة رئيس حزب المحافظين اللورد «سولسبري» (Salisbury). واعتقد بعض المسئولين أن من الممكن إدخال تغيير على سياسة الحكومة بإقناعها أن تستبدل سياسة هجومية بسياسة الدفاع التي قررتها الوزارة السابقة. وصار اللورد ولسلي خصوصًا يلح على هذه الوزارة في ذلك — كما جاء في رسالته إلى حكومته في 27 يونيو 1885م — استنادًا إلى أنه ليس في مقدور أية قوة حدودية أن تمنع المهديين من الدخول إلى مصر، وأن من الواجب عاجلًا أو آجلًا تحطيم المهدي، وإلَّا استطاع هو أن «يحطمنا» وأن الزحف على الخرطوم ثم إصابته في سمعته بإنزال الهزيمة البالغة به في أرضه لا بد أن يقضيا عليه نهائيًّا، وحتى يحصل هذا لن تعرف مصر السلام، بينما تتضخم نفقات الحكومة الحربية وتتزايد. ولذلك فنصيحته هي المضي في حملة الخريف على النيل، كما كان الاتجاه أصلًا، وأن «تُترك» سواكن على حالها.
وكان مما زاد الأمل في عدول حكومة اللورد سولسبري عن خطة الدفاع، أن محمد أحمد «المهدي» نفسه قضى نحبه في 20 يونيو 1885م، وأنه صار منتظرًا أن تسود الفوضى معسكر الدراويش بسبب وفاته الفجائية. ولكن عبد الله التعايشي سرعان ما تسلَّم زمام الأمور، وقضى على هذا الأمل.
غير أنه عندما استشير الجنرال «ريدفرس بولر» في موضع استئناف العمليات العسكرية والزحف على الخرطوم، كان جوابه أن إخلاء دنقلة كاد يتم الآن، حتى إنه يجب تنظيم وإعداد حملة جديدة من أساسها إذا تقرر التمسك بدنقلة والاحتفاظ بها.
وعندئذٍ أبرق اللورد سولسبري في 2 يوليو 1885م بأن حكومة جلالة الملكة بعد أن أخذت بعين الاعتبار كل الظروف القائمة ليست على استعداد لنقض أوامر الحكومة السابقة، وذلك بوقف قرار تقهقر (أو انسحاب) الجيش من دنقلة.
ووجب على اللورد ولسلي تنفيذ هذا الأمر، وهو كلمة الحكومة الأخيرة في الموضوع، فلم يأتِ يوم 5 يوليو 1885م حتى كان قد تم إخلاء دنقلة نهائيًّا، وقد وُضعت قوات لحماية حدود مصر الجنوبية، جُعل مركزها الرئيسي في أسوان، وكان مخفرها الأمامي في وادي حلفا. بينما مُدت السكة الحديد من وادي حلفا إلى عكاشة؛ أي مسافة 60 ميلًا تقريبًا، ثم أُقيمت مخافر أخرى مسافة 40 ميلًا جنوب عكاشة لحماية خط السكة الحديد، وكانت آخر مراكز جيش الحدود عند «طابية كوشة».
وكان المهدي علم قبل وفاته ومنذ شهر مايو 1885م أن الإنجليز مصممون على الانسحاب من السودان، وأنهم يخلون دنقلة، فأصدر أوامره إلى الأمير محمد الخير «باللحاق بهم»، وبأن يغزو مصر نفسها. ولم يكد هذا الجيش يصل إلى «مروى» حتى تُوفي المهدي (في 20 يونيو 1885م) فجأة. فتعطل الزحف مؤقتًا، ولكن الاستعدادات استمرت، ولو أن هذه كانت بطيئة، حتى إذا احتشد الدراويش في مديرية دنقلة، استطاع هؤلاء في أوائل ديسمبر 1885م احتلال قريتَي كوشة وجنس، وأن يهددوا «طابية كوشة» البريطانية. ولكن القوات الإنجليزية المصرية باغتت الدراويش بهجوم مفاجئ عليهم في 30 ديسمبر 1885م، وأوقعوا بهم هزيمة بالغة في «واقعة جنس».
وتُعتبر «واقعة جنس» هذه خاتمة العمليات العسكرية في السودان، وهي العمليات التي بدأت بإرسال حملة الإنقاذ لإنقاذ غوردون من الخرطوم. لقد شُغل الخليفة عبد الله التعايشي الذي تسلَّم حكومة السودان بعد وفاة المهدي بمشكلات أخرى استأثرت باهتمامه بصورة لم تدع مجالًا للتفكير في استئناف الهجوم على حدود مصر خلال الثلاثة الأعوام ونصف العام التالية. ولذلك تُعتبر «واقعة جنس» آخر مظهر من مظاهر التدخل البريطاني الخالص في شئون السودان، وهو التدخل الذي بدأ منذ إرسال غوردون في بعثته المشئومة إلى الخرطوم لإخلاء السودان. ثم استمر من أجل الحيلولة دون سقوط الخرطوم في أيدي المهديين ولإنقاذ غوردون، ثم انتهى بالفشل، وتوقف مؤقتًا بعد هذه الواقعة (واقعة جنس).
ولقد عرض اللورد كرومر — في كتاب عن مصر الحديثة — (وهو نفس السير إفلن بارنج) ممن عاصروا هذه الحوادث، وساهموا في تشكيل السياسة البريطانية في هذه الحقبة؛ عرض لأسباب فشل سياسة التدخل البريطاني الخالص هذه؛ فقال: إن فحص تفاصيل تنفيذ السياسة البريطانية يسفر عن النتائج الآتية، والتي قال (كرومر) إنه وصل إليها:
أوَّلًا، وقبل كل شيء: لقد كان من الخطأ إرسال ضابط بريطاني إلى الخرطوم. إن المهمة المكلف بها هذا الضابط (أي غوردون) كادت تكون مستحيلة، وأدى تعيينه إلى تحمل الحكومة البريطانية لمسئوليات كان من المرغوب فيه تجنبها.
وثانيًا: لقد كان من الخطأ إذا وجب إرسال ضابط إلى السودان اختيار الجنرال غوردون بالذات؛ فبالرغم من صفاته الخلقية النبيلة كانت تنقصه الصفات الأساسية لضمان نجاحه في مهمته.
وثالثًا: وحيث إن الذي أُرسل كان الجنرال غوردون، فقد كان واجبًا أن تترك له حرية التصرف في حدود الخطوط الرئيسية للسياسة التي طلبت منه تنفيذها، فإنه مما يدعو للأسف أن غوردون لم يستطع استخدام الزبير رحمت. ولو أن الرأي فيما قد يسفر عنه استخدام الزبير من نتائج يجب أن يبقى دائمًا رأيًا افتراضيًّا.
ورابعًا: أن الفصل في مسألة وجوب إرسال حملة من سواكن إلى بربر من عدمه في ربيع 1884م كان متوقفًا على إمكان القيام عمليًّا بذلك، وهذه نقطة اختلف عليها الثقات العسكريون.
خامسًا: أن خطأ جسيمًا ولا مسوغ له قد ارتُكب في تأجيل أو تأخير إرسال حملة إنقاذ غوردون كل هذا الوقت الطويل.
سادسًا: أن الحكومة سلكت الطريق الحكيم بعد سقوط الخرطوم، عندما اتخذت في آخر الأمر سياسة تقوم على الدفاع فقط، وأمرت بالارتداد إلى وادي حلفا.
وأخيرًا في إمكاننا أن نقول إن الحكومة البريطانية لذلك كانت سيئة الحظ للغاية في معاكسة موقف كان مليئًا بالصعوبات السياسية والعسكرية.
هذا، أمَّا الذي نتج مباشرة عن انسحاب الحملة النيلية أو حملة الإنقاذ وإخلاء دنقلة، فكان إخلاء سائر الأقاليم والمراكز التي بقيت حتى هذا الوقت في حوزة المصريين، ودعم سيطرة المهديين في السودان؛ ثم ما ترتب على هذين الأمرين من اقتطاع أملاك مصر الأفريقية، ومحاولة الدول الاستيلاء عليها واقتسامها فيما بينها، بانتزاعها من أيدي الدراويش.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)