ومنها: الكوفة:
فقد ورد عن الصادق (عليه السّلام) أنّ مكّة حرم اللّه، والمدينة حرم محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، والكوفة حرم عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، إنّ عليًّا (عليه السّلام) حرّم من الكوفة ما حرّم إبراهيم (عليه السّلام) من مكّة وما حرّم محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من المدينة (1)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: مكّة حرم اللّه تعالى، والمدينة حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، والكوفة حرمي، ولا يريدها جبّار بحادثة إلّا قصمه اللّه (2)، وقال (عليه السّلام) في نهج البلاغة: كأنّي بك يا كوفة تمدين مدّ الأديم العكاظي تعركين بالنوازل، وتركبين الزلازل، وإنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبّار بسوء (3) إلّا ابتلاه اللّه بشاغل، أو رماه بقاتل (4)، وذكر عنده (عليه السّلام) الكوفة فقال (عليه السّلام): يدفع البلاء عنها كما يدفع عن أخبية النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) (5)، وعنه (عليه السّلام) أنّه قال: يا كوفة ما أطيبك وأطيب ريحك وأخبث كثير من أهلك، الخارج منك بذنب، والداخل فيك برحمة.. الحديث (6)، وعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم): إنّ الكوفة جمجمة العرب ورمح اللّه وكنز الإيمان (7)، وعن الباقر (عليه السّلام): إنّ الكوفة بعد حرم اللّه وحرم رسوله أفضل البقاع، هي الزكيّة الطاهرة، فيها قبور النبيّين والمرسلين، والأوصياء الصادقين.. الحديث (8)، وعن أمير المؤمنين (عليه السّلام): إنّ أوّل بقعة عبد اللّه عليها ظهر الكوفة، لمّا أمر اللّه الملائكة أن يسجدوا لآدم (عليه السّلام) سجدوا على ظهر الكوفة (9)، وعن النّبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): إنّ اللّه اختار من البلدان أربعة فقال (عزّ وجلّ): ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3] التين: المدينة، والزيتون: بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكّة (10)، وعن الصادق (عليه السّلام): إنّ اللّه احتجّ بالكوفة على سائر البلاد وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم (11)، وإنّ اللّه اختار من جميع البلاد الكوفة وقم وتفليس (12)، وأنه إذا عمّت البلايا فالأمن في الكوفة ونواحيها من السواد (13)، وأنّه إذا فقد أمن البلاد وركب الناس الخيول، واعتزلوا النساء والطيب، فالهرب الهرب إلى الكوفة ونواحيها (14)، وروى إسحاق بن داود قال: أتى رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) فقال: إنّي قد ضربت على كلّ شيء لي من فضة وذهب وبعت ضياعي فقلت: أنزل مكّة؟ فقال: لا تفعل إنّ أهل مكّة يكفرون باللّه جهرة، فقلت: ففي حرم رسول اللّه؟ قال: هم شرّ منهم، قلت: فأين أنزل؟ قال: عليك بالعراق الكوفة، فإنّ البركة منها على اثني عشر ميلا هكذا وهكذا، وإلى جانبها قبر ما أتاه مكروب قطّ ولا ملهوف إلّا فرّج اللّه عنه (15)، وعن الحسن بن علي (عليهما السّلام) أنّه قال: لموضع الرجل في الكوفة أحبّ إلىّ من دار بالمدينة (16)، وعن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ من كان له دار بالكوفة فليتمسّك بها (17).
واستفاضت الأخبار بفضل عمارة مشهد أمير المؤمنين ومشاهد الأئمّة عليه وعليهم السّلام وتعاهدها، وكثرة زيارتها، فقد روى أئمّتنا (عليهم السّلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنّه قال لأمير المؤمنين (عليه السّلام): واللّه لتقتلنّ بأرض العراق، وتدفن بها، قال: قلت يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ قال لي: يا أبا الحسن، إنّ اللّه جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنّة وعرصة من عرصاتها، وانّ اللّه جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحنّ إليكم وتحتمل الأذى والمذلّة فيكم، فيعمّرون قبوركم ويكثرون زيارتها، تقرّبًا منهم إلى اللّه، ومودّة منهم لرسوله، أولئك يا عليّ المخصوصون بشفاعتي، والواردون حوضي، وهم زوّاري غدا في الجنّة، يا علي من عمّر قبوركم، وتعاهدها، فكأنّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجّة الإسلام، وخرج من ذنوبه حتّى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمّه، فأبشر وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرّة العين، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولكن حثالة من الناس يعيّرون قبوركم كما تعيّر الزانية بزناها، أولئك شرار أمّتي، لا أنالهم اللّه شفاعتي، ولا يردون حوضي (18).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأمالي للشيخ الطوسي: 2/284.
(2) الكافي: 4/563 باب تحريم المدينة برقم 1.
(3) في المطبوع: سوء.
(4) نهج البلاغة: 1/92 خطبة 46.
(5) مستدرك وسائل الشيعة: 2/193 باب 12 برقم 5.
(6) مستدرك وسائل الشيعة: 2/205 باب 32 برقم 3 عن الخصائص للسيد الرضي.
(7) مستدرك وسائل الشيعة: 2/193 باب 12 برقم 6.
(8) التهذيب: 6/31 باب 10 برقم 57.
(9) تفسير العياشي: 1/34 تفسير سورة البقرة آية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34] برقم 18.
(10) معاني الأخبار/364 باب معنى التين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين برقم 1.
(11) مستدرك وسائل الشيعة: 2/193 باب 12 برقم 9.
(12) مستدرك وسائل الشيعة: 2/194 باب 12 برقم 9.
(13) مستدرك وسائل الشيعة: 2/194 باب 12 برقم 10.
(14) مستدرك وسائل الشيعة: 2/194 باب 12 برقم 11.
(15) التهذيب: 6/44 باب 16 برقم 92.
(16) مستدرك وسائل الشيعة: 2/205 باب 32 برقم 1.
(17) مستدرك وسائل الشيعة: 2/205 باب 32 برقم 2.
(18) فرحة الغري: 77.