المراد من لفظ المَوْلَى في حديث الولاية خمس معانٍ هي: 1- الوَلِيّ. 2- الاوْلَى بِالشَّيء. 3- السيِّد (غير المالك أو المعتق؛ فلا يقال له: مَوْلَى بلحاظ هذا المعنى، بل للسيادة نفسها لا غير). 4- المُتَصَرِّف في الأمْرِ. 5- المُتَوَلِّي في الأمْرِ.
أمّا السيِّد فهو الأولى بالشيء من حيث السيادة الدينيّة العامّة على الامّة الإسلاميّة، لأنه لا معنى أن يعطي الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله سيادة لابن عمّة وفيها عَسْفٌ وظلم مع أنّ سيادته صلّى الله عليه وآله إلهيّة.
وكذلك المتصرّف في الأمر، فلا بدّ أن يكون معناه التصرّف الإلهيّ المعنويّ المساوق للسيادة والولاية السبحانيّة. وذكر كثيرون أنّ التصرّف في الأمر بمعنى الولاية، كما قال الفخر الرازيّ في تفسيره الآية المباركة: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ}.[1] عن القفّال، إذ قال القفّال: {هُوَ مَوْلاكُمْ} يَعْنِي سَيِّدَكُمْ وَالمُتَصَرِّفَ فِيكُمْ. وذكرهما أيضاً سعيد الحلبيّ مفتي الروم، وشهاب الدين أحمد الخفّاجيّ في تعليقهما على تفسير «البيضاويّ» وعدّة في «الصواعق» من معانيه الحقيقيّة. وحذا حذوه كمال الدين الجهرميّ في «ترجمة الصواعق»، ومحمّد بن عبد الرسول البرزَنْجيّ في «النواقض»، والشيخ عبد الحقّ في لمعاته.
ولذلك فإنّ المراد بهذا المولى، المتصرّف الذي اختاره الله سبحانه لأن يُتَّبَع، ويقود البشرية إلى مدارج ومعارج الإنسانيّة؛ فهو أولى من غيره بأنحاء التصرّف في المجتمع الإنسانيّ. وليس هو إلّا نبيّ مبعوث أو إمام مفترض الطاعة منصوص عليه من قبل النبيّ بأمر إلهيّ.
وكذلك المُتَوَلِّى في الأمْرِ وصاحب الاختيار فإنّه ينبغي أن يكون بهذا المعنى حتّى يتسنّى له أن يتولّى امور الناس من قبل الله بحقّ فيسوقهم إلى الكمال.
وعدّ أبو العبّاس المبرِّد متولّي الأمر من معاني المَوْلَى. قال في قوله: {بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا}:[2] الوَلِيّ والمَوْلَى معنا هما سواء. وأبو الحسن الواحديّ في تفسيره «الوسيط»، والقرطبيّ في تفسيره للآية الشريفة: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ}.[3] وابن الأثير في «النهاية»، والزبيديّ في «تاج العروس»، وابن منظور في «لسان العرب». فإنّهم ذكروا هذا المعنى للمولى، وقالوا: ومنه الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "أيُّمَا امْرَأةٍ نكحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ". وفي رواية: "بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّها"، أي: متولّي أمرها.
وذكره البيضاويّ في ثلاثة مواضع من تفسيره: في قوله تعالى: {ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا}،[4] وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ}،[5] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ}.[6]
وذكر أبو السُّعُود العماديّ في تفسيره أنّ المراد بالمولى: متولّي الأمر، وذلك في تفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ}[7] وقوله: {هِيَ مَوْلاكُمْ}،[8] وكذلك ذكره الراغب الإصفهانيّ في مفرداته.
وعن أحمد بن الحسن الزاهد الدرواجكيّ في تفسيره: المَوْلَى في اللُّغَةِ مَنْ يَتَوَلَّى مَصَالِحَكَ فَهُوَ مَوْلَاكَ يَلِي القِيَامَ بِامُورِكَ وَيَنْصُرُكَ على أعْدَائِكَ. ولهذا سمّي ابن العمّ، والمعتِق مَولى. ثمّ صار اسماً لمن لزم الشيء ولا يفارقه.
وكذلك ذكر هذا المعنى الزمخشريّ في «الكشّاف»، وأبو العبّاس أحمد بن يوسف الشيبانيّ في «تلخيص الكشّاف» والنَّسَفِيّ في تفسيره، في قوله تعالى: {أَنْتَ مَوْلانا}[9]، والنيسابوريّ في «غرائب القرآن» في قوله: {أَنْتَ مَوْلانا}، وفي قوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ}،[10] وقوله: هي {مَوْلاكُمْ}.[11]
وسار على هذا النهج السيوطيّ في «تفسير الجلالين» حين أخذ معنى المولى في قوله: تعالى: {أَنْتَ مَوْلانا}، وقوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ}، وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا}.[12] بمعنى: مُتَوَلّي أمْرِنَا.
فهذا بحث حول المعاني العديدة للمولى، وعلمنا أنّ الولاية في الحديث الشريف لا تعني غير الرئاسة الكلّيّة، والإمامة الإلهيّة، وأنّ صاحب الاختيار في الامَّة الإسلاميّة بِيَدِ النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله.
يضاف إلى ذلك، أنّ الذي نرتأيه في خصوص المقام بعد الخوض في غمار اللغة، ومجاميع الأدب، وجوامع العربيّة أنّ الحقيقة من معاني المولى ليس إلّا الأولى بالشيء، وهو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كلّ منها بنوع من العناية. إذَنْ فليس للمولى إلّا معنى واحد، وهو الأولى بالشيء. وتختلف هذه الأولويّة بحسب الاستعمال في كلّ من موارده. وقد سبقنا إلى هذه النظريّة ابن البطريق في «العمدة»، وهو أحد أعلام الطائفة في القرن السادس. وتطفح بشيء من ذلك كلمات غير واحد من علماء أهل السنّة حيث ذكروا المناسبات في جملة من معاني المولى تشبه ما ذكرنا.
ويكشف عن كون المعنى الأوّل (أي الأولى بالشيء) هو المتبادر من المولى إذا اطلق، ما رواه مسلم بإسناده في صحيحه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: لَا يَقُلِ العَبْدُ لِسَيِّدهِ: مَوْلَايَ. وزاد في حديث أبي مُعَاوِية: فَإنَّ مَوْلَاكُمُ اللهُ. وأخرجه غير واحد من أئمّة الحديث في تآليفهم.[13]
وقال الشيخ أبو الفتوح الرازيّ: لا يحتمل من المعاني الواردة في كلمة المَوْلَى، في الحديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ أي معنى غير الأوْلَى، أو السيِّد المُطَاع، كما خاطب الأخْطَل عبد الملك بن مروان بذلك، وكان نصرانيّاً. ولا يمكن أن يتّهم الأخطل بأنّ له غرضاً في ذلك، أو أنه يميل إلى هذا المذهب وأتباعه.
وعلى أيّ حال، فإنّه أراد بالمولى: السيِّد والأوْلَى.[14]
[1] الآية78، من السورة 22: الحجّ.
[2] الآية11، من السورة 47: محمّد.
[3] الآية150، من السورة 3: آل عمران.
[4] الآية51، من السورة 9: التوبة. و الآيةبتمامها: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَآ إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَ على اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
[5] الآية78، من السورة 22: الحجّ.
[6] الآية2، من السورة 66: التحريم.
[7] نفس الصدر السابق.
[8] الآية15، من السورة 57: الحديد.
[9] الآية286، من السورة 2: البقرة.
[10] الآية40، من السورة 8: الأنفال.
[11] الآية15، من السورة 57: الحديد.
[12] الآية51، من السورة 9: التوبة.
[13] «الغدير» ج 1، منتخب من ص 362 إلي 370.
[14] «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 2، ص 198.