على الرغم من أن فرنسا مع نهاية القرن الخامس عشر كانت قد استكملت وحدتها القومية حول باريس، فإنها لم تكن مستعدة للخروج إلى العالم الخارجي، سواء فى القارة أو عبر البحار، إلا مع مطلع القرن السابع عشر. وذلك بسبب حروبها مع جيرانها لتدعيم حدودها الشرقية البرية، وحروب الإصلاح الديني في القرن السادس عشر.
وقد قامت السياسة الفرنسية في القرن السابع عشر على أساسين:
الأول: التوسع القارئ شرقا وصولا إلى الحدود الطبيعية.
الثاني: بناء قوة بحرية عظمى للتوسع عبر البحار.
ولكن توزيع اهتمامها بين البحر والقارة سلب أغلب مشاريعها البحرية كثيرا من إمكاناتها، كما أن وجودها على بحرين كان من شأنه أن يعوق وحدة أسطولها البحري. وفي هذا كله تكرر فرنسا دور اسبانيا وتوسعاتها.
والحقيقة أنها ورثت اسبانيا استراتيجيا مثلما ورثت هولندا البرتغال. وكما كان على اسبانيا أن تواجه البرتغال، كان على فرنسا أن تتصدى لقوة هولندا.
وكانت فرنسا قد بدأت بانتزاع الأراضي المنخفضة (بلجيكا) من اسبانيا المتداعية في منتصف القرن السابع عشر، ثم بدأت حروبها مع هولندا حتى تداعت قوة هولندا على يدها في نهاية القرن.
على أن فرنسا رغم قوتها البحرية الضخمة، لم تكن تسيطر على التجارة المربحة إلا لحد ضئيل، فظلت بحريا قوة عسكرية أكثر منها قوة تجارية. ولذلك فقد كانت إنجلترا هي التي ورثت دور هولندا التجاري، رغم أن فرنسا هي التي حطمت قوتها عسكريا، تماما كما كانت اسبانيا هي التي حطمت البرتغال، ولكن التي ورثتها هي هولندا ومن الممكن أن نعد القرن الثامن عشر قرن فرنسا، فقد كانت تفوق بريطانيا على القارة، ولا تقل عنها بحرا. حتى إذا كانت الثورة الفرنسية ونابليون، وصلت السيادة الفرنسية إلى أقصى اتساعها في أوروبا.
أما فيما وراء البحار فينقسم التوسع الفرنسي إلى قسمين:
الأول: في العالم الجديد، والثاني في العالم القديم. وبالنسبة للتوسع الفرنسي في العالم الجديد، فهو يبدأ بالكشوف الجغرافية الفرنسية في الربع الثاني من القرن السادس عشر، بوصول الرحالة الفرنسي «كارتييه» Cartier إلى مصب نهر سانت لورانس، وتوغله داخل كل الأراضي الأمريكية. وبلغ عدد الرحلات الكشفية التي قام بها في هذه المنطقة أربع رحلات واستطاع، ومن بعده «دى روبير فال الوصول حتى موقع
«مونتريال». ولكن هذه المحاولة لاستعمار كندا اخفقت الهنود والبرد القارس، فتعطل الاستعمار الفرنسي في كندا أكثر من خمسين عاما.
وفي النصف الأول من القرن التالي (السابع عشر) استأنف الفرنسيون نشاطهم في كندا، حيث أسسوا في سنة 1608م أول مستعمرة فرنسية في شبه جزيرة أطلق عليها فيما بعد اسم «نوفا سکوشیا Nov. Scotia.
وفى سنة 1608م أسس الرحالة «صمويل دى شامبلان» مدينة «كيبيك» Quebec كنواة لـ «فرنسا «الجديدة» أو «كندا». وقد بدأت هذه كحقل صيد للفراء ثم حقل توطن وزراعة. ومن البحيرات امتدت فرنسا تلقائيا إلى قلب القارة.
ففي سنة 1682م نجح «لاسال» في كشف نهر المسيسبي وتتبعه إلى خليج المكسيك، وعلى محور نهري مرة أخرى أنشأ مستعمرة لويزيانا» (نسبة إلى لويس الرابع عشر التي تشمل القطاع الأكبر من سهول وسط القارة. وبذلك تكون فرنسا خير من استفاد من الأنهار فى التوسع السياسي واتخذتها عمودا فقريا لإمبراطوريتها في العالم الجديد.
وفيما عدا ذلك فقد اتجهت فرنسا إلى جزر الهند الغربية، حيث استطاعت أن تنتزع عددا من جزرها الصغرى من أسبانيا، أهمها «جواديلوب» Guadeloup و«المارتينيك Martinique كما قفزت إلى الساحل المقابل في أمريكا الجنوبية لتبحث لها عن موطئ قدم في «جيانا الفرنسية» Guiana
على أنه لسوء حظ فرنسا، فإنها انتشرت في مساحات هائلة لم تكن تتناسب. عدد المستعمرين من أبنائها، فأصبح وجودها كله مع عبارة عن مساحة لا كثافة.
وفي الوقت نفسه فإن مصالح فرنسا في القارة الأوروبية كانت متشعبة بشكل يحتم وجود جيش قوى فيها لحماية هذه المصالح ولذلك فان سلطانها على تلك المناطق المستعمرة كان ضعيفا، الأمر الذي سهل على الانجليز التغلب عليها فيما بعد وانتزاع كندا منها. فلقد بنت فرنسا الحصون والمحطات العسكرية لتصل بين لويزيانا وكندا، فأحس أهالي المستعمرات الإنجليزية الممتدة على الساحل الشرقي بأنهم سوف يصبحون محصورين بين المحيط الأطلنطي وجبال الأبلاش Appalachian، فلم يكن بد من وقوع الصدام بين الفريقين في سنة 1754م، وانتهى الصراع بتغلب الإنجليز عليهم وانتزاع كندا من أيديهم في صلح باريس سنة 1763م.
هذا بالنسبة للتوسع الفرنسي في العالم الجديد، أما بالنسبة للتوسع في العالم القديم، فقد اتجهت فرنسا إلى الهند، وأنشأت مجموعة من القواعد التجارية على سواحلها الشرقية والغربية تتكون من «شاندرناجور» chandermagore ويانون Yanaon ، وبوند شیري Pondichery وكاريكال Karacal وماهي Mahe وتوغلت سيادتها لحد كبير في بلاد الدكن والكرنات، وقد نشطت تجارة هذه المستعمرات نشاطا كبيرا في القرن السابع عشر.
أما في أفريقيا، فقد غزا الفرنسيون المراكز الهولندية في السنغال سنة 1677م، وفى سنة 1697م أكملوا غزو الإقليم، وبعد قرن آخر احتلوا هولندا نفسها!
على أن أغلب مساحة الإمبراطورية الفرنسية التي تكونت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، سواء في العالم الجديد أو القديم، لم تلبث أن ضاعت قبل أن تبدأ الموجة الثانية في القرن التاسع عشر، بل يمكن القول إن بقايا الإمبراطورية التي خرجت بها فرنسا من هذه الموجة الأولى من الاستعمار، كانت أقل اتساعا وغنى عما خرجت به البرتغال أو أسبانيا أو هولندا. ولعل فرنسا وحدها التي تنفرد بهذه الحقيقة الغريبة بين القوى الاستعمارية في العصر الاستعماري الأول، أما القوة التي ضاعت على يدها الإمبراطورية الفرنسية فكانت أساسا بريطانيا.