إذا كان القرن السادس عشر هو قرن البرتغال واسبانيا، فإن القرن السابع عشر هو قرن هولندا. وكانت الأراضي المنخفضة (هولندا) وبلجيكا) خاضعة لإسبانيا، وفى العقد الأول من القرن السابع عشر استطاعت هولندا أن تنتزع استقلالها من اسبانيا في حروب الإصلاح الديني، في حين ظلت بلجيكا اسبانية.
ومنذ ذلك الحين بدأت تجارة التوابل والشرق تنصب في هولندا التي ورثت دور البرتغال بمثل ما ورثت أنتورب دور لشبونة فصارت أكبر مركز تجاري فى أوروبا. وفى الحقيقة أن موقع البرتغال (أيبريا بعامة) وإن أعطاها الأسبقية إلى الشرق، إلا أنه لم يكن الأمثل بالنسبة لتجارة الشرق مع أوروبا، لأن أيبريا كانت منعزلة عن القارة وعن مواصلاتها البرية بالحائط الجبلي. أما الأراضي المنخفضة فكانت تقع في نهاية الشارع الرئيسي للحركة في قلب أوروبا. وهو «الراين» الذي كان وحده من بين أنهار غرب القارة متوغلا في قلبها.
وقد سنحت الفرصة لهولندا لترث الإمبراطورية البرتغالية: حين حطمت اسبانيا قوة البرتغال، ثم تحطمت قوة الأرمادا على يد انجلترا، فبدأت هولندا انقضاضها على المستعمرات البرتغالية، ولم تزل تختطف من البرتغال مواقعها ومستعمراتها في الهند والهند الشرقية واحدا بعد الآخر، حتى تقلصت إلى جيوب صغيرة متخلفة تتمثل في «داماو» Damao وجوا في الهند، و«تیمور» Timor في الهند الشرقية.
وفي الطريق إلى الهند أقاموا المستعمرات الساحلية في ساحل غـانة سنة 1595م، وكانوا أول من نزل في «الكاب» Cape بموقعه الحيوي، بعد أن أخطأه البرتغاليون بصورة محيرة وغير مفهومة، وأسسوا مدينة الرأس سنة 1652م، ثم بعدها امتلكوا جزيرة «موريشيوس» (Mauritius التي أعطوها اسم أميرهم موريس. وأخيرا احتلوا جزيرة «سيلان»، بل احتلوا «فورموزا».
أكثر من هذا، فقد انحدروا من جزر الهند الشرقية جنوبا، حتى كشفوا ساحل شمال استراليا في بداية القرن السابع عشر، كما كشفوا «تازمانيا» Tasmania و «نيوزيلاندا» (نسبة إلى زيلند بهولندا» فى النصف الأول من نفس القرن. وإن كانت الكشوف الاخيرة لم تؤد إلى دور استعماري ما.
ولم تقتصر الإمبراطورية الهولندية على العالم القديم، بل أسسوا المستعمرات فى جيانا» Guiana في أمريكا الجنوبية، وفي البرازيل رسمت شركة الهند الغربية الهولندية خططا طموحة للحصول على أرض شاسعة ثبتت فيها أقدامها أبديا، فاستولت على «بائيا» Baia سنة 1624م، وأخذت «اولندا» وحصنها في «ريسيف» Recite وان اضطروا لمغادرة البلاد سنة 1654م.
كذلك امتلكوا نيو أمستردام Neu Amsterdam (نيويورك فيما بعد). وعدا هذا فقد تسيدوا تجارة البحار والمحيطات بالنقل البحري لكل أوروبا، حتى سموا أنفسهم «نقلة البحر».
ويهمنا هنا أن نرسم بعض ملامح الاستعمار الهولندي أولاً: قام الاستعمار الهولندي بصفة خاصة على أيدي التجار الهولنديين. فقد رأينا كيف تمرد التجار الهولنديون على أسعار الاحتكار التي كان يطلبها البرتغاليون للتوابل، وكيف قرروا في سنة 1592م بأمستردام انشاء شركة للتجارة مع الهند.
وقد تأسست شركة الهند المتحدة بمقتضى مرسوم صدر في 20 مارس سنة 1602م بمنح الشركة، ليس فقط احتكار التجارة، بل وحولها سلطات سيادة عليا واسعة لعقد المعاهدات والمحالفات، ولفتح ما تشاء من الأراضي وبناء الحصون إلى غير ذلك.
وكانت أول محاولة بذلتها الشركة للحلول محل البرتغاليين في جزر أندونيسيا، التي كانت قبضة البرتغاليين عليها لا تزال ضعيفة. على أن مركز الشركة لم يتوطد تماما إلا بعد فتح جاكرتا واحتلالها في 30 مايو سنة 1619 على يد «جان بيترز كوين». وفي سنة 1641م انتزع «أنطوني فان ديمين»، الذي عين حاكما عام 1633م. «ملقا» Malacca مظهر عظمة البرتغاليين في الشرق. وفي سنة 1654م تمكن «هايدن» من احتلال كولومبو Colombo وإقصاء سلطان البرتغاليين من سيلان. وما لبثت «كوتشين» مؤسستهم الأولى فى الهند، أن احتلت في سنة 1660 م، ثم سقطت المحطات التجارية الأخرى تباعا.
وأخذ الهولنديون يقومون من «كولمبو» بحملة منتظمة للقضاء على كل أثر للبرتغاليين في تجارة الهند البحرية، وانتقلت تجارة الهند الشرقية فعلا إلى يد الهولنديين، ولم يبق بعد جوا وجزيرتي «أندامان» Andaman و «ديو» الصغيرتين أي أثر لذلك الصرح العظيم الذي اقامه البوكيرك.
ثانياً: على الرغم من أن الشركة حصلت لنفسها على النفوذ الأعلى في شئون التجارة، فإنها لم تمارس شئون الحكم والسيادة. فقد كان الغرض الأساسي هو التجارة لا الحكم، ولذلك فقد عارض مجلس مديري الشركة فان جوين عندما اقترح تولى الشركة السيادة على جزيرة سيلان، وقال له بصراحة: «إن مثل ذلك العمل قد يكون عمل ملك عظيم وطموح، ولكنه ليس عمل تجار لا يبحثون إلا عن الأرباح».
ذلك، فإن تغييرا أساسيا قد طرأ فيما بعد على هذه السياسة عندما وجد الهولنديون أن الاستغلال أنفع لهم من التجارة. فقد اتبعت الشركة نظام دفع الأموال مـقـدمـا علـى المحصولات إلى المزارعين فتهيأ لها بذلك أن تنتزع الأراضي من أيدي ملاكها فى جزر «باندا (Banda) و «أمبوينا» Ambouna و«ملوكا» Moluccas.، واحتكرت بيع الحبوب لهم بأسعار فاحشة، مما حطم اقتصاد هذه البلاد وأذاق الأهلين الفقر.
ثالثاً: ظل الحكم الهولندي في أندونيسيا حتى منتصف القرن الثامن عشر (1743م) مقصوراً على إدارة مؤسـسـات وحصون متناثرة من نقطة مركزية هي «جاكرتا»، التي أطلق عليها اسم «باتافيا» Batavia.
وفي سنة 1743م بدأ الهولنديون سياسة الاستيلاء المباشر على الأراضي والتنقيص من الاستقلال السياسي للسلطنات. ففي تلك السنة استولت الشركة على السواحل الشمالية «لجاوة» Java. كما نقلت إلى يدها نهائيا الهيمنة المطلقة على جميع الموانئ البحرية. وفي سنة 1755م قسمت جاوة إلى خمس دويلات صغيرة، ووضع عليها حكام، تابعون، وبذلك تقوى مركز الهولنديين في جاوة عند حلول سنة 1760م.
ولكن اهتمام الشركة ومصلحتها ظلا في سومطرة والأقاليم الخارجية مقصورين على التجارة وحدها. ولكن لم تنقض سنوات قليلة حتى لم يصبح الهولنديون فقط المحتكرين الوحيدين للتجارة الهولندية، بل هم السادة لجميع أقاليم هذه الجزر.
ولكنهم لم يتحملوا مسئولية مباشرة عن الحكم، بل اتبعوا نظام الحكم غير المباشر الذي يعود عليهم بالأرباح الطائلة يتحملوا متاعب الحكم وهمومه.
رابعاً: اتسم الاستعمار الهولندي في أندونيسيا بالتدمير والجرائم والانتقامات. فقد أحلوا العمال الأرقاء محل الفلاحين الأحرار في المزارع، وعندما وجدوا أن إنتاج القرنفل في أمبوينا، ومولوكا، وباندا، يزيد على ما يحتاجه العالم، فرضوا تحويل بساتين القرنفل إلى حقول أرز، وإلى مزارع لزراعة أشجار «الساجو»، وهو غذاء أضعف قيمة من الأرز، ثم بيع الأرز بسعر فاحش، وقطعوا عن «جاوة» مئونتها من الأرز، مما اضطر الناس إلى التخلي عن غذاء الأرز وتناول الساجو، فمات الكثيرون من تناول هذا الطعام، واقتضى الأمر استيراد عدد أكبر من الأرقاء. وعندما أصبح مشروب البن شائعا في أوروبا، وصار سعره غاليا في أسواق العالم، فرضوا الاستغلال على المزارعين، فكان المنتجون يسلمون من 40 إلى 270 رطلا للشركة مقابل ثمن 125 رطلا فقط. وبعد إجراء تخفيضات لأسباب وذرائع مختلفة، لا يصل إلى جيوب المزارعين الاندونيسيين إلا ثمن 14 رطلا فقط.
ولما عزف الفلاحون عن زراعة البن أرغمهم الهولنديون على زراعته وبيعه لهم بسعر محدد، حتى أصبحت جاوة مزرعة ضخمة للبن يملكها الهولنديون.
وقد وضع «كوين» مؤسس باتافيا، المبدأ الذي أقيمت على أسسه السياسة الهولندية، بقوله : «ألا يستطيع أي رجل في أوروبا أن يفعل ما يشاء بماشيته؟ هكذا يفعل السيد هنا برجاله الذين يعتبرون بكل ما يملكون ملكا خاصا للسيد، شأنهم في ذلك شأن البهائم في الأراضي المنخفضة».
وقد أصبح مذهب «كوين» هذا هو الدعامة النظرية التي تقوم عليها علاقة الشركة بالأجير الاندونيسي، الذي كان يسميه الأوروبيون «الكولي».
خامساً: أحدث نظام الضياع أو الأبعاديات الكبيرة ثورة صامتة في علاقة الهولنديين بالإندونيسيين، فقبل ذلك لم يكن الهولنديون الاتجار يحتكرون التوابل والأرز، دون أن يتجاوز نشاط الشركة التجاري هذا الحد إلى التدخل في حياة الأهلين.
على أن التحول من الاستعمار التجاري إلى الاستعمار الاستثماري، ومن التجارة إلى نظام الضياع الكبرى، كان ينطوي على الاستغلال الفعلي للعمال والتحكم الشديد في اقتصاد الأهلين، والإشراف الفعال عليهم. بل ينطوي على تحقيق نظام إدارة الضياع الكبرى على قطر بأكمله. وفى العلاقة بين الشركة صاحبة العمل والأجراء، لم تكن لهؤلاء الأجراء أية حقوق على صاحب العمل حتى ولو كانت حقوقا اسمية.
ويقرر بعض الباحثين أنه ليس هناك نظير في التاريخ لتلك الحالة التي ابتدعها الاستعمار الهولندي وهي تحويل أمة بأسرها إلى عمال بالضياع الكبرى، وتحويل الطبقة الأرستقراطية منها إلى مجرد رؤساء عمال ومشرفين، يفرض عن طريقهم العمل قهراً في هذه المزارع. صحيح أن قبائل الإنكا في بيرو كانت على هذا النحو من انعدام الرحمة في استغلالهم للأهالي، ولكنهم كانوا - على الأقل - يعيشون في البلاد، وينفقون مكاسبهم فيها.
أما في حالة الاستعمار الهولندي، فكانت المكاسب ترسل إلى بلاد بعيدة لتتمتع بها بورجوازية تلك البلاد بعيدا عن مناظر الكدح والشقاء. فالهولنديون من بين جميع الأمم الأوروبية في ذلك العصر الاستعماري الأول، هم وحدهم الذين اتبعوا سياسة إنزال شعب بأسره بصورة منظمة إلى منزلة عمال الضياع الكبرى، دون أن يعترفوا قبلهم بأي التزام أخلاقي أو قانوني.
وقد فعلوا ذلك بالشعب الذي يستمدون منه أعظم الغنم، في حين كانوا ببلاد الصين يتذللون ويخرون على الأرض ساجدين وكانوا في اليابان يتواضعون ويظهرون التوقير العظيم أمام الموظفين اليابانيين.
وفي الوقت الذي أعوزتهم حماسة البرتغاليين الدينية، التي كانوا يغلفون بها أطماعهم المادية، أو الشعور بالرسالة الثقافية التي كان يدعيها الفرنسيون لأنفسهم، أو الاهتمام الإنساني العريض الذي ادعاه البريطانيون لأنفسهم في المناطق التي لهم فيها السلطة السياسية المباشرة - فإنهم استمسكوا بشدة بنظرية الامتلاك والاستغلال، حتى إذا اضطروا إبان القرن التالي إلى تغيير سياستهم، لم يكن ذلك نتيجة اقتناع، وإنما جرفتهم في ذلك قوة الحركات التي حدثت خارج هولندا واندونيسيا Indonesia.
سادساً: لم ينقذ شعب جاوه من وهدة الإذلال التي تردي فيها، إلا إلهام الإسلام وروحه المنطبعة بطابع القوة والفداء.
لقد دخل الاسلام في الأصل إلى تلك الجزيرة على يد التجار الهنود. وعند وصول البرتغاليين لم يكن قد استقر بعد إلا في المراكز التجارية الكبرى، وفى بعض بلاطات الحكام حتى إذا قارب القرن السادس عشر على نهايته، كان معظم جاوة وسومطرة قد رضى بالإسلام دينا.
وقد شهدت فترة اشتداد الدعوة الإسلامية التي بدأت سنة 1630م ، قوة المبادئ الإسلامية تشتد وتقوى، كما شهدت بدء تكوين سلطة الزعماء الدينيين واقتراب الأهالي بوجه عام من تلك النظرة الإسلامية إلى الحياة.
أما من الناحية السياسية، فإن الحركة كانت تمثل روح المقاومة ضد الاستعمار. فقد أدى اشتداد قوة الإسلام إلى ازدياد عظيم في شدة المقاومة الشعبية للاستعمار الهولندي بالجزر. واقتنع كبار موظفي الشركة فى ذلك الزمان، مثل «فان جوينز»، بأن الدين كان من أكبر أسباب الحروب المتواصلة ضد الهولنديين الأرخبيل. تلك الحروب التي تمثل ظاهرة ملحوظة في التاريخ الاندونيسي خلال النصف الثانى من القرن السابع عشر.
على كل حال، فإن الإمبراطورية الهولندية لم تلبث أن شاطرت: الإمبراطورية البرتغالية مصيرها، فكل منهما كان إمبراطورية بحرية ساحلية تتألف من رقع متناثرة، وكل منهما بدأت تجارة لا توطنا، وكل منهما توهج كقوة بحرية لفترة قصيرة. فهي مثل البرتغال تعاني قاعدة أرضية محدودة، وكل منهما لم تكن أكثر من موقع جغرافي، وكل منهما كان يعاني من نقص في القوة البشرية، وكل منهما له حدود برية مشتركة مع قوة ضخمة سيكون على يديها مصرعها البرتغال على يد أسبانيا، وهولندا على يد فرنسا). وكما انتهزت هولندا الفرصة لترث البرتغال، فستنتهز قوة بحرية أخرى هي بريطانيا الفرصة لترث هولندا. بل إن وضع هولندا كان أسوأ، لأنها وقعت بين شقي رحى فرنسا التي تشترك معها في الحدود، وبريطانيا في البحر، وعلى ذلك فلم تلبث هولندا أن فقدت معظم تجارتها وخسرت كل قواتها البحرية، وأصبحت بمثابة برتغال الشمال!