صفات الشيعة وعلاماتهم
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج3/ص79-87
2025-11-30
25
جاء في كتاب «التوحيد» للمرحوم الشيخ الصدوق أنَّ الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام قال: «إنَّمَا شِيعَتُنَا مَنْ شَيَّعَنَا، واتَّبَعَ آثَارَنا، وَاقْتَدَى بِأعْمَالِنا»[1].
وورد في «قرب الإسناد» للحميريّ أنَّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: «امتَحِنُوا شِيعَتَنَا عِنْدَ مَواقِيتِ الصَّلاة كَيْفَ مُحَافَظَتُهُمْ عَليْهَا وإلى أسْرَارِنَا كَيْفَ حِفْظُهُمْ لَهَا عِنْدَ عَدُوِّنَا، وإلى أمْوَالِهِمْ كَيْفَ مُواساتُهُمْ لإخْوَانِهِمْ فِيهَا»[2].
ونقل صاحب «الكافي» بإسناده عن جابر بن يزيد الجُعفيّ رضوان الله عليه عن الإمام الباقر عليه السلام أنَّه قَالَ لِي: «يَا جَابِرُ؛ أيَكْتَفي مَنْ يَنْتَحِلُ التَّشَيُّعَ أنْ يَقُولَ بِحُبِّنا أهْلَ الْبَيتِ؟ فَوَ اللهِ ما شِيعَتُنَا إلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وأطَاعَهُ ومَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إلَّا بِالتَّواضُعِ، والتَّخشُّعِ، والأمَانَةِ، وكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، والصّلاةِ، والصَّوْمِ، والْبِرِّ بِالْوالِدَيْنِ، والتَّعَهُّدِ لِلْجِيرانِ مِنَ الْفُقَراءِ وأهْلِ الْمَسْكَنَةِ والْغَارِمِينَ والأيتَامِ، وصِدقِ الْحَدِيثِ، وتَلَاوَةِ الْقُرآنِ وكَفِّ الألْسُنِ عَنِ النَّاس إلَّا مِنْ خَيْرٍ. وكَانُوا امَناءَ عَشَايِرِهِمْ في الأشْيَاءِ». قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ مَا نَعْرِفُ إلىومَ أحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ! فَقَالَ عَلَيهِ السَّلامُ: «يَا جَابِرُ لَا تَذْهَبَنَّ بِكَ الْمَذَاهِبُ، حَسْبُ الرَّجُلِ أنْ يَقُولَ احِبُّ عَلِيّاً وأتَوَلَّاهُ ثُمَّ لا يكُونُ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالًا فَلَوْ قَالَ: إنّي احِبُّ رَسُولَ اللهِ- فَرَسُولُ اللهِ خَيْرٌ مِن عَلِيّ- ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ ولَا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إيَّاهُ شَيْئاً، فَاتَّقُوا اللهَ واعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللهِ، لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وبَيْنَ أحَدٍ قَرابَةٌ. أحَبُّ الْعِبَادِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ أتْقَاهُمْ وأعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ. يَا جَابِرُ؛ فَوَ اللهِ، مَا يُتَقَرَّبُ إلى اللهِ تَبَارَكَ وتَعالى إلَّا بِالطَّاعَةِ. ومَا مَعَنَا بِراءَةٌ مِنَ النَّارِ ولَا على اللهِ لأحَدٍ مِن حُجَّةٍ. مَنْ كَانَ لِلهِ مُطيعاً فَهُوَ لَنَا وَليٌّ. ومَنْ[3] كَانَ لِلهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌ. لَا تُنَالُ وَلَايَتنا إلَّا بِالعَمَلِ والْوَرَع»[4].
وجاء في «أمالي الشيخ الطوسيّ» بسنده المتّصل عن سليمان بن مهران أنَّه قال: دَخَلْتُ على الصَّادقِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ الشِّيعَةِ وهُوَ يَقُولُ: «مَعَاشِرَ الشِّيعَةِ كُونُوا لَنَا زَيْناً ولا تَكُونُوا عَلَينا شَيْناً. قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً واحْفَظُوا ألْسِنَتَكُمْ وكُفُّوا عَنِ الْفُضُولِ وقُبْحِ الْقَوْلِ»[5].
وجاء في كتاب «المشكاة» بسنده عن مِهزَم أنَّه قال: دَخَلْتُ على أبي عَبد اللهِ عَلَيهِ السّلامُ- فَذَكَرتُ الشِّيعَةَ فَقَالَ: «يَا مِهْزَمُ؛ إنَّمَا الشِّيعَةُ مَن لا يَعْدُو سَمْعَهُ صَوْتُهُ[6]، ولا شَجَنُهُ بَدَنَهُ[7]، ولا يُحِبُّ لَنا مُبْغِضاً، ولا يُبغِضُ لَنَا مُحِبّاً، ولَا يُجَالِسُ لَنا غَالِباً، ولا يَهِرُّ هَريرَ الْكَلْبِ، ولا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرابِ، ولا يَسألُ النّاسُ وإن مَاتَ جُوعاً، الْمُتَنحِّي عَنِ النَّاسِ، الْخَفِيّ عَنْهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَت بِهِمُ الدَّارُ لَمْ تَخْتَلِف أقَاوِيلُهُمْ[8]، إن غابُوا لَمْ يُفقَدُوا، وإن حَضَرُوا لَمْ يُؤبَه بِهِمْ، وإن خَطَبُوا لَمْ يُزَوَّجُوا، يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيَا وحَوائِجُهُمْ في صُدُورِهِمْ، إن لَقُوا مُؤمِناً أكْرَمُوهُ، وإن لَقُوا كافِراً هَجَرُوهُ، وإن أتَاهُمْ ذُو حَاجَةٍ رَحِمُوهُ. وفي أمْوَالِهِمْ يَتَواسَونَ. ثُمَّ قَالَ: يَا مِهْزَمُ، قَالَ جَدّي رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليهِ وآلهِ وسَلّم لِعَلِيّ رِضوانُ اللهِ عَلَيْهِ: يَا عَلِيّ؛ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أنَّهُ يُحبُّنِي ولَا يُحِبُّكَ. أنَا مَدينَةُ الْعِلْمِ وأنْتَ الْبَابُ. ومِنْ أيْنَ تُؤتى الْمَدينَةُ إلَّا مِن بَابِهَا»[9].
ومثل هذه الرواية ورد في كتاب «الكافي»[10] باختلاف يسير في اللفظ.
وعن «الكافي» بسنده عن المفضّل أنَّه قالَ: قَالَ أبُو عَبدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إيَّاكَ والسِّفلَةَ، فَإنَّمَا شِيعَةُ عَلِيّ مَن عَفَّ بِطْنُهُ وفَرْجُهُ، واشْتَدَّ جِهَادُهُ، وعَمِلَ لِخَالقِهِ، ورَجا ثَوابَهُ، وخَافَ عِقَابَهُ، فَإذَا رأيْتَ اولَئِكَ فَأولَئِكَ شِيعَةُ جَعْفَر»[11].
وعن «أمالي» الشيخ الطوسيّ، عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنَّه قال لِخَيثَمَةَ: «أبْلِغ شِيعَتَنَا إنَّا لا نُغنِي عَنِ اللهِ شَيئاً، وأبْلِغ شِيعَتَنا إنَّهُ لَا يُنَالُ ما عِندَ اللهِ إلَّا بِالعَمَلِ، وأبْلِغ شِيعَتَنا إنَّ أعْظَمَ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ القِيامَة مَن وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ خَالَفَهُ إلى غَيْرِهِ، وأبْلِغْ شِيعَتَنَا إنَّهُمْ إذَا قَامُوا بِمَا امِرُوا إنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ»[12].
وعن «الكافي» بسنده عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام أنَّه قال: «وَدِدتُ واللهِ إنِّي افتَدَيْتُ خَصلَتَينِ في الشِّيَعَةِ لَنَا بِبَعْضِ لَحمِ سَاعِدي: النَّزَقَ، وقِلَّةَ الكِتْمَانِ»[13]؛ لأنَّ العادة جرت في القديم أن يفدي الأسير نفسه بشيء ليطلق بعد ذلك. ولو لم يكن عنده شيء يفدي به نفسه يأخذوا شيئاً من لحمه أو عظمه، وإذا لم يرض، فإنَّه يقتل. والإمام هنا يعبّر عن امتعاضه واشمِئزازه من وجود هاتين الصفتين المضرّتين في شيعته بحيث إنَّه مستعدّ أن يفتدي ببعض لحم ساعده لتطهير ساحة الشيعة منهما.
وعن «الكافي» بإسناده المتّصل عن عمرو بن أبي مقدام أنَّه قَالَ: سَمِعْتُ أبَا عَبدِ اللهِ عليه السلام يَقُولُ: «خَرَجْتُ أنَا وأبي حتى إذَا كُنَّا بَيْنَ الْقَبْرِ والْمِنبَرِ إذَا هُوَ بِأنَاسٍ مِنَ الشِّيعَةِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: إنِّي واللهِ لُاحِبُّ رِياحَكُمْ وأرْوَاحَكُمْ فَأعِينُونِي على ذَلِكَ بِوَرَعٍ واجْتِهَادٍ واعْلَمُوا أنَّ وِلَايَتَنَا لَا تُنَالُ إلَّا بِالوَرَعِ والاجْتِهَادِ. مَنِ ائْتَمَّ مِنْكُمْ بِعَبدٍ فَلْيَعْمَلْ بِعَمَلَهِ. أنْتُم شِيعَةُ اللهِ وأنْتُم أنصَارُ اللهِ وأنْتُمُ السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ والسَّابِقُونَ الآخِرُونَ والسَّابِقُونَ في الدُّنْيَا والسَّابِقُونَ في الآخِرَةِ؛ قَدْ ضَمِنَّا لَكُمُ الْجَنَّةَ بِضَمَانِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وضَمانِ رَسُولِ اللهِ؛ واللهِ ما على دَرَجَةِ الْجَنَّةِ أكْثَرُ أرْواحاً مِنْكُمْ، فَتَنافَسُوا في فَضَائِلِ الدَّرَجَاتِ؛ أنْتُم الطَّيِّبُونَ ونِسَاؤُكُمُ الطَّيِّباتُ؛ كُلُّ مُؤمِنَةٍ حَوْراءُ عَيْنَاءُ؛ كُلُّ مُؤمِنٍ صِدّيقُّ. ولَقَدْ قَالَ أميرُ المؤمِنِينَ لِقَنْبَرٍ: يَا قَنْبَرُ؛ أبْشِرْ وبَشِّرْ واستَبْشِرْ، فَوَ اللهِ؛ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ وهُوَ على امَّتِهِ سَاخِطٌ إلَّا الشِّيعَةَ. ألَا وإنَّ لِكُلِّ شَيءٍ عِزّاً وعِزُّ الإسلامِ الشِّيعَةُ؛ ألَا وإنَّ لِكُلِّ شَيءٍ دِعَامَةً ودِعامَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ؛ ألَا وإنَّ لِكُلِّ شَيءٍ ذِرْوَةٌ وذِروَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ؛ ألَا وإنَّ لِكُلّ شَيءٍ سَيِّداً وسَيِّدُ الْمَجَالِسِ مَجَالِسُ الشِّيعَةِ؛ ألَا وإنَّ لِكُلِّ شَيءٍ شَرَفاً وشَرَفُ الإسلَامِ الشِّيعَةُ؛ ألَا وإنَّ لِكُلِّ شَيءٍ إمَاماً وإمَامُ الأرضِ أرْضٌ تَسكُنُهَا الشّيعَةُ»[14] (الحديث).
وعن «خصال» الشيخ الصدوق بسنده عن أبي المقدام، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنَّه قال: «يَا أبَا الْمِقدام؛ إنَّما شيعَةُ عَلِيّ الشَّاحِبُونَ النّاحِلُونَ الذابِلُونَ. ذَابِلَةٌ شِفَاهُهُمْ، خَمِيصَةٌ بُطُونُهُمْ، مُتَغَيِّرَةٌ ألْوَانُهُمْ، مُصْفَرَّةٌ وُجُوهُهُمْ، إذَا جَنَّهُمُ الليلُ اتَّخَذُوا الأرضَ فِراشاً، واستَقْبَلُوا الأرضَ بِجِبَاهِهِمْ، كَثيرٌ سُجُودُهُمْ، كَثيرٌ دُمُوعُهُمْ؛ كَثيرٌ دُعَاؤُهُمْ، كَثيرٌ بُكاؤُهُمْ، يَفْرَحُ النَّاسُ وهُمْ مَحْزُونُونَ»[15]. أي من عدم وصولهم إلى المطلوب ولقاء الله.
وعن «أمالي» الشيخ الطوسيّ وإرشاد الشيخ المفيد بسنديهما المتَّصلين: رُويَ أنَّ أميرَ المؤمِنِينَ عَلَيهِ السَّلامُ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْمَسجِدِ وكَانَت لَيْلَةً قَمْراءَ فَأمَّ الْجَبَّانَة ولَحِقَهُ جَمَاعَةٌ يَقْفُونَ أثَرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: «مَا أنْتُم؟» قَالُوا: شِيعَتُكَ يَا أميرَ المؤمِنِينَ!، فَتَفَرَّسَ في وُجُوهِهِمْ ثُمَّ قَالَ: «فَما لي لَا أرى عَلَيْكُمْ سيماءَ الشِّيعَةِ؟» قَالُوا: ومَا سِيماءُ الشِّيعَةِ يا أميرَ المؤمِنينَ؟ قَالَ: «صُفْرُ الْوُجُوهِ مِنَ السَّهَرِ، عُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكاءِ، حُدْبُ الظُّهورِ مِنَ الْقِيَامِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ذُبلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدعاءِ، عَلَيْهِمْ غَبْرَةُ الْخَاشِعينَ»[16].
ويروي الشيخ الصدوق في كتاب «صفات الشيعة» عن أبيه بإسناده المتّصل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنَّه قالَ: «كَانَ عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ قَاعِداً في بَيْتِهِ إذ قَرَعَ قَوْمٌ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ انْظُرِي مَن بِالبَابِ؟ فَقالُوا: قَوْمٌ مِن شِيعَتِكَ، فَوَثَبَ عَجِلًا حتى كَادَ أن يَقَعَ؛ فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ ونَظَرَ إليهم رَجَعَ، فَقَالَ: كَذِبُوا، فَأينَ السَّمْتُ في الوُجُوهِ؟ أيْنَ أثَرُ الْعِبَادَةِ؟ أيْنَ سِيماءُ السُّجُودِ؟ إنَّما شِيعَتُنَا يُعْرَفُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وشَعَثِهِمْ؛ قَدْ قَرَحَتِ الْعِبَادَةُ مِنْهُمْ الآنافَ، ودَثَرَتِ الْجِبَاهَ والْمَسَاجِدَ؛ خُمْصُ الْبُطُونِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ؛ قَدْ هَيَّجَتِ الْعِبَادَةُ وُجُوهَهُمْ، وأخْلَقَ سَهَرُ الليالي وقَطَعَ الْهَواجِرُ جُثَثَهُمْ[17]؛ الْمُسَبَّحُونَ إذَا سَكَتَ النَّاسُ، والْمُصلُّونَ إذَا نَامَ النَّاسُ، وَالْمَحزُونُونَ إذَا فَرِحَ النَّاسُ»[18].
وجاء في «الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ، عن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام أنَّه قال: «قَدِمَ جَمَاعَةٌ فَاستَأذَنُوا على الرِّضا عليه السَّلام وقَالُوا: نَحْنُ مِن شِيعَةِ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلامُ فَمَنَعَهُمْ أيَّاماً ثُمَّ دَخَلُوا، قَالَ لَهُمْ: وَيْحَكُمْ إنَّمَا شِيعَةُ أميرِ المؤمِنينَ عَلَيهِ السَّلامُ الْحَسَنُ، والْحُسَينُ وسَلْمَانُ، وأبُو ذَرٍّ، والْمِقدادُ، وعَمّارٌ، ومُحَمَّدُ بنُ أبي بَكرٍ الَّذِينَ لَمْ يُخَالِفُوا شَيئاً مِن أوامِرِهِ»[19].
وجاءت الرواية التالية في «تفسير الإمام العسكريّ»[20] بشكل مفصّل. وذكرها العلّامة المجلسيّ في باب صفات الشيعة عن الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ عليه السلام أنَّه قال: «ولمّا جعل المأمون إلى عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام ولاية العهد، دخل عليه آذنه وقال: إنَّ قوماً بالباب يستأذنون عليك. يقولون: نحن شيعة عليّ. فقال: أنا مشغول فاصرفهم، فصرفهم. فلمّا كان من اليوم الثاني جاءوا وقالوا كذلك مثلها فصرفهم، إلى أن جاءوا هكذا يقولون ويصرفهم شهرين، ثمّ أيسوا من الوصول، وقالوا للحاجب: قل لمولانا إنَّا شيعة أبيك عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا. ونحن ننصرف هذه الكرّة ونهرب من بلدنا خجلًا وأنفة ممّا لحقنا، وعجزاً عن احتمال مضض ما يلحقنا بشماتة الأعداء. فقال عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: إئذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه، فسلّموا عليه، فلم يردّ عليهم، ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياماً فقالوا: يا بن رسول الله. ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب؟ أيّ باقية تبقي منّا بعد هذا؟ فقال الإمام: إقْرَؤُوا: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}.[21]
ما اقتديتُ إلّا بربّي عزّ وجلّ فيكم، وبرسول الله، وبأمير المؤمنين ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام. عتبوا عليكم فاقتديتُ بهم». قالوا لما ذا يا بن رسول الله؟ قال: «لدعواكم أنَّكم شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. ويحكم، إنَّما شيعته الحسنُ، والحسين، وأبو ذرّ، وسلمان، والمقداد، وعمّار، ومحمّد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئاً من أوامره. ولم يركبوا شيئاً من فنون زواجره. فأمّا أنتم إذا قلتم إنَّكم شيعته، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون مقصّرون في كثير من الفرائض، متهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتّقون حيث لا يجب التقيّة، وتتركون التقيّة حيث لا بدّ من التقيّة. فلو قلتم إنَّكم موالوه ومحبّوه، والموالون لأوليائه، والمعادون لأعدائه، لم أنكره من قولكم. ولكن هذه مرتبة شريفة ادّعيتموها إن لم تصدّقوا قولكم بفعلكم هلكتم إلّا أن تتدارككم رحمةٌ من ربّكم.
قالوا يا بن رسول الله فإنَّا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا، بل نقول كما علّمنا مولانا حضرة الإمام الرضا: نحن محبّوكم ومحبّو أوليائكم ومعادو أعدائكم. قال الرضا عليه السلام: مَرْحَباً بِكُمْ يَا إخواني وأهْلَ وُدّي، إرتَفِعُوا، إرْتَفِعُوا، إرْتَفِعُوا، فَما زَالَ يَرْفَعُهُمْ حتى ألصَقَهُمْ بِنَفْسِهِ. ثمّ قال لحاجبه: كم مرّة حجبتهم؟ قال: ستّين مرّةً. فقال لحاجبه: فاختلف إليهم ستّين مرّة متوالية، فسلّم عليهم، وأقرئهم سلامي، فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقّوا الكرامة لمحبّتهم لنا وموالاتهم، وتفقّد امورهم وامور عيالاتهم فأوسعهم بنفقات ومبرّات وصلات، ورفع معرّات»[22].
[1] «بحار الأنوار» ج 3، ص 394.
[2] «المصدر السابق» ج 15 كتاب الإيمان، ص 141.
[3] حسيني طهراني، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاء بيروت لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.
[4] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الأخلاق. ص 148.
[5] «المصدر السابق» ج 15، كتاب الإيمان، ص 142.
[6] كناية عن عدم التكلّم مع الناس بغلظة.
[7] كناية عن عدم تحميل غيره أثقاله وهمومه.
[8] لا يَكُونوا أهل الضوضاء والأهواء والجلال.
[9] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الإيمان، ص 150.
[10] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الإيمان، ص 150.
[11] «المصدر السابق» ج 15، كتاب الإيمان، ص 152.
[12] «المصدر السابق» ج 15، ص 164.
[13] «المصدر السابق» ج 15، كتاب العشرة ص 137.
[14] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الإيمان، ص 123.
[15] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الإيمان، ص 141.
[16] «المصدر السابق» ج 15، كتاب الإيمان، ص 142.
[17] أثر الصيام والعبادة.
[18] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الإيمان، ص 147.
[19] «المصدر السابق» ج 6، ص 750، نقلًا عن «الاحتجاج».
[20] يدور كلام كثير حول نسبة هذا التفسير إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. ولا يمكن نسبته إلى الإمام بسبب ما يتضمّنه من بعض المواضيع التي لا تصدر عن أيّ عالم فضلًا عن الإمام المعصوم. وأقام المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغيّ رضوان الله عليه شواهد ضدّ نسبته إلى الإمام، وذلك في مقدّمة تفسيره «آلاء الرحمن».
[21] الآية 30، من السورة 42: الشورى.
[22] «بحار الأنوار» ج 15، كتاب الإيمان، ص 144.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة