اعتقدت تركان خاتون أنها أمنت السلطة لابنها محمود وأصبح في مأمن من أي منافسة، لكن فاتها ما يكنه الجنود النظاميون من كراهية لوزير ابنها تاج الملك أبي الغنائم الشيرازي بفعل عدائه الشديد لنظام الملك، فمالوا إلى بركياروق، فثاروا في أصفهان وأخرجوا بركياروق من السجن وأجلسوه على العرش وخطبوا له (1)، وبذلك أصبح للسلاجقة سلطانان في وقت واحد، أحدهما في بغداد والآخر في أصفهان، وأضحت المواجهة بينهما أمراً لا مفر منه .
كانت تركان خاتون آنذاك قد خرجت من بغداد متوجهة إلى أصفهان، ومعها ابنها السلطان محمود ووزيره تاج الملك أبو الغنائم الشيرازي، ولما اقتربت من المدينة خرج بركياروق منها مع أتباعه النظامية، وتوجهوا إلى الري، فانضم إليهم في الطريق الأمير أرغش النظامي ومعه جماعة من الأمراء ممن ينقمون على الوزير تاج الملك أبي الغنائم الشيرازي عدو نظام الملك والمسؤول عن مقتله، وتمكن بفضل مساعدتهم من الاستيلاء على قلعة طَبَرَك، ثم التقى بجيش أخيه السلطان محمود بالقرب من بروجرد(2) في (16 ذي الحجة 485هـ / 18 كانون الثاني 1093م) ودارت بينهما رحى معركة ضارية وعندما اشتد القتال انحازت جماعة من عسكر السلطان محمود إلى صفوف بركياروق، كان منهم: الأمير يلبرد وكمشتكين الجاندار، فرجحت كفته وانتهى القتال بهزيمة جيش السلطان محمود، ووقع وزيره تاج الملك أبو الغنائم الشيرازي في الأسر، فقتله الجنود النظامية في (محرم 486هـ/ شباط انتقاماً لمقتل صاحبهم نظام الملك على رغم إرادة بركياروق الذي كان يرغب في استيزاره نظراً لكفاءته (3).
وسارت تركان خاتون مع ابنها السلطان محمود بعد الهزيمة إلى أصفهان الخالية من أنصار بركياروق، فدخلتها وتحصَّنت بها فتبعها بركيارق وحاصر المدينة وبذلت تركان خاتون الأموال لبركياروق حتى بفك الحصار عن المدينة، ثم اتفق الطرفان على الصلح وتقسيم أراضي السلطنة السلجوقية بين الأخوين على الشكل التالي:
- أن تكون بلاد أصفهان وفارس لتركان خاتون وابنها محمود.
- أن تكون باقي أراضي السلطنة، لا سيما القسم الغربي، من نصيب بركياروق وهو السلطان.
- تدفع ترکان خاتون مبلغ خمسمائة ألف دينار لبركياروق من ميراث أبيه (4).
ويبدو أن موافقة بركياروق على مبدأ الصلح والقسمة له علاقة بعاملين:
الأول: بروز خطر منافس سلجوقي آخر على السلطة هو عمه مه تنش، حاكم دمشق وما جاورها من بلاد الشام.
الثاني: عدم جهوزية قواته لفرض حصار قد يكون طويل الأمد، فأراد تجهيز
جيش آخر كثير العدد، قوي العتاد، حتى يستطيع الاستيلاء على أصفهان. ويبدو أن تركان خاتون لم تكن صادقة النية في التفاهم مع بركياروق، فما إن فك هذا الحصار عن أصفهان حتى دخلت في مفاوضات مع خاله إسماعيل ياقوتي أمير أذربيجان ووعدته بالزواج إذا استطاع هزيمة بركياروق، وأرسلت إليه الآلات والأسباب والأموال والدروع وبالفعل توجه إسماعيل ياقوتي على رأس جيشه لمحاربة ابن أخته، والتقى الجيشان بنواحي الكرج في (رمضان 486هـ / تشرين الأول 1093م)، وأسفر القتال بينهما عن انتصار بركياروق وفر إسماعيل ياقوتي إلى أصفهان في جو الهزيمة القائم، فاستقبلته ترکان خاتون وأكرمته، فخطبت له وضربت اسمه على الدينار بعد ابنها محمود بن ملكشاه. وكاد أمر الزواج يتم بينهما غير أن الأمراء، ولا سيما الأمير أنر، عارضوا ذلك خشية من بطشه وآثروا خروجه عنهم، ويبدو أنه خشي بدوره منهم فغادر أصفهان ولحق بأخته زبيدة والدة بركياروق، فأقام عندها أياماً وحدث أن اجتمع مع بعض الأمراء وهم كمشتكين الجاندار وأفسنقر وبوزان فبسطوه في القول فأطلعهم على سره وأنه طامع بالسلطنة والتخلص من بركياروق فوثبوا عليه وقتلوه وأعلموا أخته بذلك، فسكتت عنه (5).
وسار بركياروق في (شوال 487هـ / تشرين الأول 1094م)، بعد أن انهزم أمام عمه تنش صاحب دمشق إلى أصفهان وكانت والدة أخيه السلطان محمود قد توفيت في (رمضان / أيلول) فصدَّه أهلها، ثم أذنوا له، خديعة منهم ليقبضوا عليه، فلما اقترب من المدينة خرج أخوه السلطان محمود لاستقباله، وما إن دخلها حتى قبض عليه الأميران أنر وبلكابك وسجناه في كوشك ميدان، وهما بسمل عينيه، وحدث آنذاك أن حُمَّ أخوه السلطان محمود وجُدر ثم توفي، فأفرج الأمراء عنه
واختاروه سلطاناً على السلاجقة (6).
.....................................................................
(1) ابن الأثير: جـ8 ص 363.
(2) بروجرد بلدة بين همذان وبين الكرج، بينها وبين همذان ثمانية عشر فرسخاً، وبينها وبين الكرج عشرة فراسخ وبروجرد بينهما الحموي: ج1 ص 404.
(3) ابن الأثير: جـ 8 ص 363، 364
(4) الراوندي: ص 218
(5) المصدر نفسه ابن الأثير: ج 8 ص 371، 372
(6) الراوندي: ص219 ابن الأثير: جـ 8 ص 380، 381.