1

المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الأدب

الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر

النقد

النقد الحديث

النقد القديم

البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب

الأدب الــعربــي : تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب :

السيد علي أبو النصر

المؤلف:  عمر الدسوقي

المصدر:  في الأدب الحديث

الجزء والصفحة:  ص:124-127ج1

21-9-2019

2758


مصريٌّ شريف النسب من منفلوط، لا نعرف على التحقيق متى ولد، وأغلب الظن أنه كان رجلًا ناضجًا في عصر محمد علي؛ حيث أرسله في مهمةٍ إلى الأستانة, في خلافة السلطان عبد المجيد، ومبعوث محمد علي إلى "الحضرة الخليفية" لن يكون حدثًا غرًّا, أو شابًّا غير مجرب، بل رجلًا مكتمل العقل والشهرة، ولذلك نرجح أن ولد في أوائل القرن التاسع عشر, وجاء إلى مصر من منفوط وهو صغير السن، ثم دخل الأزهر وتلقى به العلوم العربية والشرعية، إلّا أنه لم يسر في مرحلة التعليم هذه حتى غايتها، بل ترك العلم واشتغل بالأدب، وقد ظهر ميله إليه منذ الصغر, وكان عصر شبابه مقفرًا من الأدباء اللامعين، وكان صفوت الساعاتي في شغلٍ بمدح أمراء الحجاز -كما سيأتي، فنال أبو النصر شهرةً، واتصل بالأسرة الحاكمة، وبعثه محمد علي -كما ذكرنا- إلى الآستانة، وصحب إسماعيل من بعده، وكان له نديمًا وجليسًا، وقد سافر إلى الآستانة معه مرةً ثانيةً.

(1/124)

ولم يكن أبو النصر شاعرًا فحسب، ولكنه كان نديمًا أكثر منه شاعرًا، وللمنادمة صفات كثيرة، وهي صنعة شاقة، أما هذه الصفات فمنها: الإحاطة بالأدب القديم, ورواية شعره ونثره ونوادره وأمثاله، ثم الذكاء الحاد, وسرعة البديهة، ومعرفة دخائل النفوس، ودراسة أحوالها المتباينة، وأهم من هذا طبيعة مرحة، قادرة على استلال سخائم النفوس، وبعث الضحك مع الاحتفاظ بالوقار والمنزلة, حتى لا يمتهن النديم ويهان, وليس الضحاك أمرًا هينًا, ولا سيما في مجلس أميرٍ عظيمٍ تشغله أعباء الحكم، وتَحِزُّ به أزمات نفسية كثيرة، والنفس الإنسانية يعتروها الحزن والسرور, والانقباض والانشراح، والغضب والرضا، والمفروض في النديم أن يستطيع بعث الضحك في كل حالة، ولا سيما في حالات الانقباض والحزن، وأن يذهب بمرحه وأدبه ضُرَّ القلوب، وتجهم الوجوه، مع أنه إنسانٌ كسائر الناس, له نفس تحزن وتنقبض، وعقل يفتر ويخبو، وقريحة تخمد وتتبلد أحيانًا.
ولهذا كانت مهمة النديم شاقة، وعليه أن يخلق الجو المناسب لنكاته، وأن يروض الناس على الضحك حين يطلق النكتة, ولو لم تكن مستساغة، وهذا فن يتقنه الموهوبون من الندماء.
ثم إن النديم صدًى للحوادث التي تحدث في مجلس الأمير أو العظيم، يسجلها في أدبه, فيقول الشعر في كل المناسبات الممكنة, حين يرحل الأمير، وحين يعود، وحين يرتقي أحد أفراد الحاشية, أو ينعم عليه بلقبٍ، وحين يولد مولود جديد، وفي الأعياد والأفراح والمآتم، بل في غير ذلك من المناسبات المفاجئة والعارضة.
وإذا تصفحنا ديوان أبي النصر لم نجده شيئًا غير هذا، وقلَّمَا يلتفت النديم لنفسه, فيظهر لواعج حبها، أو اهتزاز مشاعرها وعواطفها، أو يلتفت إلى غير الأمير وحاشيته.

(1/125)

وشعر أبي النصر يمثِّلُ كذلك هذه المدرسة التي أثقل أدبها بأوضار القديم وآفاته، فهو مولع بالمحسنات البديعية، وبالتأريخ الشعري، وبالألغاز، وبالتشطير, والتلاعب بالألفاظ، والشعر في هذه المدرسة -كما ذكرنا- صناعة تظهر البراعة والقدرة على صياغةٍ معينةٍ تحقق غرضًا من هذه الأغراض, وليس ترجمانًا عن همسات القلوب، وأشجان النفوس وأحاديثها، ومطية للخيال يحلق في سماواته الواسعة، أو مفصحًا عن فكرة اختمرت في عقل الشاعر وأبت إلّا أن تظهر جليةً واضحةً, كما يجب أن يكون الشعر.
ولم يكن مع هذا شعر السيد علي أبي النصر متين النسج، قويّ العبارة, بل هو وسط بين القوة والضعف، وبذلك يكون خير مثال للنظامين أو العروضيين, ومن شعره وقد أهدي إليه قدح:
أهدى الحبيب لمن أحب ... قدحًا تحلى بالذهب
لو أفرغت فيه الطلا ... لأطل ينظره الحبب
قد راق منظر حسنه ... ودعا له داعي الطرب
لا نظرت لشكله ... في رسم تيجان العرب
قلبته وقبلته ... ووعدته بنت العنب
ولأجله لولا التقى ... لخلعت أثواب الأدب
وملأته راحًا بها ... ينفي عن الصب الوصب
لكنني أودعته ... بخزنة تحوي الأدب
ومدحت من أهداه لي ... ومنحته شكرًا وجب
وجعلته بشرى المنى ... والدهر يأتي بالعجب
وقال ملغزًا:
ما اسم الحبيب أفيدوا أيها الأدبا ... فإن بقراط عنه ساء منقلبا؟
فقال لي بعضهم: حرف أضيف له ... حرفان دلَّا على شيءٍ حوى ذنبا
فقلت: هذا جواب رائق فعلى ... مثلي لمثلك شكر الفضل قد وجبا

(1/126)

ومن قوله يتغزل:
نور زاهي الروض أم نور الصباح ... وابتسام الثغر أم زهر الأقاح
ونجوم تزدهي في أفقها ... بوميض البرق أم كاسات راح
ولا، ولا، بدر تمَّ ينجلي ... للندامى في اغتباق واصطباح
بمحايا يزدري شمس الضحى ... في معاني حسنه تعيا الفصاح
وقال مهنئًا مصطفى نعماني برتبة الباشوية, مؤرخًا في كل شطرٍ من أبيات القصيدة بتاريخ هذه الرتبة, وهو سنة 1295.
بشير الهنا لاحت بيمن قدومه ... بدور بها نور البشائر قد صفا
وبدر التهاني فاق بالأنس نوره ... فأهدى لنا أسنى السرور وأتحفا
وهكذا حتى أتم خمسة عشر بيتًا, كل شطر منه يؤرخ سنة 1295 مظهرًا بذلك مهارته وقدرته على الصياغة والنظم.
ومن أحسن ما قاله من الشعر هذه القطعة التي يتأسف فيها لفراق أحبابه:
لقد ذهب النوى بجميل صبري ... وأودع في حشاشتي الولوعا
وألبسني الأسى خلع التمني ... وألزمني التذلل والخضوعا
ونار الشوق أغراها غرامي ... على كبدي فقومت الضلوعا
ولي قلب تقلبه شجوني ... وتمنعه السكنية والهجوعا
يبيت مع الأحبة حيث كانوا ... ويصبح راجيًا منهم رجوعا
يرى أضغاث أحلام الأماني ... حقائق لا يزال بها ولوعا
تطوف به الحوادث وهو لاهٍ ... كأن الوهم ألبسه دروعا
وقائلة: إلام تحن شوقًا ... إلى حيٍّ أحلَّ بك الهلوعا
فقلت لها: وقيت اليأس إني ... أود بحبهم أدعى هلوعا

(1/127)

أبعد فراقهم ترتاح روحي ... وترجو ساعةً أن لا تلوعا(1)
فهم روحي وريحاني رواحي ... فكيف أرى إلى السلوى نزوعا(2)
وفي هذه النماذج التي سقناها من شعره يتبين مدى ما ذكرناه عن أدباء هذه المدرسة وتقليدهم, وعدم ظهور شخصيتهم، مع افتتانهم بالبديع والجري وراءه، وضعف أسلوبهم، وقد مات سنة 1880، وله ديوان مطبوع.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تلوع: تجزع.
(2) الراح: الخمر، والنزوع، الميل.

 

EN

تصفح الموقع بالشكل العمودي