نزول سورة (الإنسان) المباركة في الخامس والعشرين من ذي الحجّة
بقلم/ الشيخ محمد صنقور
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيّين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
اللّهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبوابَ رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (1).
الآيات الثلاث التي تلوناها هي مطلعُ سورة الإنسان وهي إحدى وثلاثون آية ومع البسملة تكون آياتها اثنين وثلاثين آية، وتُسمَّى هذه السورة كذلك بسورة الدهر، وكذلك تسمَّى بسورة (هل أتى)، وتسمَّى بسورة الأبرار؛ لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (2).
والسورة بكامل آياتها مدنيَّة أو هي مدنيَّة إلى الآية الثانية والعشرين.
والسورة بكامل آياتها مدنيَّة كما هو الثابت عن أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك هو قول جمهور العامَّة كما ذكر ذلك ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير (3) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (4) والآلوسي في تفسيره (5) وغيرهم، وقد استفاضت روايات العامّة على أنَّها مدنيَّة، وقيل: إنَّ آياتها الأولى إلى اثنين وعشرين آية نزلت في المدينة، ونزلت بقيّةُ الآيات من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا﴾ (6) إلى آخر السورة في مكّة (7) وزعم بعضُهم أنَّها بتمامها نزلت في مكّة وسيتّضح سقوط هذا القول إنْ شاء الله تعالى المنسوب لابن يسار، ومقاتل (8).
الاستدلال على نزول سورة الدهر في المدينة:
ويمكن الاستدلال على نزول سورة الدهر أو آياتها الأولى إلى الآية اثنين عشرين في المدينة بطائفتين من الروايات:
الطائفة الأولى: الروايات التي نصَّت على أنَّ سورة الدهر من السور المدنيَّة.
والطائفة الثانية: الروايات المستفيضة التي نصَّت على نزول سورة الدهر في علىٍّ وفاطمة والحسن الحسين (عليهم السلام) بعد أنْ أطعموا المسكين واليتيم والأسير وآثروهم على أنفسهم.
أمّا الطائفة الأولى وهي الروايات التي نصَّت على أنَّ سورة الدهر من السور المدنيَّة فمنها: ما أورده البيهقي في دلائل النبوة بإسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن قالا: أنزل الله من القرآن بمكّة: اقرأ باسم ربك و(ن) والمزمّل - إلى أن قالا - وما نزل بالمدينة ويل للمطفّفين، والبقرة وآل عمران، والأنفال، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، وإذا زلزلت، والحديد، ومحمد (صلى الله عليه وآله)، والرعد، والرحمن، وهل أتى على الإنسان..." (9).
ومنها: ما أورده السيوطي في الإتقان عن ابن الضريس في فضائل القرآن بإسناده عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس قال: كان إذا نزلت فاتحة سورة بمكّة كتبت بمكّة ثم يزيد الله فيها ما شاء. وكان أوّل ما أنزل من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم (ن)، ثم يا أيّها المزمّل - إلى أن قال - ثم أنزل بالمدينة سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم القتال - محمد (ص) - ثم الرعد ثم الرحمن ثم الإنسان..." (10).
ومنها: ما أورده السيوطي في الدر المنثور قال: أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإنسان بالمدينة" (11).
وأورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ما يزيد على العشرين طريقاً ينصّ على نزول سورة الدهر في المدينة (12).
وأورد الطبرسي عن الحاكم الحسكاني بإسناده عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: وأوّل ما نزل بالمدينة سورة (البقرة) ثم (الأنفال) ثم (آل عمران) ثم (الأحزاب) ثم (الممتحنة) ثم (النساء) ثم (إذا زلزلت) ثم (الحديد) ثم (سورة محمد) ثم (الرعد) ثم (سورة الرحمن) ثم (هل أتى) إلى قوله: فهذا ما أنزل بالمدينة" (13).
وأمّا الطائفة الثانية والتي نصَّت على أنَّ سورة الدهر أو آياتها الأولى إلى اثنين وعشرين آية نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) فرواياتٌ مستفيضة من طرق العامّة نقلتها العديدُ من مصادرهم منها ما نوَّه عليه الشيخ الأمينيّ في الغدير، فقد ذكر أربعة وثلاثين مصدراً من مصادر علماء العامّة رووا نزول سورة الدهر في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) (14) وأمَّا ما ورد في طرقنا فيفوقُ حدَّ الاستفاضة.
ونذكر في المقام بعض ما ورد في طرقنا وبعض ما ورد في طرق العامَّة:
فمن ذلك ما أورده القمي في تفسيره بسند صحيح عن عبد الله بن ميمون القدّاح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كان عند فاطمة (عليها السلام) شعيرٌ فجعلوه عصيدةً، فلمَّا أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فقال المسكين: رحمكم الله أطعمونا ممّا رزقكم الله، فقام عليٌّ (عليه السلام) فأعطاه ثُلثَها، فما لبثَ أنْ جاء يتيمٌ فقال اليتيم: رحمكم الله أطعمونا ممَّا رزقكم الله، فقام عليٌّ (عليه السلام) فأعطاه ثُلثَها الثاني، فما لبث أنْ جاء أسيرٌ فقال الأسير: يرحمكم الله أطعمونا ممَّا رزقكم الله، فقام عليٌّ (عليه السلام) فأعطاه الثلثَ الباقي، وما ذاقوها، فأنزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ في أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي جاريةٌ في كلِّ مؤمنٍ فعل مثلَ ذلك لله (عزَّ وجل)" (15).
في كتاب الاحتجاج للطبرسي (ره) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حديث طويل يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطاب: "...نشدتُّكم بالله هل فيكم أحدٌ نزل فيه وفي ولده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ إلى آخر السورة غيري؟ قالوا: لا..." (16).
وفي كتاب الخصال في احتجاج علي على أبي بكر قال: أنشدك بالله أنا صاحبُ الآية: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أم أنت؟ قال: بل أنت" (17).
وفي روضة الواعظين للفتّال النيسابوري والاحتجاج للطبرسي روى عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) الخطبة التي خطبها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) في غدير خمّ فكان ممَّا ورد فيها: "معاشر الناس: هذا – عليٌّ - أنصرُكم لي، وأحقُّ الناس بي، والله (عزَّ وجلَّ)، وأنا عنه راضيان، وما أُنزلت آيةُ رضًى إلا فيه، وما خاطب اللهُ الذين آمنوا إلا بدأ به، ولا نزلت آيةُ مدحٍ في القرآن إلا فيه، ولا شهد اللهُ بالجنَّة في ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ إلا له، ولا أنزلَها في سواه، ولا مدحَ بها غيرَه" (18).
وممَّا ورد من طرق العامّة ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم (19).
ومنها: ما أورده ابن الجوزي في زاد المسير عن عطاء عن ابن عباس قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ نزلت في علي بن أبي طالب، آجر نفسه يسقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتى الصبح، فلمّا قبض الشعير طحن ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، فلمّا استوى أتى مسكين، فأخرجوه إليه، ثم عمل الثلث الثاني، فلمّا تمّ أتى يتيم، فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلمَّا ثم جاء أسيرٌ من المشركين، فأطعموه وطووا يومهم ذلك، فنزلت هذه الآيات" (20).
ومنها: ما أورده الغرناطي في التسهيل لعلم التنزيل: قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي اللَّه عنهم فإنّهم كانوا صائمين فلمّا وضعوا فطورهم ليأكلوه جاء مسكين فرفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلمّا وضعوا فطورهم جاء يتيم فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين فلمّا وضعوا فطورهم جاء أسير فدفعوه له، وباتوا طاوين والآية على هذا مدنية؛ لأنّ عليا إنّما تزوّج فاطمة بالمدينة" (21).
ومنها: ما أورده الزمخشري في (الكشّاف) عن ابن عباس (رضي الله عنه): "إنَّ الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضّة جارية لهما إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي من شمعون الخيبري؟ اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أخذ عليٌّ بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشدَّ ما يسوؤني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد هنّأك اللهُ في أهل بيتك فأقرأه السورة" (22).
فهذه بعض الروايات الواردة طرق الفريقين وهي وإن كانت مختلفة في بعض التفاصيل ولكنَّها متفقة في نزول الآيات من سورة الإنسان في عليٍِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) والسيدة فاطمة (عليها السلام) والإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام).
يقول الشيخُ المفيد (رحمه الله) في كتابه (الفصول المختارة): "قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ واتّفقت الرواة من الفريقين الخاصّة والعامّة على أنّ هذه الآية بل السورة كلّها نزلت في أمير المؤمنين وزوجته فاطمة وابنيه (عليهم السلام)" (23).
والحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الانسان / 1-3.
2- سورة الإنسان / 5.
3- زاد المسير في علم التفسير -ابن الجوزي- ج8 / ص141.
4- الجامع لأحكام القرآن -القرطبي- ج19 / ص118.
5- روح المعاني في التفسير -الآلوسي- ج29 / ص150.
6- سورة الانسان / 23.
7- زاد المسير في علم التفسير -ابن الجوزي- ج8 / ص141.
8- زاد المسير في علم التفسير -ابن الجوزي- ج8 / ص141.
9- دلائل النبوَّة -البيهقي- ج7 / ص143، الإتقان في علوم القرآن -السيوطي- ج1 / ص38.
10- الإتقان في علوم القرآن -جلال الدين السيوطي- ج1 / ص39.
11- الدر المنثور في التفسير بالمأثور -جلال الدين السيوطي- ج6 / ص297.
12- شواهد التنزيل -الحاكم الحسكاني-ج2 / ص409، 414.
13- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج10 / ص212.
14- كتاب الغدير -الأميني- ج3 / ص107، أورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل قرابة تسعة عشر رواية من طرق مختلفة نصَّت على نزول سورة الدهر أو الآيات الأولى إلى الآية الثانية والعشرين في أهل البيت (ع).
15- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج2/ 398، وهذه بعض ما ورد في مصادر الإمامية: الأمالي -الصدوق- ص329، الخصال -الصدوق- ص550، عيون أخبار الرضا (ع) - الصدوق- ج2/ 199، شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج2 / ص193، 220، الإرشاد -المفيد- ج1 / ص178، ج2 / ص30، الاختصاص -المفيد- ص150، الفصول المختارة -المفيد- ص140، روضة الواعظين -الفتال النيسابوري- ص160، مستدرك الوسائل -النوري- ج15 / ص153، مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) –محمد بن سليمان الكوفي- ج2 / ص58، 163، 178، مناقب علي بن أبي طالب -ابن المغازلي- ص221، الاحتجاج -الطبرسي- ج1 / ص164، مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص149، تفسير أبي حمزة الثمالي ص345، تفسير فرات الكوفي ص520.
16- كتاب الاحتجاج -الطبرسي- ج1 / ص194، 210.
17- الخصال -الشيخ الصدوق- ص550. تحت عنوان احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي بكر بثلاث وأربعين خصلة فكان فيما قال: "قال: أنشدك بالله ألي الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم أم لك؟، قال: بل لك، قال: أنشدك بالله أنا المولى لك ولكلّ مسلم بحديث النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير أم أنت؟..." ص549.
18- روضة الواعظين -الفتال النيسابوري- ص95، الاحتجاج -الطبرسي- ج1 / ص76، التحصين -السيد ابن طاووس- ص584، اليقين -السيد ابن طاووس- ص353.
19- مناقب علي بن أبي طالب وما نزل من القرآن في علي -أحمد بن موسى بن مردويه الأصفهاني- ص341، الدر المنثور في التفسير بالمأثور -جلال الدين السيوطي- ج6 / ص299، فتح القدير -الشوكاني- ج5 / ص349.
20- زاد المسير -ابن الجوزي- ج8 / ص145.
21- التسهيل لعلم التنزيل -الغرناطي الكلبي- ج2 / ص437.
22- الكشاف -الزمخشري- ج4 / ص197.
23- الفصول المختارة -المفيد- ص140.
1

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)