نفحاتٌ عَطِرَةٌ مِن سِيرةِ الإمامِ العسكريِّ (عليهِ السَّلام)

-هُوَ الإمامُ الحادي عَشرَ أبو مُحمّدٍ الحَسنُ بنُ عليٍّ العَسكريُّ -عليهِ السَّلامُ، وُلِدَ بالمدينةِ المُنوَّرَةِ في الثامِنِ وقيل (العاشِرِ) مِن ربيعٍ الثاني عامَ مئتينِ واثنينِ وثلاثينَ هجريّة.
-والدتُهُ السيِّدَةُ الجَليلَةُ (سَوسَن) وتُعَدُّ مِنَ الزّاكياتِ الطّيباتِ الصّالحاتِ.
- لقد رافقَ الإمامُ العَسكريُّ أباهُ الإمامَ الهاديّ -عليهِ السَّلامُ-في رِحلَتِهِ مِنَ المدينةِ إلى (سُرَّ مَن رَأى) -والتي تُعرَفُ حاليّاً بمدينةِ سَامراءَ في العراقِ-معَ أهلِ بيتِهِ وبعضِ مَواليهِ بعدَ أنْ أشخَصَهُمُ المتوكِّلُ العباسيُّ إليها.
-ولُقِّبَ بالعَسكريِّ لفَرضِ الإقامَةِ الجَبريّةِ عليهِ وعَلى أبيهِ -عليهِما السَّلام-من قِبَلِ السُّلطَةِ العَبّاسيّةِ في سَامراءَ التي كانتْ يَومَها مُعسكَراً للجُّندِ، وعدمِ السَّماح ِلَهُ بالاتِّصالِ بأتْباعِهِ والمُقرّبينَ مِنهُ.
كما كانَ يُلقَّبُ أيضاً بـ: الهاديّ ، الرَّفيق ، الزَّكيّ ، النَّقيّ ، وكانتْ تعكِسُ هذهِ الألقابُ الخِصالَ الحَميدَةَ التي تَجلَّتْ في سُلوكِهِ المُبارَكِ  للنّاسِ، وكانَتْ كُنيَتُهُ أبا مُحمّدٍ ، والعامَّةُ مِنَ النّاسِ كانوا يُلقِّبونَهُ هُوَ وأباهُ وجَدَّهُ-عليهِمُ السّلامُ- بابنِ الرِّضا.
-عاشَ معَ أبيهِ في سَامراءَ عشرينَ عاماً، حيثُ استلَمَ الإمامَةَ بعدَ وَفاةِ أبيهِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ بعدَ المئتين هجريّة، ولَهُ مِنَ العُمرِ اثنانِ وعُشرونَ عاماً.
-تزوَّجَ مِنَ السَّيدَةِ (نرجِس) فأنجَبَتْ ابنَهُ الوَحيدَ مُحمّدَ المَهديَّ صاحِبَ الزَّمانِ –عجَّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشّريف-.
-وَوِفقاً للرّواياتِ استَمَرّتْ إمامَتُهُ إلى سنةِ ستّينَ بعد المئتينِ هجريّة، أيْ سِتُّ سَنواتٍ.
-شَهِدَ الإمامُ ضَعفَ السُّلطَةِ العَبّاسيّةِ، وكيفَ سَيطرَ الأتراكُ على مَقاليدِ الحُكمِ، وبالرَّغمِ مِنَ الاضطرابِ في جِهازِ الحُكمِ المُستَبِدِّ لم يمنعْ ذلكَ مِن تزايُدِ سياسَةِ الضَّغطِ العبّاسيِّ بحَقِّهِ؛ حيثُ قامُوا بحَبسِهِ في سُجونِهِم عِدَّةَ مَرّاتٍ، وخضعَ للرَّقابَةِ المُشَدَّدَةِ، وأخيراً مُحاوَلةِ البَطشِ بهِ بَعيداً عَن أَعيُنِ النّاسِ، والتي باءتْ بالفَشَلِ.
-غيرَ أنَّ الإمامَ الحَسنَ العَسكريَّ على الرَّغمِ مِن تلكَ الضُّغوطِ استطاعَ أنْ يُجهِضَ كُلَّ تلكَ المحاولاتِ مِمّا أكسَبَهُ احتراماً خاصّاً لدى أتباعِ السُّلطَةِ، إلى دَرَجَةِ أنَّهُم انجَذَبوا إليهِ وتَحوَّلوا إلى موالينَ ويسعَونَ الى دفعِ الضُرِّ عَنهُ، بَلِ استَطاعَ أنْ يفرِضَ احترامَهُ على الجّميعِ كـ عُبيدِ اللهِ بنِ يَحيى بنِ خاقانِ الوَزيرِ العَباسيِّ الذي يُنسَبُ إليهِ فيما يُحكى أنَّهُ قالَ بحَقِّ الإمامِ العسكَريِّ:
"لو زالتِ الخِلافَةُ عَن بَني العَبّاسِ ما استَحَقَّها أحَدٌ مِن بَني هاشِمٍ غيرَهُ لفَضلِهِ وعَفافِهِ وهَديِهِ وصِيانَةِ نفسِهِ وزُهدِهِ وعِبادَتِهِ وجَميلِ أخلاقِهِ وصَلاحِهِ"
-    وقد واجهَ الإمامُ مِن أعدائِهِ صُنوفاً مُتَنوِّعَةً مِنَ المِحَنِ، وهذا دأبُ وديدَنُ الأكابِرِ مِنَ الصّالحينَ، يُبتَلَونَ بالجَّهَلَةِ والحُسَّادِ والمُنافِقينَ.
 يُروى أنَّهُ سُلِّمَ الإمامُ إلى بعضِ أعوانِ الظَّلَمَةِ واسمُهُ نحرير، فقالتْ لَهُ امرأَتُهُ: اتَّقِ اللهَ، فإنَّكَ لا تَدري مَن في مَنزِلِكَ -وذَكَرتْ عبادَتَهُ وصَلاحَهُ-، وإنّي أخافُ عليكَ مِنهُ؟ فقالَ: لأرمِيَنَّهُ بينَ السِّباعِ، ثُمَّ استأذَنَ في ذلكِ (مِن طُغاتِهِ) فأُذِنَ لَهُ، (وكانتْ هذهِ طريقَةً مِن طُرُقِ الإعدامِ في ذلكَ الزَّمانِ) فرَمى بهِ إليها، ولَم يَشُكُّوا في أكلِها لَهُ، فنَظَروا إلى الموضِعِ ليَعرِفُوا الحالَ، فوَجَدوهُ قائِماً يُصلّي، وهيَ حولَهُ، فأُمِرَ بإخراجِهِ.
-وعلى الرَّغمِ مِن كُلِّ ذلكَ التعامُلِ الفَجِّ والسَّمِجِ مِنهُم لم يتوقَّفِ الإمامُ عَن مَدِّ يَدِ العَونِ للجِّهازِ الحاكِمِ في المُلمّاتِ التي تعصِفُ بِهم، ويُعالِجُ الأزماتِ بروحٍ مِعطاءَةٍ ومُخلِصَةٍ.
فكانَ –عليهِ السَّلامُ-مَحَلَّ احترامِ الوَسَطِ السّامرائيِّ لِما يَصدُرُ منهُ مِن أدَبٍ وخُلُقٍ كريمٍ واهتمامٍ بالعلمِ، فيُشَجِّعُ أصحابَهُ على إصدارِ الكُتُبِ والرَّسائلَ بالموضوعاتِ الدينيّةِ الحَيويّةِ، ويَطَّلِعُ عَليها ويُنَقِّحُها حتى يُنسَبَ لَهُ -عليهِ السَّلامُ-تفسيرٌ يُعرَفُ بتفسيرِ الإمامِ العَسكريِّ.
كما تَصَدّى للرَدِّ على كُتُبِ المُشكِّكينَ وإبطالِها؛ ويُروى أنَّهُ اتَّصَلَ بالفيلسوفِ الكِنديِّ الذي شرعَ بكتابةِ كتابٍ حولَ مُتناقِضاتِ القُرآنِ فأقنَعَهُ بخطأِ تفكيرِهِ. مِمّا جعلَ الكِنديَّ يَحرِقُ مؤلَّفَهُ ويَتوبُ.
كما أنَّهُ -سلامُ اللهِ عليهِ-كانَ يعمَلُ على إمدادِ أتباعِهِ ومُواليِهِ بِكُلِّ مُقوِّماتِ الثَّباتِ والوَعيّ فكانَ يجودُ بالمالِ والنُّصحِ لَهُم ويُزَوِّدُهُم بالتّوجيهاتِ والإرشاداتِ الضَّروريّةِ في حِلِّ مشاكِلِهِم ...
ومِن صُوَرِ تهيئةِ الذِّهنيّةِ الشِّيعيِّةِ لغَيبَةِ الإمامِ الثاني عَشرَ هُوَ ترسيخُ فكرةِ المُكاتَباتِ والتوقيعاتِ – والتي أصبَحَتْ نافِذَةً بينَ الإمامِ المَهدِيِّ في غَيبتِهِ الصُّغرى والشِّيعَةِ، فعُرِفَتْ بتوقيعاتِ النّاحِيةِ المُقدّسةِ - فكانَ للإمامِ عِدَّةُ وكلاءٍ يجمعونَ الخُمسَ ويحمِلونَ إليهِ الرسائِلَ،  فكانَ مُحمّدُ بنُ عليٍّ السَّمَريِّ يَحمِلُ الرسائلَ والأسئِلةَ والأموالَ في جَرَّةِ السَّمْنِ بصفتِهِ بائِعاً ويدخُلُ بِها على الإمامِ الحَسَنِ ليَرجِعَ بالأجوبَةِ والتَّوجيهاتِ، وبذلكَ استطاعَ الإمامُ  أنْ يكسِرَ الأسوارَ المضروبَةَ عليهِ ويوصِلَ أطروحَةَ الإسلامِ الأصيلِ إلى الجّماهيرِ المؤمنةِ بهِ.
كما أنَّ قضيةَ الخَلَفِ مِنْ بعدِهِ أخَذَتْ حَيّزاً كبيراً مِنَ الإعدادِ والتهيئَةِ؛ فمِن جِهةٍ شاءَ اللهُ –تعالى-أنْ يُخفي أمرَ الإمامِ الثاني عَشَرَ مُنذُ أنْ كانَ حَملاً في بَطنِ أُمِّهِ حتى بعدَ أنْ أشرَقَ نورُهُ وَوُلِدَ، حَرَصَ الإمامُ على سَترِ أمرِهِ والتَّكَتُّمِ على الخَلَفِ مِن بعدِهِ إلى حينِ استشهادِهِ.
-لقد كانَ الإمامُ العَسكريُّ مُمَهِّداً لغَيبةِ وَلَدِهِ الوصيِّ الإمامِ المَهديِّ، وبذلَ جُهدَهُ في سَترِهِ عَنِ الأنظارِ وإخفائِهِ عَنِ الأعداءِ إلا عَن خَاصّةِ الخاصَّةِ وبعضِ أهلِ بيتِهِ، فإنَّ للهِ أمرٌ هُوَ بالِغُهُ ... فسَلامٌ على مَولانا الإمامِ الحَسَنِ العَسكريِّ يومَ وُلِدَ ويومَ استُشهِدَ ويومَ يُبعَثُ حَيّا.

 

 

المزيد

إتصل بنا

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 1829