لا يترُكُ الناسُ شيئاً مِن أمرِ دينِهِم لاستصلاحِ دُنياهُم إلا فتحَ اللهُ عليهِم ما هُو أضرُّ مِنهُ

جاء في كتابِ (أخلاقِ الإمامِ عليٍّ عليهِ السلام)

للسيّد مُحمد صادق السيّد مُحمد رضا الخِرسان

  قالَ أميرُ المؤمنينَ -عليهِ السَّلام-:

(لا يترُكُ الناسُ شيئاً مِن أمرِ دينِهِم لاستصلاحِ دُنياهُم إلا فتحَ اللهُ عليهِم ما هُو أضرُّ مِنهُ)

تحذيرٌ مِنَ التمّادي في التّعدّي على الأوامرِ الشَّرعيةِ والخروجِ عَن خطِّ الالتزامِ بالضّوابطِ والأحكامِ اللازمِ اتباعِها على المسلمينَ؛ لأنَّ الإسلامَ والالتزامَ بهِ كدِينٍ وعقيدةٍ يقتضِي التّعهدَ التامَّ بعدمِ الخروجِ وبعدمِ الانفلاتِ عنِ القيودِ المفروضةِ، وذلكَ كما هو الحالُ في سائرِ الأديانِ او المبادِئ الوضعيّةِ؛ فإنّها تُحدّدُ مسارَ المُتّبِعينَ ضمنَ الخطّةِ المرسومةِ، وإلا فيستحقُّونَ الجزاءَ المفروضَ في مثلِ الحالةِ المُرتَكَبَةِ.

ولابُدَّ للإنسانِ أنْ يفهمَ جيداً ويقتنعَ تماماً ويُوقنَ يقيناً ثابتاً لا يخالطُهُ أدنى شكٍ بأنَّ أمرَ الدِّينِ مُقدَّمٌ على أمرِ الدُّنيا فلا بُدَّ مِن إعطائِهِ الأولويةِ ، وعدمِ التّفريطِ فيهِ أو التّسامُحِ في أداءِ ما يُحتِّمُهُ الالتزامُ الدّينيُّ بلْ يجبُ أنْ يُؤدِّيَ حقَّ الدِّينِ كأحسنِ ما يكونُ وإلا فإنّهُ يحكمُ على نفسِهِ بالخُسرانِ؛ لأنّ الجانبَ الدِّينيَّ مُهمٌ جداً ولا يمكنُ التساهلُ في تقديمِ غيرِهِ عليهِ، لأنّهُ يعني عدمَ صدقِ الإيمانِ والعقيدةِ مِنَ الدّاخلِ وهذا مالا يصحُّ مِنَ الفردِ المُسلمِ.

وهذا لا يعني إغفالَ الدُّنيا والزهدَ فيها، بلْ هي مُكمِّلةٌ للدِّينِ وفي المرتبةِ اللّاحقةِ بحيثُ يصلحُ أنْ يكونَ كلٌّ مِنهما جزءاً يُتمِّمُ الآخرَ معَ تقدُّمِ ذاكَ الجانبِ لأولويتِهِ المذكورةِ، وعندئذٍ فلا يصحُّ عقلاً أنْ يُفرِّطَ الإنسانُ فيما هو الأهمُّ، والأسبقُ رتبةً، والّذي يتكفّلُ بمعالجةِ قضايا يعجَزُ عَن معالجتِها غيرُهُ لِيُقدِّمَ عليهِ ما هو زائلٌ، ومؤقّتٌ؛ لأنَّ الدُّنيا بحسبِ النظرةِ العامةِ تُمثّلُ المحطّةَ، وحقلَ التّجارِبِ، وساحةَ الإنتظارِ، والمُوصِّلَ إلى ما هو أرجحُ وأنفعُ، ومِنَ المؤكَّدِ المعلومِ لِكُلِّ أحدٍ أنَّ هذهِ ظروفٌ مؤقّتةٌ لا يُمكِنُ القياسُ عليها.

فإذا لم يقتنعْ أحدٌ بما تقدَّمَ، فقدَّمَ الدُّنيا لعدمِ فهمِهِ تَقَدُّمَ الدِّينِ، بلْ قدْ يعتبرُهُ عائقاً أو عاملاً مساعداً على تقليصِ الحالةِ الانشراحيّةِ في الدُّنيا بما يجعلُهُ شيئاً عَسِراً في مرحلةِ إنسيابيةِ الدُّنيا والتّعامُلِ فيها، فيكونُ جزاءُ هذا أنْ يواجِهَ حالاتٍ مِنَ المصاعبِ والمشاقِّ ما يجعلُهُ يندمُ على تمرُّدِهِ وعلى تقديمِ المصلحةِ الزَّائفةِ، إذ كانَ يمكنُهُ الجمعُ بينَهما بأنْ يُقدِّمَ ما قَدّمَهُ اللهُ تعالى ويهتمُّ بأمرِ الدِّينِ كشيءٍ لهُ أولويّتُهُ وأهميّتُهُ معَ تمتُّعِهِ بالدُّنيا وما تفتحُهُ مِن عالَمٍ فسيحٍ رحيبٍ لا يتنافى معَ خطِّ الدِّينِ ولا تكونُ بينَهُما أيّةُ مُعارضةٍ على الصُعُدِ كافةً؛ لأنَّ اللهَ تعالى حكيمٌ في أفعالِهِ، لمْ يخلُقِ الدُّنيا عَبثاً او لتكونَ مصدرَ تعبٍ ومُساءلةٍ للخلقِ، بلْ ليُظهروا طاعتَهُم ومكامِنَ الإبداعِ في نفوسِهم بما يلتقي معَ خطِّ التَّعاليمِ الشَّرعيةِ لِتَعمُرَ الأرضُ بالتّوحيدِ والإيمانِ، ولتظهَرَ للخلقِ مظاهِرُ عظمتِهِ تعالى وقُدرتِهِ، وعجزِ غيرِهِ عنِ الإحاطةِ بالأسرارِ الدَّقيقةِ الّتي جعلَها في المخلوقاتِ العجيبةِ الكائنةِ في الدُّنيا.

كما أنّهُ لمْ يجعلْ التَّعاليمَ –بما تحملُهُ مِنَ الأوامرِ والنَّواهِي على اختلافِ درجاتِ تركيزِها وشِدَّةِ أو ضَعفِ الإلزامِ بها– لتكونَ مصدرَ قلقٍ للإنسانِ في الدّنيا، بلْ لتكونَ مُرشِداً لهُ يُسايرُ مِن خلالهِا الحياةَ بأبعادِها كافةً المتجدِّدةِ يوماً فيوماً، ولتكونَ مصدرَ حمايةٍ لهُ لِئلّا يتعرّضَ للعَوادِي ولو النفسيّةِ الّتي يُعبَّرُ عنها بالنّفسِ الأمّارَةِ بالسُّوءِ، فتُسوِّلُ لهُ ارتكابَ محظورٍ او التّسلُّطَ على محظورٍ مما يجعلُهُ في دائرةِ المُحاسبةِ والمساءلةِ.

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 2013