في مسرحِ التاريخِ المُمتدِّ، حيثُ تتقاذفُ الأممُ أمواجُ المَجْدِ والاندثار، تبرزُ حقيقةٌ ثابتةٌ كالجبالِ الرواسي السَّلاحُ ليسَ قطعةَ حديدٍ فحسب، بل هوَ روحُ المقاومةِ، وعنوانُ السيادة، والضامنُ الأخيرُ لعهودِ الخصومِ وأيمانِهم. فما أنْ تُنزعَ الأسلحةُ من أيدي أصحابها، حتى تتحولَ المواثيقُ إلى حبرٍ على ورقٍ يبليهِ نفاقُ المنتصرِ، وتنهارُ الحضاراتُ تحتَ سنابكِ خيلِ الغزاة.
لقد شهدتْ ساحاتُ التاريخِ دروساً مأساويةً تكررَ أَلْمُها كأنها ندبةٌ لا تبرأ. وعند الرجوع بالذاكرة نقرأ في التأريخ الأندلسِي، بعد سقوطِ غرناطةَ عام 1492م، وَعَدَ الملوكُ الكاثوليكُ بحريةِ الدينِ والذمة، ولكنْ ما أنْ نزعَ المسلمونَ سلاحَهم، حتى انقلبَ السِّلمُ ذبحاً، والعهدُ اضطهاداً، والوجودُ الحضاريُّ دخاناً يتصاعدُ في سماءِ المحنة. لقد غدوا غرضاً سهلاً للتنصيرِ القسريِّ، ثم الطردِ النهائيِّ، فكانَ غيابُ السلاحِ هو البابُ العريضُ الذي دخلَ منه الزوال.
وفي بغدادَ الحضارةِ والعلم، عام 1258م، وثقَ الخليفةُ المستعصمُ بوعودِ هولاكو الزائفة، فسلّمَ سلاحَ الجيشِ وحلَّ التحصينات. فما كان من جحافلِ المغولِ إلا أنْ داستْ بعنفوانِها صرحَ الخلافةِ، وأهالتْ ترابَ الإبادةِ على رفاتِ مئاتِ الآلاف. لقد كانَ نزعُ السلاحِ هو المفتاحَ الذهبيَّ الذي سلَّمْنا بهِ مفاتيحَ العاصمةِ إلى وحشيةِ الغزو.
وحتى في القارةِ الأمريكية، لم تكنْ قصصُ الهنودِ الحمرِ إلا حلقةً أخرى من حلقاتِ الخداع. اتفاقاتُ سلامٍ مزيفةٌ تنزعُ منهم سلاحَ الصيدِ والدفاع، لتتحولَ إلى إشارةِ انطلاقٍ لسلبِ الأرضِ، وارتكابِ المذابحِ، وإبادةِ الهوية. لقد كانَ السلاحُ هو الحاجزَ الأخيرَ بينهم وبينَ محوِ وجودِهم من سجلِّ البشرية.
ولم تسلمْ أوروبا نفسُها من هذهِ الآليةِ الخبيثة. فبعدَ هزيمةِ فرنسا عام 1871، أجبرتْ على نزعِ سلاحِ مناطقَها الحدودية، فخلقتْ فراغاً أمنياً اغتنمتهُ بروسيا، لتبقى فرنسا ذليلةً حتى أفقِ الحربِ العالميةِ الأولى.
وفي عصرنا الحديث، تتجددُ المأساةُ بنفسِ السيناريو المُكرَّس. في العراقِ، بعد عام 2003، جاءَ قرارُ حلِّ الجيشِ ونزعِ سلاحِه كالقاصمةِ التي أفقدتْ الدولةَ عظمَها الظهريَّ. فانفتحَ البابُ على مصراعيهِ أمامَ الفراغِ الأمنيِّ، وتفككِ النسيجِ الوطني، وبروزِ التنينِ الإرهابيِّ، ليجدَ العراقُ نفسَهُ في مهبِّ الريحِ، مطعَماً للتدخلاتِ وميداناً للاقتتالِ.
وكذلك في ليبيا، بعد عام 2011، أدتْ الضغوطُ لنزعِ سلاحِ الجيشِ النظاميِّ . فكانتِ النتيجةُ دولةً بلا ظهير، وصراعاً أهلياً لا يُبقي ولا يذر.
من هذهِ الشواهدِ المتعاقبةِ، تبرزُ حكمةٌ لا تحتملُ النقاش: نزعُ السلاحِ من الطرفِ المغلوبِ هو إعلانٌ صريحٌ عن نهايةِ إرادتِه، وتمهيدٌ لاستباحةِ كرامتِه، وترسيمٌ لحدودِ عبوديتِه.
ولهذا، فإنَّ الدفاعَ عن الحشدِ الشعبيِّ في العراقِ والتمسكَ بسلاحِه، ليس ترفاً سياسياً أو نزوةً طائفية، بل هو مسألةُ حياةٍ أو موت. إنه استلهامٌ عميقٌ لدروسِ التاريخِ، وبناءٌ لدرعٍ واقٍ ضدَّ أيِّ خيانةٍ مقبلة. إنه السلاحُ الذي يحفظُ للعراقِ هيبتَهُ، ويكسرُ إرادةَ المُعتدِي، ويجعلُ من حدودِ الوطنِ خطاً أحمرَ لا يُجارى. إنه زينةُ الرجالِ الحقيقيين، وحرزُ الأرضِ والعرضِ، وضمانةُ أنْ تبقى كلمةُ العراقِ العزيزِ هي العليا.
فليكنْ سلاحُ المقاومةِ المشروعةِ شاهدَنا للأجيالِ بأننا أمةٌ لا تُغتَالُ إرادتُها، ولا تُستباحُ كرامتُها. فالأممُ التي لا تحتفظْ بقوةٍ تردعُ عنها الطامعين، تكونُ قد وقّعتْ على إعدامِها بيدِها، وأهدتْ تراثَها وأبناءَها قرابينَ لوهمِ الأمان.







وائل الوائلي
منذ 1 يوم
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN