لقد أسقط السيد محمد باقر الصدر قدس سره بنظريته الاستقرائية في الاحتمالات صرح الماركسية يوم كانت تتسيّد الساحة الفكرية وتبشّر بحتمية انتصارها. واليوم، ونحن في عالمٍ ما بعد الحرب الباردة، نجد أنّ البرهان نفسه لا يزال يمدّنا ببصيرته النافذة.
فالماركسية لم تسقط وحدها، بل سقطت معها كل النظريات التي تدّعي امتلاك مفاتيح التاريخ بيدٍ من حديد؛ من الرأسمالية المتوحشة التي بشّرت بنهاية التاريخ على يد "الليبرالية"، إلى النزعات التقنية التي تصوّر الذكاء الاصطناعي قدراً محتوماً لا مردّ له. إنّها جميعاً تعيد إنتاج الوهم نفسه ، وهم الحتمية.
وهنا يتجلّى فكر الصدر وكأنّه وُلد اليوم؛ إذ يصرخ بوجه العالم ، ليس ثمة حتميات تصنع مصير الإنسان بعيداً عن إرادته، بل هناك احتمالات مفتوحة تتفاعل مع الإيمان والعمل والاختيار. فالتاريخ لا يُدار بمعادلة اقتصادية جامدة، ولا بخوارزمية حسابية باردة، بل بمزيجٍ من سنن الله الثابتة وإرادة البشر الحرّة.
الماركسية التي ادّعت الحتمية انهارت، وتركت شعوبها في فراغ روحي وسياسي.
الرأسمالية التي تغنّت بنهاية التاريخ تترنّح تحت أزمات مالية وأخلاقية متلاحقة.
القوى العظمى التي توهّمت السيطرة على حركة العالم تجد نفسها اليوم أمام احتمالات مفتوحة لا تُدار بقوانينها وحدها، بل تتدخل فيها الشعوب، والثورات، والإيمان بقيم العدالة والحرية.
إنّ نظرية الاحتمالات عند الصدر تعطينا مفهوماً معاصراً: أنّ المستقبل ليس ملكاً لآلة ولا لطبقة ولا لشركة عابرة للقارات، بل هو أفق مفتوح تشكّله العقيدة والإرادة، وتكتبه الأجيال بعرقها ودمها وإيمانها.
وهكذا، كما أسقط الصدر أوهام الماركسية بالأمس، فإنّ منطقه اليوم يكشف زيف كلّ أيديولوجيا تزعم أنّها قدر محتوم؛ سواء كانت ليبرالية متوحّشة، أو نزعة تكنولوجية متغطرسة، أو سياسة عالمية متجبرة. وما أصدق قوله العملي: إنّ الإنسان إذا ارتبط بالله أصبح هو صانع التاريخ لا مصنوعه.
واليوم نرى المقاومة تتحدى الاحتلال، والأمة التي تصون هويتها أمام العولمة، والفقير الذي يرفع رأسه في وجه اقتصاد الاستكبار، كل هؤلاء يستمدون قوتهم من نفس الحقيقة التي طرحها الصدر: أنّ المستقبل ليس رهناً بمصانع الغرب ولا ببنوكهم ولا بترساناتهم، بل هو مفتوح على احتمالات يكتبها الإيمان والعمل والتضحية.
لقد أراد الاستكبار أن يقنع العالم أنّ الإسلام مشروع ماضٍ، وأنّ العولمة قدرٌ لا مفرّ منه، وأنّ الشعوب الصغيرة لا مكان لها في موازين القوى. لكن فكر الصدر يصفع هذا الوهم بقوله: إنّ الإنسان إذا ارتبط بالله أصبح هو صانع التاريخ لا مصنوعه. وهذا ما تجسّد في حركات المقاومة .







وائل الوائلي
منذ 1 يوم
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN