المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 11921 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الآية (69-76) من سورة يوسف  
  
84   05:19 مساءً   التاريخ: 8 / 7 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف الياء / سورة يوسف /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 12 / 7 / 2020 59
التاريخ: 8 / 7 / 2020 77
التاريخ: 28 / 6 / 2020 152
التاريخ: 6 / 7 / 2020 92

 

قال تعالى:{ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوجَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [يوسف: 69 - 76]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

 أخبر سبحانه عن دخولهم عليه فقال: { وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} أي: لما دخل أولاد يعقوب على يوسف ضم إليه أخاه من أبيه وأمه ابن يامين وأنزله معه عن الحسن وقتادة وقيل: أنهم لما دخلوا عليه قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به فقال: أحسنتم ثم أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وقال: ليجلس كل بني أم على مائدة فجلسوا فبقي ابن يامين قائما فردا فقال له يوسف: ما لك لا تجلس قال: إنك قلت ليجلس كل بني أم على مائدة وليس لي فيهم ابن أم فقال: يوسف أ فما كان لك ابن أم قال: بلى قال: يوسف فما فعل قال: زعم هؤلاء أن الذئب أكله قال: فلما بلغ من حزنك عليه قال: ولد لي أحد عشر ابنا كلهم اشتققت له اسما من اسمه فقال له يوسف: أراك قد عانقت النساء وشممت الولد من بعده قال ابن يامين: إن لي أبا صالحا وقد قال لي: تزوج لعل الله يخرج منك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فقال له: يوسف تعال فاجلس معي على مائدتي فقال إخوة يوسف: لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته روي ذلك عن الصادق (عليه السلام).

 { قال إني أنا أخوك } أي: أطلعه على أنه أخوه وقيل: أنه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك ولم يعترف له بالنسبة ولم يطلعه على أنه أخوه ولكنه أراد أن يطيب نفسه { فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: فلا تسكن ولا تحزن لشيء سلف من إخوتك إليك عن وهب والسدي { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي: فلما أعطاهم ما جاءوا لطلبه من الميرة وكال لهم الطعام الذي جاءوا لأجله وجعل لكل منهم حمل بعير ويسمى حمل التاجر جهازا { جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} معناه: أمر حتى جعل الصاع في متاع أخيه وإنما أضاف الله تعالى ذلك إليه لوقوعه بأمره وقيل: إن السقاية هي المشربة التي كان يشرب منها الملك ثم جعل صاعا في السنين الشداد القحاط يكال به الطعام وقيل: كان من ذهب عن ابن زيد وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقيل: كان من فضة وذهب عن ابن عباس والحسن وقيل: كان من فضة مرصعة بالجواهر عن عكرمة .

ثم ارتحلوا وانطلقوا { ثم أذن مؤذن } أي: نادى مناد مسمعا معلما { أيتها العير} أي: القافلة والتقدير يا أهل العير وقيل: كانت القافلة من الحمير عن مجاهد { إنكم لسارقون } قيل: إنما قال ذلك بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غير أمره ولم يعلم بما أمر به يوسف من جعل الصاع في رحالهم عن الجبائي وقيل: إن يوسف أمر المنادي بأن ينادي به ولم يرد به سرقة الصاع وإنما عنى به إنكم سرقتم يوسف عن أبيه وألقيتموه في الجب عن أبي مسلم وقيل: إن الكلام يجوز أن يكون خارجا مخرج الاستفهام كأنه قال: أإنكم لسارقون فأسقط همزة الاستفهام كما في قول الشاعر :

كذبتك عينك أم رأيت بواسط            غلس الظلام من الرباب خيالا (2).

ويؤيده ما روى هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ما سرقوا ولا كذب ومتى قيل كيف جاز ليوسف (عليه السلام) أن يحزن والده وإخوته بهذا الصنيع ويجعلهم متهمين بالسرقة؟ فالجواب: إن الغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى وروي أنه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به وإذا كان إدخال هذا الحزن سببا مؤديا إلى إزالة غموم كثيرة عن الجميع ولا شك أنه يتعلق به المصلحة فقد ثبت جوازه فأما التعريض للتهمة بالسرقة فغير صحيح لأن وجود السقاية في رحله يحتمل أمورا كثيرة غير السرقة فعلى هذا من حمله على السرقة مع علمه بأنهم أولاد الأنبياء توجهت اللائمة عليه { قالوا } أي: قال أصحاب العير { وأقبلوا عليهم } أي: على أصحاب يوسف { ما ذا تفقدون } أي: ما الذي فقدتموه من متاعكم { قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} أي: صاعه وسقايته { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أي: وقال المنادي من جاء بالصاع فله حمل بعير من الطعام { وأنا به زعيم } أي: كفيل ضامن { قالوا } أي: قال إخوة يوسف { تالله لقد علمتم } أيها القوم { مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} قط وإنما أضافوا العلم إليهم بذلك مع أنهم لم يعلموه لأن معنى هذا القول إنكم قد ظهر لكم من حسن سيرتنا ومعاملتنا معكم مرة بعد أخرى ما تعلمون به أنه ليس من شأننا السرقة وقيل: إنهم قالوا ذلك لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم مخافة أن يكون قد وضع ذلك بغير إذن يوسف أي: فإذا كنا تحرجنا عن هذا فقد علمتم أنا لا نسرق لأن من رد ما وجد لا يكون سارقا عن الكلبي وقيل: إنهم لما دخلوا مصر وجدوهم قد شدوا أفواه دوابهم كي لا تتناول الحرث والزرع وفي هذا دلالة على أن ما فعله إخوة يوسف به إنما كان في حال الصغر وعدم كمال العقل لنفيهم عن أنفسهم الفساد الذي هو ضد الصلاح.

 { قالوا فما جزاؤه } أي: قال الذين نادوهم: فما جزاء السرق { إن كنتم كاذبين } في قولكم إنا لم نسرق وظهرت السرقة وقيل: معناه فما جزاء من سرق { قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي: قال إخوة يوسف جزاء السرق السارق وهو الإنسان الذي وجد المسروق في رحله وقد بينا تقديره فيما قبل ومعناه :إن السنة في بني إسرائيل وعند الملك كان استرقاق السارق عن الحسن والسدي وابن إسحاق والجبائي وكان يسترق سنة وقيل: كان حكم السارق في آل يعقوب أن يستخدم ويسترق على قدر سرقته وفي دين الملك الضرب والضمان عن الضحاك وقيل: إن يوسف سألهم ما جزاء السارق عندكم فقالوا: أن يؤخذ بسرقته { كذلك نجزي الظالمين} أي: مثل ما ذكرنا من الجزاء نجزي السارقين يعني إذا سرق واسترق وقيل: إن ذلك جواب يوسف (عليه السلام) لقول إخوته إن جزاء السارق استرقاقه.

 { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} أي: بدأ يوسف في التفتيش بأوعيتهم لإزالة التهمة { ثم استخرجها } يعني السقاية { من وعاء أخيه } وإنما بدأ بأوعيتهم لأنه لوبدأ بوعاء أخيه لعلموا أنه هو الذي جعلها فيه وإنما قال: استخرجها لأنه أراد به السقاية وحيث قال: ولمن جاء به أراد به الصاع وقيل: إن الصاع يذكر ويؤنث قالوا: فأقبلوا على ابن يامين وقالوا له: فضحتنا وسودت وجوهنا متى أخذت هذا الصاع فقال: وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم { كذلك كدنا ليوسف } أي: مثل ذلك الكيد أمرنا يوسف ليكيد بما يتهيأ له أن يحبس أخاه ليكون ذلك سببا لوصول خبره إلى أبيه أي: ألهمنا يوسف هذا الكيد والحيلة فجازيناهم على كيدهم بيوسف أي: كما فعلوا في الابتداء فعلنا بهم وقيل: إن معنى كدنا صنعنا ليوسف عن ابن عباس وقيل: ألهمنا عن الربيع وقيل: دبرنا ليوسف بدلالة قوله { وفوق كل ذي علم عليم } على أنه سبحانه علم من صلاح هذا التدبير ما لم يعلمه غيره عن القتيبي { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي: ما كان يمكنه أن يأخذ أخاه في حكم الملك وقضائه وأن يحبسه إذ لم يكن ذلك من حكم ملك مصر وأهله عن قتادة وقيل: في دين الملك في سلطانه عن ابن عباس وقيل: في عادته في جزاء من سرق أن يستعبد وقيل: إنه كان عادلا ولولا هذه الحيلة لما كان يمكنه من أخذ أخيه إلا أن يشاء الله أن يجعل ليوسف عذرا فيما فعل وقيل: إلا أن يشاء الله أن يأمره بذلك لأنه كان لا يمكنه أن يقول هذا أخي وكان لا يمكنه حبسه من غير حيلة لأنه كان يكون فعله ظلما وكان من سنة آل يعقوب أن يسترق وفي حكم الملك وأهل مصر أن يضرب ويعزم وحبسه يوسف على قولهم والتزم حكمهم الذي جرى على لسانهم مبالغة في نفي السرقة عن أنفسهم وكان ذلك مراده وقد شاء الله لأنه بأمره عن الحسن وإنما سماه كيدا لأنه لولا هذا السبب لم يتهيأ له أخذه والكيد ما يفعله فاعله ليوصل به إلى غيره ضررا من حيث لا يعلمه أولينال منه شيئا من غير أن يعلمه .

{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} بالعلم والنبوة كما رفعنا درجة يوسف على إخوته وقيل: بالتقوى والتوفيق والعصمة والألطاف الجميلة { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} يعني: أن كل عالم فإن فوقه عالما أعلم منه حتى ينتهي إلى الله تعالى العالم بجميع المعلومات لذاته فيقف عليه ولا يتعداه وفي هذا دلالة على بطلان قول من يقول إن الله سبحانه عالم بعلم قديم لأنه لوكان كذلك لكان فوقه عليم على ما يقتضيه الظاهر .

__________________

1- تفسير مجمع البيان ، الطبرسي ،ج5،ص433-436.

2- قائله الاخطل . والواسط : بلد بالعراق. والغلس : ظلمة آخر الليل. والرباب كسحاب : اسم امرأة.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ ولَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ } . ذكر أهل التفاسير ، ومنهم الطبري والرازي والطبرسي وأبوحيان الأندلسي ، ذكروا في شرح هذه الآية تفصيلات لا دليل عليها من القرآن ، ولا هي من خصائص الواقعة التي لا تنفك عنها ، ولكنها تلائمها وتناسبها ، ومن أجل هذا نلخص أقوالهم بأن إخوة يوسف لما وصلوا إلى مصر دعاهم إلى طعامه ، وأجلسهم مثنى مثنى لغاية أرادها ، وهي ان يبقى أخوه بنيامين وحيدا ليجلسه معه على مائدته ، تماما كما آخى الرسول الأعظم ( صلى الله عليه واله وسلم ) بين أصحابه مثنى مثنى ، وأبقى عليا لنفسه ، وبعد الطعام أنزل يوسف كل اثنين من إخوته في حجرة ، وبات أخوه بنيامين معه في حجرته ، وعند ما اختلى به قال له : أتحب ان أكون أخاك ؟ . فأجابه : ومن يجد أخا مثلك ؟ . ولكن لم يلدك يعقوب ، ولا راحيل ، وراحيل هي أم يوسف وبنيامين ، فعانقه وقال : أجل ، لقد ولدني يعقوب وراحيل ، فأنا أخوك ، ولا تحزن بما كان من إخوتك معي ومعك . . ففرح بنيامين للمفاجأة السارة ، وحمد اللَّه .

{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ } . أراد يوسف أن يفصل بنيامين عن إخوته ، ويبقيه عنده ،

ولم يكن ذلك ممكنا إلا بمبرر ، وكان من شريعة آل يعقوب استرقاق السارق ، فدس غلمان يوسف بأمر منه المكيال في رحل أخيه بنيامين ، ثم نادى المنادي في أولاد يعقوب : يا أصحاب العير انكم سارقون ، فلا ترحلوا حتى ننظر في أمركم .

فدهش أولاد يعقوب لهذه المفاجأة العنيفة { قالُوا وأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ } .

قالوا هذا وهم على يقين من براءتهم . . وهذه هي المرة الأولى التي يسمعون فيها مثل هذه التهمة . { قالُوا » - أي غلمان يوسف - « نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ولِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } . وهذا الضامن هو الذي قال : أيتها العير انكم لسارقون على عهدة المفسرين ، وضمن بشرط ان يرجع السارق المكيال من تلقاء نفسه ، وهذه الآية تدخل في بابين من أبواب الفقه : الجعالة والضمان ، والجعالة هي الالتزام بمال معين لقاء عمل معين لأي عامل كان كقولك : من فعل كذا فله كيت . والضمان هوالتعهد بالوفاء كقول المنادي : وأبا به زعيم أي ضامن للوفاء بحمل البعير من القمح ، وفي الحديث : « الزعيم غارم » .

{ قالُوا » - أي أولاد يعقوب - « تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وما كُنَّا سارِقِينَ } . ناقشوا وجادلوا وأقاموا الدليل على براءتهم ونزاهتهم ، وقالوا فيما قالوا : كيف تتهموننا بالسرقة ، وقد علمتم من نسبنا وسيرتنا في السفرة الأولى والثانية أنّا لم نأت إلى هذا البلد للخيانة والفساد ، وانما لنشتري الطعام لأهلنا . .

وفي كثير من التفاسير ان أولاد يعقوب لما وجدوا بضاعتهم في رحلهم بعد عودتهم إلى أهلهم في السفرة الأولى ظنوا انها وضعت فيه سهوا ، فلم يستحلوها ، بل حملوها من بلدهم إلى مصر وارجعوها إلى العزيز ، واشتهر ذلك عنهم ، حتى عرفوا بالأمانة والصلاح . . وهذا الذي ذكره المفسرون غير بعيد ، بل إليه يومئ قول أولاد يعقوب : { تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ } .

وتسأل كيف استحل يوسف ان يدس المكيال في وعاء أخيه ، ويوجه التهمة لإخوته ، مع علمه ببراءتهم ؟ .

الجواب : أولا ان هذه واقعة خاصة ، ولها ظروفها ومبرراتها الخاصة ، فلا يجوز القياس عليها ، ولا النقض بها . . ثانيا : ان المقصود الأول بتهمة السرقة هوبنيامين أخويوسف لأمه وأبيه ، وقد جرى ذلك برضا منه ، والاتفاق معه لحكمة اقتضت ذلك ، وهي في نفس الوقت لا تخالف أصلا من أصول الشريعة ، كتحليل الحرام ، أوتحريم الحلال . . هذا ، إلى أن احتيال أولاد يعقوب على أبيهم لانتزاع ولده يوسف منه ، والغدر به ، وإلقاءه في الجب بقصد القتل في أبشع صورة ، ان هذا سرقة وزيادة .

سؤال ثان : كيف استباح يوسف أن يحول بين أخيه وأبيه ، ويزيده كربا على كربه ؟ .

الجواب : ان كل ما فعله يوسف كان لمصلحة أخيه وأبيه ، وهو على يقين بأن أباه يقره ، بل ويشكره عليه متى اطلع على الحقيقة . . وقد حدث ذلك بالفعل .

وبديهة ان الأمور تقاس بعواقبها لا بأسلوبها ، وفي سائر الأحوال فإن الأنبياء لا يتهمون في جانب الحق .

{ قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ } . ضمير قالوا يعود إلى غلمان يوسف ، وضمير جزاؤه إلى السارق ، والخطاب في كنتم لأولاد يعقوب ، والغرض من هذا السؤال انتزاع الاعتراف منهم بأن السارق يؤخذ عبدا أوأسيرا جزاء على فعله . . ليكون هذا الاعتراف حجة عليهم إذا أخذ يوسف أخاه ، وضمه إليه .

{ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوجَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } . فهوجزاؤه زيادة في الإيضاح ، تماما كما تقول : جزاء القاتل القتل فهوجزاؤه . . أجاب إخوة يوسف : من وجدتم الصاع في وعائه فخذوه أسيرا أوعبدا ، وهذا هوشرعنا في عقوبة السارقين ، ونحن على يقين من براءتنا ، وطهارة اعراقنا .

{ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ } . بدأ المفتش بأوعيتهم تغطية للحيلة ، حتى إذا انتهى إلى وعاء بنيامين استخرج المكيال منه ، وأشهره في وجوههم . وصعق أبناء يعقوب لهذه المفاجأة العنيفة . . ولكن أين هذه مما قاساه يوسف في ظلمات الجب وحيدا فريدا ؟ .

{ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ } . أي أوحينا إليه بهذا التدبير ليقول إخوته من تلقائهم : ان للعزيز ان يأخذ أخاهم أسيرا أوعبدا ، وسمى هذا كيدا لأن ظاهره غير واقعه ، وجاز شرعا لأنه لا يحلل حراما ، ولا يحرم حلالا . { ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ } المراد بالملك ملك مصر ، وبدينه شرعه وقضاؤه ، والمعنى لولا هذا

التدبير لتعذر على يوسف ان يضم أخاه إليه . ذلك بأن من شرع ملك مصر وقضائه ان لا يعاقب السارق بالأسر أوالاسترقاق ، بل بعقوبة أخرى كالسجن أوالضرب ويوسف لا يريد المكروه لأخيه ، فأوحى اللَّه إليه بهذا التدبير وهوالمقصود بقوله تعالى : { إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ } .

والخلاصة ان الحكمة اقتضت ان لا يقول يوسف : هذا أخي ، ولا ان يأخذه بغير مبرر ، ولوظاهرا ، وكان من شريعة آل يعقوب أن يسترق السارق ، ومن شريعة الملك وأهل مصر ان يسجن أويضرب ، فاتخذ يوسف هذا التدبير الذي أوحاه اللَّه إليه ليلزم إخوته بما ألزموا به أنفسهم . { نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ } بالعلم والنبوة ، كما رفعنا يوسف على إخوته . { وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } حتى ينتهي إلى العلي الأعلى . وفيه إيماء إلى أن إخوة يوسف كانوا علماء ، ولكن يوسف اعلم وأكمل .

____________________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية،ج4، صفحه 340-343.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الإيواء إليه ضمه وتقريبه منه في مجلسه ونحوه، والابتئاس اجتلاب البؤس والاغتمام والحزن، وضمير الجمع للإخوة.

ومعنى الآية:{ولما دخلوا على يوسف} بعد دخولهم مصر{آوى} وقرب{إليه أخاه} الذي أمرهم أن يأتوا به إليه وكان أخا له من أبيه وأمه{قال} له{إني أنا أخوك} أي يوسف الذي فقدته منذ سنين - والجملة خبر بعد خبر أوجواب سؤال مقدر{فلا تبتئس} ولا تغتم{بما كانوا} أي الإخوة{يعملون} من أنواع الأذى والمظالم التي حملهم عليها حسدهم لي ولك ونحن أخوان من أم أولا تبتئس بما كان غلماني يعملون فإنه كيد لحبسك عندي.

وظاهر السياق أنه عرفه نفسه بإسرار القول إليه وسلاه على ما عمله الإخوة وطيب نفسه فلا يعبأ بقول بعضهم إن معنى قوله: إني أنا أخوك: أنا أخوك مكان أخيك الهالك - وقد كان أخبره أنه كان له أخ من أمه هلك من قبل فبقي وحده لا أخ له من أمه - ولم يعترف يوسف له بالنسب ولكنه أراد أن يطيب نفسه.

وذلك أنه ينافيه ما في قوله:{إني أنا أخوك} من وجوه التأكيد وذلك إنما يناسب تعريفه نفسه بالنسب ليستيقن أنه هو يوسف.

على أنه ينافي أيضا ما سيأتي من قوله لإخوته عند تعريفهم نفسه:{أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا} فإنه إنما يناسب ما إذا علم أخوه أنه أخوه فاعتز بعزته كما لا يخفى.

قوله تعالى:{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} السقاية الظرف الذي يشرب فيه، والرحل ما يوضع على البعير للركوب، والعير القوم الذين معهم أحمال الميرة وذلك اسم للرجال والجمال الحاملة للميرة وإن كان قد يستعمل في كل واحد من دون الآخر، ذكر ذلك الراغب في مفرداته.

ومعنى الآية ظاهر وهذه حيلة احتالها يوسف (عليه السلام) ليأخذ بها أخاه إليه كما قصة وفصله الله تعالى وجعل ذلك مقدمة لتعريفهم نفسه في حال التحق به أخوه وهما منعمان بنعمة الله مكرمان بكرامته.

وقوله:{ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون} الخطاب لإخوة يوسف وفيهم أخوه لأمه، ومن الجائز توجيه الخطاب إلى الجماعة في أمر يعود إلى بعضهم إذا كان لا يمتاز عن الآخرين، وفي القرآن منه شيء كثير، وهذا الأمر الذي سمي سرقة وهو وجود السقاية في رحل البعير كان قائما بواحد منهم وهو أخو يوسف لأمه لكن عدم تعينه بعد من بينهم كان مجوزا لخطابهم جميعا بأنكم سارقون فإن معنى هذا الخطاب في مثل هذا المقام أن السقاية مفقودة وهي عند بعضكم ممن لا يتعين إلا بعد الفحص والتفتيش.

ومن المعلوم من السياق أن أخا يوسف لأمه كان عالما بهذا الكيد مستحضرا منه ولذلك لم يتكلم من أول الأمر إلى آخره ولا بكلمة ولا نفى عن نفسه السرقة ولا اضطرب كيف؟ وقد عرفه يوسف أنه أخاه وسلاه وطيب نفسه فليس إلا أن يوسف (عليه السلام) كان عرفه ما هو غرضه من هذا الصنع، وأنه إنما يريد بتسميته سارقا وإخراج السقاية من رحله أن يقبض عليه ويأخذه إليه فتسميته سارقا إنما كان اتهاما في نظر الإخوة وأما بالنسبة إليه وفي نظره فلم يكن تسمية جدية وتهمة حقيقة بل توصيفا صوريا فحسب لمصلحة لازمة جازمة.

فنسبه السرقة إليهم - بالنظر إلى هذه الجهات - لم تكن من الافتراء المذموم عقلا المحرم شرعا، على أن القائل هو المؤذن الذي أذن بذلك.

وذكر بعض المفسرين: أن القائل:{إنكم لسارقون}.

بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غيره أمره ولم يعلم أن يوسف أمر بجعل الصاع في رحالهم.

وقال بعضهم: إن يوسف (عليه السلام) أمر المنادي أن ينادي به ولم يرد به سرقة الصاع، وإنما عنى به أنكم سرقتم يوسف من أبيه وألقيتموه في الجب، ونسب ذلك إلى أبي مسلم المفسر.

وقال بعضهم: إن الجملة استفهامية، والتقدير: أإنكم لسارقون؟ بحذف همزة الاستفهام، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من البعد.

قوله تعالى:{ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ} الفقد - كما قيل - غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، والضمير في قوله:{قالوا} للإخوة وهم العير، وقوله:{ما ذا تفقدون} مقول القول والضمير في قوله:{عليهم} ليوسف وفتيانه كما يدل عليه السياق.

والمعنى قال إخوة يوسف المقبلين ليوسف وفتيانه: ما ذا تفقدون؟ وفي السياق دلالة على أن المنادي إنما ناداهم من ورائهم وقد أخذوا في السير.

قوله تعالى:{ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} الصواع بالضم السقاية وقيل: إن الصواع هو الصاع الذي يكال به، وكان صواع الملك إناء يشرب فيه ويكال به ولذلك سمي تارة سقاية وأخرى صواعا، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، ولذلك قال:{ولمن جاء به} وقال:{ثم استخرجها}.

والحمل ما يحمله الحامل من الأثقال، وقد ذكر الراغب أن الأثقال المحمولة في الظاهر كالشيء المحمول على الظهر تختص باسم الحمل بكسر الحاء، والأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة تختص باسم الحمل بفتح الحاء.

وقال في المجمع،: الزعيم والكفيل والضمين نظائر والزعيم أيضا القائم بأمر القوم وهو الرئيس.

ولعل القائل:{نفقد صواع الملك} هو فتيان يوسف والقائل:{ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} يوسف (عليه السلام) نفسه لأنه هو الرئيس الذي يقوم بأمر الإعطاء والمنع والضمانة والكفالة والحكم، ويعود معنى الكلام على هذا إلى نحومن قولنا: أجاب عنهم يوسف وفتيانه أما فتيانه فقالوا: نفقد صواع الملك، وأما يوسف فقال: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم، وهذه جعالة.

وظاهر بعض المفسرين: أن قوله:{ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} تتمة قول المؤذن:{أيتها العير إنكم لسارقون} وعلى هذا فقوله:{قالوا وأقبلوا عليهم - إلى قوله - صواع الملك} معترض.

قوله تعالى:{ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} المراد بالأرض أرض مصر وهي التي جاءوها ومعنى الآية ظاهر.

وفي قولهم:{لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} دلالة على أنهم فتشوا وحقق في أمرهم أول ما دخلوا مصر للميرة بأمر يوسف (عليه السلام) بدعوى الخوف من أن يكونوا جواسيس وعيونا أونازلين بها لأغراض فاسدة أخرى فسألوا عن شأنهم ومحلهم ونسبهم وأمثال ذلك، وبه يتأيد ما ورد في بعض الروايات أن يوسف أظهر لهم أنه في ريب من أمرهم فسألهم عن شأنهم ومكانهم وأهلهم وعند ذلك ذكروا أن لهم أبا شائخا وأخا من أبيهم فأمر بإتيانهم به، وسيأتي في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

وقولهم:{وما كنا سارقين} نفي أن يكونوا متصفين بهذه الصفة الرذيلة من قبل أويعهد منهم أهل البيت ذلك.

قوله تعالى:{ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} أي قال فتيان يوسف أو هو وفتيانه سائلين منهم عن الجزاء: ما جزاء السرق أوما جزاء الذي سرق منكم إن كنتم كاذبين في إنكاركم.

والكلام في قولهم:{إن كنتم كاذبين} في نسبة الكذب إليهم يقرب من الكلام في قولهم:{إنكم لسارقون} وقد تقدم.

قوله تعالى:{ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} مرادهم أن جزاء السرق نفس السارق أوجزاء السارق نفسه بمعنى أن من سرق مالا يصير عبدا لمن سرق ماله  وهكذا كان حكمه في سنة يعقوب (عليه السلام) كما يدل عليه قولهم:{كذلك نجزي الظالمين} أي هؤلاء الظالمين وهم السراق لكنهم عدلوا عنه إلى قولهم:{جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} للدلالة على أن السرقة إنما يجازى بها نفس السارق لا رفقته وصحبه وهم أحد عشر نسمة لا ينبغي أن يؤاخذ منهم لو تحققت السرقة إلا السارق بعينه من غير أن يتعدى إلى نفوس الآخرين ورحالهم ثم للمسروق منه أن يملك السارق نفسه يفعل به ما يشاء.

قوله تعالى:{ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} فيه تفريع على ما تقدم أي أخذ بالتفتيش والفحص بالبناء على ما ذكروه من الجزاء فبدأ بأوعيتهم وظروفهم قبل وعاء أخيه للتعمية عليهم حذرا من أن يتنبهوا ويتفطنوا أنه هو الذي وضعها في رحل أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه وعند ذلك استقر الجزاء عليه لكونها في رحله.

قوله تعالى:{ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} إلى آخر الآية.

الإشارة إلى ما جرى من الأمر في طريق أخذ يوسف (عليه السلام) أخاه لأمه من عصبة إخوته، وقد كان كيدا لأنه يوصل إلى ما يطلبه منهم من غير أن يعلموا ويتفطنوا به ولو علموا لما رضوا به ولا مكنوه منه، وهذا هو الكيد غير أنه كان بإلهام من الله سبحانه أووحي منه إليه علمه به طريق التوصل إلى أخذ أخيه.

ولذلك نسب الله سبحانه ذلك إلى نفسه مع توصيفه بالكيد فقال:{كذلك كدنا ليوسف}.

وليس كل كيد بمنفي عنه تعالى وإنما تتنزه ساحة قدسه عن الكيد الذي هو ظلم ونظيره المكر والإضلال والاستدراج وغيرها.

وقوله:{ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} بيان للسبب الداعي إلى الكيد، وهو أنه كان يريد أن يأخذ أخاه إليه، ولم يكن في دين الملك أي سنته الجارية في أرض مصر طريق يؤدي إلى أخذه، ولا أن السرقة حكمها استعباد السارق ولذلك كادهم يوسف - بأمر من الله - بجعل السقاية في رحله ثم إعلام أنهم سارقون حتى ينكروه فيسألهم عن جزائه إن كانوا كاذبين فيخبروا أن جزاء السرق عندهم أخذ السارق واستعباده فيأخذهم بما رضوا به لأنفسهم.

وعلى هذا فلم يكن له أن يأخذ أخاه في دين الملك إلا في حال يشاء الله ذلك وهو هذا الحال الذي رضوا فيه أن يجازوا بما رضوا به لأنفسهم.

ومن هنا يظهر أن الاستثناء يفيد أنه كان من دين الملك أن يؤخذ المجرم بما يرضاه لنفسه من الجزاء وهو أشق، وكان ذلك متداولا في كثير من السنن القومية وسياسات الملوك.

وقوله:{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} امتنان على يوسف (عليه السلام) بما رفعه الله على إخوته، وبيان لقوله:{كذلك كدنا ليوسف} وكان امتنانا عليه.

وفي قوله:{وفوق كل ذي علم عليم} بيان أن العلم من الأمور التي لا يقف على حد ينتهي إليه بل كل ذي علم يمكن أن يفرض من هو أعلم منه.

وينبغي أن يعلم أن ظاهر قوله:{ذي علم} هوالعلم الطارىء على العالم الزائد على ذاته لما في لفظة{ذي} من الدلالة على المصاحبة والمقارنة فالله سبحانه وعلمه الذي هو صفة ذاته عين ذاته، وهو تعالى علم غير محدود كما أن وجوده أحدي غير محدود، خارج بذاته عن إطلاق الكلام.

على أن الجملة{وفوق كل ذي علم عليم} إنما تصدق فيما أمكن هناك فرض{فوق} والله سبحانه لا فوق له ولا تحت له ولا وراء لوجوده ولا حد لذاته ولا نهاية.

ولا يبعد أن يكون قوله:{وفوق كل ذي علم عليم} إشارة إلى كونه تعالى فوق كل ذي علم بأن يكون المراد بعليم هو الله سبحانه أورد في هيئة النكرة صونا للسان عن تعريفه للتعظيم.

_______________________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج11،ص183-188.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

 يوسف يخطّط للإحتفاظ بأخيه:

وأخيراً دخل الاُخوة على يوسف وأعلموه بأنّهم قد نفّذوا طلبته واصطحبوا معهم أخاهم الصغير برغم إمتناع الأب في البداية، ولكنّهم أصرّوا عليه وإنتزعوا منه الموافقة لكي يثبتوا لك إنّهم قد وفوا بالعهد، أمّا يوسف فإنّه قد إستقبلهم بحفاوة وكرم بالغين ودعاهم لتناول الطعام على مائدته، فأمر أن يجلس كلّ إثنين منهم على طبق من الطعام، ففعلوا وجلس كلّ واحد منهم بجنب أخيه على الطعام، وبقي بنيامين وحيداً فتألّم من وحدته وبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيّاً لعطف عليّ ولأجلسني إلى جنبه على المائدة لأنّنا إخوة من أب واحد واُمّ واحدة، قال يوسف مخاطباً إيّاهم: إنّ أخاكم بقي وحيداً وإنّني سأجلسه بجنبي على المائدة ونأكل سويّة من الطعام، ثمّ بعد ذلك أمر يوسف بأن تهيّأ لهم الغرف ليستريحوا فيها ويناموا، ومرّة أُخرى بقي بنيامين وحيداً، فاستدعاه يوسف إلى غرفته وبسط له الفراش إلى جنبه، لكنّه لاحظ في تقاسيم وجهه الحزن والألم وسمعه يذكر أخاه المفقود (يوسف) متأوّهاً، عند ذاك نفذ صبر يوسف وكشف عن حقيقة نفسه، والقرآن الكريم يصف هذه الوقائع بقوله: { وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

قوله تعالى {لا تبتئس} مأخوذ من مادّة {البؤس} وهو أصل بمعنى الضرر والشدّة، لكن في الآية الشريفة إستعملت بمعنى: لا تسلط الغمّ على نفسك ولا تكن حزيناً من معاملتهم لك، والمراد بقوله «يعملون» هو معاملة الاُخوة السيّئة لأخيهم بنيامين حيث خطّطوا لإبعاده وطرده من بينهم كما فعلوا بيوسف ـ فقال يوسف لأخيه: لا تحزن فإنّ المحاولات التي قاموا بها لإلحاق الضرر بي قد إنقلبت إلى خير وسعادة ورفعة لي، إذاً لا تحزن وكن على يقين بأنّ محاولاتهم سوف تذهب أدراج الرياح.

وتقول بعض الرّوايات : إنّه عند ذاك إقترح يوسف على أخيه بنيامين وقال له: هل تودّ أن تبقى عندي ولا تعود معهم؟

قال بنيامين: نعم، ولكن إخوتي لا يوافقون على ذلك، لأنّهم قد أعطوا أبي العهود والمواثيق المغلّظة بأن يرجعوني إليه سالماً.

قال يوسف: لا تهتمّ بهذا الأمر فإنّي سوف أضع خطّة محكمة بحيث يضطرّون لتركك عندي والرجوع دونك.

وبدأ يوسف بتنفيذ الخطّة، وأمر بأن يعطي لكلّ واحد منهم حصّة من الطعام والحبوب ثمّ عند ذاك { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ}.

لا شكّ في أنّ يوسف قام بهذا العمل بسرية تامّة، ولعلّه لم يطّلع على هذه الخطّة سوى موظّف واحد وعند ذاك إفتقد العاملون على تزويد الناس بالمؤونة الكيل الملكي الخاص، وبحث عنه الموظّفون والعمّال كثيراً لكن دون جدوى وحينئذ { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}.

وحينما سمع إخوة يوسف هذا النداء إرتعدت فرائصهم وإستولى عليهم الخوف، حيث لم يخطر ببالهم أن يتّهموا بالسرقة بعد الحفاوة التي قوبلوا بها من جانب يوسف، فتوجّهوا إلى الموظفين والعمال وقالوا لهم: ماذا فقدتم؟ { قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ}.

قالوا: قد فقدنا صواع الملك ونظنّ إنّه عندكم {قالوا نفقد صواع الملك} وبما أنّ الصواع ثمين ومورد علاقة الملك فانّ لمن يعثر عليه جائزة، وهي حمل بعير من الطعام {ولمن جاء به حمل بعير}، ثمّ أضاف المؤذّن والمسؤول عن البحث عن الصواع المفقود: إنّني شخصيّاً أضمن هذه الجائزة {وأنا به زعيم}.

فاشتدّ إضطراب الاُخوة لسماعهم هذه الأُمور وزادت مخاوفهم، وتوجّهوا إلى الموظّف مخاطبين إيّاه { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}.

قولهم {لقد علمتم ما جئنا ... إلى آخره} لعلّه إشارة إلى ما قصده الاُخوة في خطابهم للموظفين من إنّكم قد وقفتم على حسن نيّتنا في المرّة السابقة حيث جئناكم وقد وضعتم الأموال التي دفعناها إليكم ثمناً للطعام في رحالنا، لكنّنا رجعنا إليكم مرّة ثانية، فلا يعقل إنّنا وقد قطعنا المسافات البعيدة للوصول إلى بلدكم نقوم بعمل قبيح ونسرق الصواع؟

إضافةً إلى هذا فقد ورد في بعض المصادر أنّ الاُخوة حينما دخلوا أرض مصر ألجموا جمالهم ليمنعوها من التطاول والتعدّي على المزارع وأموال الناس، فمثلنا الحريص على أموال الناس كيف يعقل أن يقوم بهذا العمل القبيح؟

إلاّ أنّ الموظفين توجّهوا إليهم و { قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ}.

أجاب الاُخوة: إنّه عقاب من وجد الصواع في رحله هو أن يؤخذ الشخص نفسه بدل الصواع { قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} وإنّ هذا العقاب هو جزاء السارق {كذلك نجزي الظالمين}.

وحينئذ أمر يوسف الموظفين والعمال بأنّ تنزل رحالهم من على ظهور الجمال ويفتح متاعهم وأن يبحثوا فيها واحداً بعد واحد ودون إستثناء، وتجنّباً عن إنكشاف الخطّة أمر يوسف بأن يبدأوا البحث والتفتيش في أمتعة الاُخوة أوّلا قبل أمتعة أخيه بنيامين، لكنّهم وجدوه أخيراً في أمتعة بنيامين { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ}.

بعد أن عثر على الصاع في متاع بنيامين، إستولى الإرتباك والدهشة على الاُخوة، وصعقتهم هذه الواقعة ورأوا أنفسهم في حيرة غريبة، فمن جهة قام أخوهم بعمل قبيح وسرق صواع الملك، وهذا يعود عليهم بالخزي والعار، ومن جهة أُخرى انّ هذا العمل سوف يفقدهم إعتبارهم ونفوذهم عند الملك خصوصاً مع حاجتهم الشديدة إلى الطعام، وإضافةً إلى كلّ هذا، كيف يجيبون على إستفسارات أبيهم؟ وكيف يقنعونه بذنب إبنه وعدم تقصيرهم في ذلك؟

قال بعض المفسّرين: إنّه بعد أن عثر على الصاع توجّه الاُخوة إلى بنيامين وعاتبوه عتاباً شديداً، فقالوا له: ألا تخجل من فعلك القبيح قد فضحتنا وفضحت أباك يعقوب، وآل يعقوب .. قل لنا كيف سرقت الصاع ووضعته في رحلك؟

أجابهم بنيامين ببرود، حيث كان عالماً بالقضيّة وأسرارها: إنّ الذي قام بهذا العمل ووضع الصواع في رحلي، هو نفسه الذي وضع الأموال في متاعكم في المرّة السابقة، لكن الاُخوة لم ينتبهوا ـ لهول الواقعة عليهم ـ لمغزى كلام بنيامين(2).

ثمّ يستمرّ القرآن الكريم ويبيّن كيف إستطاع يوسف أن يأخذ أخاه بالخطّة التي رسمها الله له دون أن يثير في اُخوته أي نوع من المقاومة والرفض {كذلك كدنا ليوسف}.

والأمر المهمّ في هذه القضيّة هو أنّه لو أراد يوسف أن يعاقب أخاه بنيامين، وطبقاً للقانون المصري ـ لكان عليه أن يضرب أخاه ويودعه السجن لكن مثل هذه المعاملة كانت تخالف رغبات وأهداف يوسف للإحتفاظ بأخيه، ومن هنا وقبل القبض على بنيامين، سأل إخوته عن عقوبة السارق عندهم، فاعترفوا عنده بأنّ السنة المتّبعة عندهم في معاقبة السارق أن يعمل السارق عند المعتدى عليه كالعبد.

لا ريب إنّ للعقوبة والجزاء طرقاً عديدة منها أن يعاقب المعتدي على طبق ما يعاقب به في قومه، وهكذا عامل يوسف أخاه بنيامين، وتوضيحاً لهذه الحالة وأنّ يوسف لم يكن بإمكانه أخذ أخيه طبقاً للدستور المصري يقول القرآن الكريم: { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} لكن الله سبحانه وتعالى يستثني بقوله: {إلاّ أن يشاء الله} وهو إشارة إلى أنّ ما فعله يوسف بأخيه لم يكن إلاّ بأمر منه سبحانه وتعالى وطبقاً لإرادته في الإحتفاظ ببنيامين، وإستمراراً لإمتحان يعقوب وأولاده.

وأخيراً يضيف القرآن الكريم ويقول: إنّ الله سبحانه يرفع درجات من إستطاع أن يفوز في الإمتحان ويخرج مرفوع الرأس كما حدث ليوسف { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} ولكن في كلّ الأحوال فانّ الله تعالى عليم يهدي الإنسان إلى سواء السبيل وهو الذي أوقع هذه الخطّة في قلب يوسف وألهمه إيّاها { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.

__________________

1- تفسير الامثل ،مكارم الشيرازي،ج6،ص332-336.

2- تفسير مجمع البيان،ج5،ص253.

 




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



محافظُ المثنّى: إنجازُ العتبة العبّاسية المقدّسة بنايةَ علاج المصابين بكورونا بعثَ رسالة اطمئنانٍ لأهالي المحافظة
شعبةُ الإغاثة والدّعم من إسناد مقاتلي فتوى الدّفاع المقدّسة الى التّكافل الاجتماعيّ
بمناسبة عيد الغدير مدارسُ الكفيل النسويّة تُطلق مسابقةً خاصّة بالنساء فقط
بمناسبة عيد الغدير: الوحدةُ القرآنيّة تطلقُ مسابقة (منار الدين) الخاصّة بالنساء