المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية


Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



الكناية  
  
20538   05:12 مساءاً   التاريخ: 26 / آذار / 2015 م
المؤلف : عبد الرحمن الميداني
الكتاب أو المصدر : البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها
الجزء والصفحة : ص567
القسم : الأدب الــعربــي / البلاغة / البيان /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 26 / آذار / 2015 م 3669
التاريخ: 10 / 1 / 2019 26106
التاريخ: 26 / آذار / 2015 م 3615
التاريخ: 26 / آذار / 2015 م 1287

التعريف اصطلاحاً:

الكناية: هي اللفظ المستعمل فيما وُضِع له في اصطلاح التخاطب للدّلالة به على معنى آخر لازم له، أو مصاحبٍ له، أو يُشارُ به عادةً إليه، لما بينهما من الملابسة بوجهٍ من الوجوه.

وتُطْلَقُ أيضاً على استعمال اللّفظ من قِبَلِ المتكلّم فيما ذُكر في التعريف.

المعْنى اللّغوي:

أمّا الكناية في اللّغة: فهي أن تتكلّم بشيءٍ وتُرِيد غيره. يُقالُ لُغةً: كَنَى عَن الأمْر بغيره يَكْنِي كِنَايةً، أي: تكلّم بغيره ممّا يُسْتَدَلُّ به عليه.

ويُقَالُ: تَكنَّى إذَا تَسَتَّرَ، مِنْ كَنَى عَنْهُ إذا وَرَّى.

فأصل الكناية تَرْكُ التصريح بالشيء، وسَتْرُهُ بحجابٍ ما، معَ إرادةِ التعريف به بصورة فيها إخفاءٌ ما بحجابٍ غير ساترٍ سِتْراً كاملاً.

وبهذا نلاحظ أنّ المعنى الاصطلاحيّ للكناية قريبٌ من المعنى اللُّغويّ لها.

فرق ما بين الكناية والمجاز:

إنَّ إرادة المعنى الأصليِّ للّفْظ مع إرادة المعنى الآخَر الذي يُكَنَّى باللفظ عنه جائزةٌ ولكِنَّهَا غير لازمة دائماً، فقَدْ يُرَادانِ معاً، وقَدْ تُهْمَلُ إرادةُ المعنَى الأصلي ويرادُ المعنَى الآخر فقط، فقد يُقالُ: فُلاَنٌ كثيرُ الرَّمَادِ، أي: مضيافٌ جواد، مع أنَّه لا يَطْبُخُ الطعامَ لضُيُوفِه الكثرين بنار الحطب الّذي يُخَلّف رماداً، إنّما يطبُخ لهم بالأفران الكهربائية أو الغازيّة.

وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والمجاز، فالمجاز لا يصحّ معه إرادة المعنى الحقيقيّ للفظ، بل يتعيّن فيه إرادة المعنى المجازيّ فقط، مثل: خطب الأسَدُ المغوار خُطْبةً عظيمة في الجيش ألهب بها المشاعر، واستثار الحماسة. فلفظ "الأسد" هنا مجاز عن الرجل الشجاع، ولا يصحّ أن يُرادَ به معناه الحقيقي، وهو الحيوان المفترسُ المعروف.

وتدخل الكناية في عموم التعبير عن المراد بأسلوب غير مباشر، فهي ممّا يتوارى، أو يختفي بساتر، ويَدُلُّ على المقصود بلازم له، أو مقارن له، أو بطرفٍ من أطرافه، أو نحو ذلك.

أقسام الكناية:

قسّم البيانيُّون الكناية إلى كناية عن صفة، وكناية عن موصوف، وكنَاية عن نسبة حكميّة بين الْمُسْنَد والمسند إليه (= المحكوم به والمحكوم عليه) وهذه الأقسام أقسامٌ تحليليّة غير ذات جدوى - عَلَى ما أرَى - في تربية ذوق بيانيّ أدبيّ، وقد رأيت الإِعراض عن شرح هذه الأقسام وتحليل الأمثلة على وفقها، والاكتفاء بذكر مثال لكلٍّ منها، والاهتمام ببيان ما هو ذو فائدة بيانيّةٍ أدبيّة.

* فعبارة: "طويل النجاد" كناية عن صفة هي طول قامته.

* وعبارة: "جاء قابض يده" كناية عن موصوف، أي: جاء البخيل.

* وعبارة: "إنّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ أَنْ تَزُولاَ" كناية عن نسبة إمداده لها بالبقاء في الوجود، كالكهرباء لبقاء النور في المصباح الكهربائي إذا انقطع إمداده انعدم النور منه، وللّه المثل الأعلى.

وإذْ أعرضْتُ عن شرح هذه الأقسام وتحليل كلّ الأمثلة على وفقها فقد رأيت تقسيم الكناية إلى قريبة وبعيدة:

أمّا الكناية القريبة: فهي الكناية التي قلّت لوازمها الذهنيّة، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بيْنَ المكَنَّى بِه والمكَنَّى عَنْه أمراً لا تتدخل فيه وسائِطُ ذوات عَدد، وهذه الكناية تكون في العادة وفي معظم الأمثلة واضحة ظاهرة، يَسْهُل على معظم الناس إداركُ المقصود منها.

كأن نقول: فلانٌ ثَوْبُه طويل، وقلنسوتُه كبيرة، وحذاؤهُ يتّسع لقدمَيْن، أي: هو طويل القامة، عظيم الرأس، كبير القدم.

وقد تكونُ مع قُرْبها خفيّة إذا كان اللّزومُ فيها أو كانت العلاقة أو الملابسة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه أمراً خفيّاً.

كأن نقول: فلانٌ عَيْنُه فارغةٌ، كنايةً عن كونه يحبُّ أنْ يشاهد كلّ شيء، ويَنْظُر إلى كلّ شَيْءٍ، فهذه الكناية يُتَوصَّل إلى المراد بها عن طريق لازم واحدٍ، فهي قريبة، إذْ يلزم من فراغ العين التي هي أداة النظر رغبة صاحبها بِمَلْئِهَا، وملْءُ العين إنّما يكون بالنظر إلى الأشياء التي تَسْتَحسنها.

لكنّ استعمال فراغ العين للكناية عن هذا المعنى غير متداول، فهي مع قربها في هذا المثال كناية خفيّة.

وأما الكناية البعيدة: فهي الكناية الّتي كثرت لوازمها الذهنية، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بَيْن المكنَّى به والمكنَّى عنه تتدخلُ فيه وسائط متعدّدة.

وهذه الكناية تكُونٌ في العادة وفي كثير من الأمثلة خفيَّةً تحتاج إلى تأمُّلٍ وتفكير، لكثرة لوازمها الذهنيّة، أو لكثرة الوسائط الذهنيّة التي تُوصِل المكنَّى به إلى المكنَّى عنه، ممّا يجعل الانتقال إلى ما هو المقصود بالدلالة ممّا يختصُّ الأذكياءُ بسرعة إدْراكه، أمّا غَيْرُهُمْ فيُجْهدونَ أذهانهم للوصول إلى إدْراكه وفهمه.

كأن نقول: في يومِ كذا من أيّام الحرب فرح أهل المزارع الواقعة في أسفل المدينة، بما تدفق عليهم من سمادٍ بشري، كنايةً عن أنَّ أهل المدينة أصابهم رعْبٌ شديدٌ في ذلك اليوم، ألجأهم إلى استطلاق بطونهم، وقذف ما فيها داخل المراحيض التي صبّت على المجاري، وتدافعت حتّى وصلت إلى المزارع.

هذه كناية ذات لوازم بعيدة، وهي خفيّةٌ، لأنَّها غير متداولة، ويَحتاجُ إدارك المقصود بها إلى تأمّل.

وقد تكون مع كثرة لوازمها أو كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه واضحة غير خفيّة، لتداولها، أو لوضوح الوسائط.

فإذا ذكر المادح العربيّ ممدوحه عن عرب البادية سكان الخيام بين قبائل عَرَب البادية، بأنّه كثير الرّماد، أدرك الجميع بسرعةٍ ودون خفاء أنّه جواد كريم مضياف، مع أنّ اللّوازم الذهنيّة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه كثيرة.

إنّ كثرة الرّماد تستلزم كثرة إيقاد النيران، وكثرة إيقاد النيران تدلُّ على كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ تدلُّ على كثرة الآكلين، وكثرة الآكلين عند رجلٍ من سكان البادية تدلُّ على احتفائه بالضيوف، وهذا يدلُّ على جوده وكرمه.

والسبب في عدم خفاء هذه الكناية مع كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، تداوُلُها في بيئة عرب البادية، فهم لا يرونها خفيّة.

* ويستعمل الناسُ فراغ العين كناية عن الحسَد، ومعلومٌ أنّ الحسَد لازم أبْعَدُ من حُبّ مشاهدة الأشياء، فَمَنْ رأى شيئاً حسناً رُبَّما استحسنه، ومن استحسن ربّما تَمنَّى لنفسه، ومن تمنّى ربَّما حَسَد.

فاللّوازم الذهنية الموصلة إلى الحسد متعدّدة، لكنَّ تداول استعمال فراغ العين كناية عن الحسد جعل المقصود بها أمراً غير خفيّ.

* ويستعمل الناس كِبَر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس بأكل أموالهم بالباطل، والأصل في هذه الكناية أنّ الشّرِهين في الطعام الّذين يأكلون كثيراً تكبُر بطونهم، والشَّرَهُ في الطعام كثيراً ما يصاحبُهُ شَرَهٌ مشابه في جمع المال وكنزه، وهذا يدفع في كثير من الأحوال إلى كسب المال بالظلم والعدوان.

فالتعبير بكبر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس من الكنايات ذوات اللّوازم الكثيرة، التي يكثر فيها خفاء المراد.

لكنّ تداول استعمال الناس لها جعلها غير خفيّة.

* ومن الكناياتِ التعبير بالصفة للدلالة بها على الموصوف، مثل: "والذي في السماء عرشه - والذي نفس محمّد بيده - اقْطعُوا ما ثبتت عليه رؤوسهم، أي: أعناقهم - طاهر ما تحت الإزار، أي: طاهر الفرج - ذات سوار، أي: امرأة - هو على السّرير الأبيض، أي: في المستشفى مريض" إلى غير ذلك.

* ومن الكنايات التعبير ببعض مصاحبات الشيء للدلالة بها عليه، مثل الكناية عن الجماع بالملامسة، أو المباشرة، أو الإِفضاء، أو الدّخول، أو الغشيان، أو نحو ذلك.

* ومن الكنايات التعبير ببعض الأسباب للدّلالة بها على الأشياء التي تَحْصل بها، مثل الحديث عن مُسَجِّى على سَرِير: "قُطِعَ رأسُه، أي: هو ميّت - شرب عشرين كأساً من الخمر، أي: هو مطروح سكران على شفا الموت".

* ومن الكنايات التعبير بالمكان للدلالة على ما يحلُّ فيه أو يحدث فيه أو يستعمل له، مثل كلمة "الغائظ" للدلالة بها على قضاء حاجة الإِنسان الطبيعية، وهي في الأصل اسم للمكان المنخفض، ومن استعمالها كناية بهذا المعنى قول الله تعالى: {أوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِط}.

* ومن الكنايات التعبير بالنتائج للدلالة بها على أسبابها، مثل: "حُكِمَ عَلَى الرجل والمرأة بالرّجم، أي: هما زانيان محصنان - جَلَسَ الرَّجُلُ وراء مكتب الرئاسة، أي: انتخب رئيساً للبلاد - أُودِعَ السّجن، أي: تمكّن الجنود من القبض عليه وسوقه إلى السجن - تصارع مع القروش في البحر فلم نجد له أثراً، أي: أكلته القروش - حامل لواء الشعراء إلى النار، أي: مات كافراً - هذا من أهل الجنة، أي: هو مؤمن تقيّ وسَيَمُوتُ مؤمناً تقيّاً".

* وقد تُصْنَعُ كنايات مَبْنِيَّة على مفاهيم غير صحيحة، فتبقى الدلالة بها على المكنَّى عنه، دون النظر إلى صحَّةِ معنى اللفظ المكنَّى به، مثل الكناية عن الغبيّ بعبارة "عريض القفا - أو عريض الوساد" فهذه الكناية مَبْنِيَّة على تصوّر أن من كان عريض القفا كان في العادة غبيّاً، ومن كان عريض القفا احتاج عند النوم إلى وسادة عريضة.

اقتراح للسّكاكي حول تقسيم الكناية:

رأى السّكّاكي على سبيل الاقتراح جعل التعريض قسماً من الكناية، ورأى أن تقسّم الكناية مع ذلك إلى تلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة.

فالتعريض: أن يساق الكلام ليَدُلَّ على شيءٍ غير مذكور، ويُعْرَفُ من قرائن الحال.

والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بيْنَ المكنَّى به والمكنَّى عنه.

قال: ومن المناسب أن تسمَّى هذه الكناية تلويحاً لأنّ التلويح في اللغة: أن تشير إلى غير عن بُعْد.

ومن التلويح الكناية عن كون الرجل جواداً مضيافاً بأنّه كثير الرّماد.

والرّمْز: كناية قلّت فيها أو انعدمت الوسائط بين المكنّى به والمكنّى عنه، إلاَّ أنَّ فيها نوعَ خفاء، مثل الكناية عن الغباء والبلادة بعبارة "عريض القفا" أو عبارة "عريض الوساد".

ويناسب أن تُسَمَّى رمْزاً لأنّ الرمز أن تشير إلى قريب منك على سبيل الْخُفْيَة.

والإِيماء أو الإِشارة: كناية ليس بين المكنَّى به والمكنَّى عنه وسائط كثيرة ولا خفاء، كقول أبي تمّام يصف إبلاً:

*أَبْيَنَ فَمَا يَزُرْنَ سِوَى كَرِيم * وَحَسْبُكَ أن يَزُرْنَ أبا سعيد*

فكنَّى بزيارة الإِبل الّتي وصَفَها أبا سعيد عن أنه كريم بعد أن أثبت أن هذه الإِبل أبت أن تزور غير كريم، وقد أطلق الإِبل وأراد صاحبها على سبيل المجاز المرسل.

هذه كناية واضحة ليس فيها خفاء فهي حريَّة بأن تُسَمَّى إيماءً أو إشارة.

أقول: من الصعب على دارس النصوص أن يُخْضِعها لهذا التحليل الذي ذكره السَّكّاكي، ويفرزها ويسمّيها بالأسماء التي اقترحها، على أنه لم يضع اسما للخفيّة ذات الوسائط الكثيرة.

قيمة الكناية في الأدب:

الكناية أسلوبٌ ذكيٌّ من أساليب التعبير عن المراد غير مباشرة، وهي من أبدع وأجمل فنون الأدب، ولا يستطيع تصيُّد الجميل النادر منها، ووضعه في الموضع الملائم لمقتضى الحال إلاَّ أذكياء البلغاء وفطناؤهم، وممارسو التعبير عمّا يريدون التعبير عنه بطُرُقٍ جميلة بديعة غير مباشرة، إنّ الذكِيّ اللَّمَّاح إذا أراد أن يتحدّث عن شيءٍ ما، صفةً كانَ، أو موصوفاً، أو نسبةً حكميّة، جالَ ذهْنُهُ لِيَدُلَّ على ما يُريد التعبير عنه بطريقة غير مباشرة، وطافَ في محيط ذلك الشيء لينتقي ممّا يلاحظ ما يُدلُّ به عليه، فَيُبْعِدُ حيناً، ويَقْرُبُ حيناً، ويتوسطُ حيناً، آخر، ويستَبْعِدُ ما لا يَراه حسناً جميلاً، ومَا لاَ يرى دلالته مناسبةً لمقتضى الحال.

إنَّهُ يُرِيدُ مثلاً أنْ يتحدّث عن السّاحرات، فيرى من خصائصهنَّ أنَّهُنَّ يَعْقِدْنَ في الخيوط، وتتحرَّك ألْسِنَتُهُنَّ بهَمْهَماتٍ وَغَمْغَمات، ويَنْفُثْنَ فِي الْعُقَد، فيَدُلُّ عليهنَّ بعبارة: "النَّفَّاثات في الْعُقَد" على سبيل الكناية التي تدلُّ على المعنى المراد بطريقٍ غير مباشر.

ويريد مثلاً أن يتحدّث عن البخيل، ولكنْ لا يستَحْسِنْ استعمال لفظة "البخيل" في كلامه، لأنّ دلالتها دلالَةٌ مباشرة، وليس فيها إبداعٌ فكريّ، فيلاحظ أنّ من سِمَات البخيل قبض يَدَيْه عن العطاء، فيكنّى عن الْبُخْل بعبارة "قبض اليدين، أو قبض اليد" ويكنّي عن البخيل بعبارة "قابض اليدين، أو قابض اليد" وعبارة "قبض الْيَد" أدقّ، لأنّ العطاء يكون بيد واحدة في الناس.

ويريد أن يتحدّث عن شديد الْبُخْل الّذي لا يستطيع أن يمدّ يَدَهُ بعطاء، فيكنّي بعبارة: "مَغْلُول الْيَدِ إلى العُنق" لأنّ من كانت يده مغلولة إلى عنقه كان غير قادر على أن يبسطها لو أراد بسطها ويعطي بها أو يأْخُذ، وكذلك الشحيح الذي يكون بُخْلُهُ شدِيداً، تكون حالة يدِهِ الّتي يعطي بها عادة مع شُحّ نفسه، كحالة مَنْ غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِه.

هذا التعبير اشتمل على مَزْج الكناية بتشبيه ضِمْنِيّ، وتقديم ذلك بعبارة جميلة بديعة تدلُّ على المقصود بطريقة غير مباشرة.

وفي مقابل هذه الكناية تأتي بسط اليّد للدّلاَلة بها على الجود. وتأتي كناية الإِفراط في البسط للدّلالة بها على الإِسراف.

هنا نُدْرك الإِبداع والجمال في التعبير القرآني الذي قال الله عزَّ وجلَّ فيه بسورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول):

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً}.

ونظيره ما جاء في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول):

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ...} [الآية:64].

ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدارجات كناياتٌ كثيرات، فَبَدَلَ أَنْ يقولَ قائلهم: "أنا أكبر من فلان سنّا" يأتي في تعبيراتهم:

لمّا كنت مُدرساً كان في المرحة الابتدائية - كنْتُ أحمله وهو ابن سنتين - وتقول المرأة: هو ابني من الرضاعة.

ويقول قائل: عن أسرة غنيّة: كانوا يستجدون صدقات الناس قبل الحرب، أي: هم أثرياء حَرْب - كانوا فقراء قبل أن يُعيَّن وليُّهم مديراً للمالية -.

وقال مُعَمِّي مهنة أبيه: أنا ابْنُ من خضعت له الرؤوس، أي: ابن حلاَّق.

إلى غير ذلك من تعبيرات لا تُحْصَى.

الأغراض البلاغيّة لاستخدام الكناية:

تُستَخدم الكناية لأغراض بلاغيّة كثيرة، منها الأغراض التالية:

الغرض الأول: إيثار الأسلوب غير المباشر في الكلام، إذا كان مقتضى الحال يستدعي ذلك.

فمن المعلوم أنّ الأسلوب غير المباشر أكثر تأثيراً فيمن يُقْصَد توجيه الكلام له غالباً.

الغرض الثاني: كون التعبير المكَنَّى به ينبّه على معنىً لا يؤدّيه اللّفظ الصّريح المكنَّى عنه.

فلو خاطب الله الناس فقال: هو الذي خلقكم من آدم، لم يكن في هذا التعبير التنبيه على عظيم قدرته، وبالغ حكمته الجليلة في قضائه وقدره، وواسع علمه، مثلُ قوله عزَّ وجلَّ في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول):

{يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...} [الآية:1].

إنَّ عبارة: {مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} جاءت كنايةً عن آدم، لكِن نَبَهَتْ على أَمْرٍ جليل لا تُنَبِّهُ عليه عبارة: "مِنْ آدم".

إنَّها تُنَبّه على أنَّ السّلالَة الإِنسانيّة كُلَّها مشتقة بتقدير العزيز العليم القدير الحكيم منْ نفس واحدة.

الغرض الثالث: كَوْنَ المكنَّى به أجمل عبارةً، وأعذب لفظاً من المكنَّى عنه، فمراعاة الجمال الفنّي من الأغراض المهمة التي تُقْصد في الكلام.

الغرض الرابع: كَوْنُ المكَنَّى عنه ممّا يَحْسُن سَتْرُهُ، ويقبُحُ في الأدب الرّفيع التصريح به، إذْ هو من العورات، أو من المستقذرات، أو من المستقبحات.

الغرض الخامس: إرادة إيضاح المكنَّى عنه بما في المكنَّى به من توضيح له.

الغرض السادس: إرادة بيان بعض صفات المكنَّى عنه مع الاختصار، بالاقتصار على ما يُذْكَرُ من صفاته لغرض يتعلّق بذكرها.

الغرض السابع: إرادة مَدْح المكنَّى عنه أو ذمّة بذكر ما يُمْدَحُ به أو يُذَمّ به، مع الاقتصار على ذكر اللفظ المكنَّى به.

الغرض الثامن: إرادة صيانة اسم المكنَّى عنه، وإبعاده عن التداول، بذكر ما يدُلُّ عليه من ألقاب أو كُنَى أو صفات.

الغرض التاسع: كون المكنَّى به أسْهَل فهماً من لفظ المكنَّى عنه.

الغرض العاشر: إرادة التّعمية والإِلغاز، ويكون هذا في الكنايات التي يَصْعُب على غير الأذكياء اللمَّاحين إدْراكُ المقصود بها.

إلى غير ذلك من أغراض بلاغية.

وأنبِّه هنا على أنّه لا تُحْمَد الكناية لمجرّد كونها كناية، بل لا بدّ من ملاحظة غرض بلاغيّ فيها، أدناه كونها أجمل من التعبير الصريح في أذواق الأدباء والبلغاء.

ولا بدّ أيضاً من أن تكون خالية من العيوب الجمالية، والمستقبحان الفكرية.

أمثلة من الكنايات:

المثال الأول: في عرض قصّة إلقاء أمّ موسى ولدها الطفل "مُوسَىْ" عليه السلام في اليمّ خوفاً عليه من جُنود فرعون أن يذبحوه تنفيذاً للأمر الفرعوني بقتل كلِّ مولودٍ ذكر من بني إسرائيل.

لقد أوحى الله إليها أن تضعه في صندوق وتلقيه في اليمّ إذا خافت عليه من جنود فرعون أن يذبحوه، ففعلت، وجرى به النهر، حتى إذا بلغ شاطئ القصر الفرعونيّ التقطه آل فرعون، وقالت امرأة فرعون له: قُرَّهُ عَيْنٍ لي ولَكَ، لا تقتلوه، عَسَى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً، بعد هذا العرض قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول):

{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً...} [الآية:10].

لقد كان فُؤادُها وهو عُمْقُ قلْبِها الشامل لأفكارها وعواطفها مشحوناً بالقلق والاضطراب والخوف عليه، فلمّا ألقته في اليمّ وعلمت بما جرى له، أزيحت عن فؤادها الغمّة، وأصْبحَ فارغاً من القلق والاضطراب والخوف عليه فجاءت عبارة {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} كنايةً عن طُمَأْنينتها على وَلَدِها، وسكينتها، واستمتاعها بمشاعر السعادة، لأنّ من شأن فراغ الفؤاد من الأفكار والعواطف المثيرة للقلَق والاضطراب والخوف أن تُصَاحبَهُ الطُّمَأْنينة والسكينة ومشاعر السّعادة. هذه الكناية خفيّةٌ نوعاً ما، مع عدم تعدُّدِ الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، وجاء خفاؤها بسبب احتمال الفراغ لأمرين متناقضين:

الأوّل: الفراغ من الْهَمّ والخوف والقلق، وهو الفهم الذي ترجّح لديّ.

الثاني: الفراغ من القوة المفكرة العاقلة بسبب الهمّ والخوف والقلق.

وبسبب تردّد الفراغ بين هذين الاحتمالين اختلف أهل التفسير في إدْراك المكنَّى عنه.

لكِنَّ المعنى الذي ذكَرْتُه هو المعنى الذي يتلاءم مع الحدث وسياق القصة.

أمّا قول الله عزَّ وجلَّ بعد هذه الكناية: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِها لِتكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فَهُو رُجُوعٌ بالبيان إلى حال أُمِّ موسَى قبل أن تضعه في الصندوق وتُلْقيَه في اليمّ، إذْ صعُبَ عليها أن تباشر بنفسها إلقاء ولدها في اليمّ، ورأتْ أنّ احتمال هلاكه في اليمّ قريب من احتمال ذبحه بأيدي جنود فرعون، فجاء الرّبط على قلبها مانعاً لها من أن تظهر أمرها، وممدّاً لها بالثبات لتنفيذ ما أوحى الله لها به.

وهذا الرجوع بالبيان هو من التفصيل بعد الاجمال، وهو من أساليب القرآن في عرض القصص، وله نظائر متعدّدة فيه.

المثال الثاني: يستشهد البيانيون بقول الخنساء "تُماضر بنت عمر" تصف أخاها صخراً:

*طَوِيلُ النِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَاد * كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَا*

كنَّتْ الخنساء عن طول قامة أخيها بطول نجاد سيفه. النِّجاد: حمائل السيف، إذ من المعلوم باللّزوم الذهني أنّ الرجل ذا القامة القصيرة لا يتَّخذ حمائل طويلة لسيفه، إنّما يتّخذ الحمائل الطويلة من كان من الناس طويل القامة.

وكنَّتْ عن كون أخيها ذا منزلةٍ رفيعةٍ في قومه بقولها: "رفيع العماد" أي: بيته بين بيوت العرب ذو أعمدة عالية، إذْ يلزم ذهناً من ارتفاع أعمدة سُكَّان الخيام في البادية أن تكون هذه الأعمدة لبيوت عظيمة كبيرة، وجرت العادة أن تكون هذه الخيام العظيمة لذوي المكانة الرفيعة في أقوامهم، أمّ سائر سُكَّان البادية فتتشابَهُ خيامهم في ارتفاعها وأحجامها وأطوال أعمدتها.

وكنّتْ عن كون أخيها جواداً مِضْيافاً بقولها: "كثير الرَّماد" وقد سبق شرح دلالة هذه الكناية.

المثال الثالث: قول الشاعر يصف شجاعة قومه وبأسهم:

*الضَّارِ بِينَ بكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَمٍ * والطَّاعِنِينَ مَجَامِعَ الأَضْغَانِ*

بكُلّ أَبْيَضَ مِخْذَمٍ: أي: بكل سيفٍ أبيض قاطع.

كنَّى الشاعر في هذا البيت عن القلوب بعبارة: "مَجَامع الأضغان". الأضغان: الأحقاد، لقد ترك الشاعر التصريح بلفظ القلوب، وكنَّى عنها بذكر بعض صفاتها وهي كون الأحقاد تجتمع فيها، فإذا وُجدت الأضغان كانت مجتمعة في داخلها وملازمةً لها.

وأفادت هذه الكناية أنهم يطعنون قلوب أعدائهم الذين تجتمع في قلوبهم أضغان عليهم.

ويدخلُ في الكناية إطلاق الصفة مراداً بها الموصوف، وعلى هذا فعبارة: "أَبْيَضَ مِخْذَمٍ" عبارةٌ كَنَّى بها عن السيف.

ومثل هذا كثير جدّاً، وهو من الكنايات الشائعة الواضحة.

ومن هذا إطلاق "السابح" مراداً به الفرس، وإطلاق "الْعَضْب" بمعنى القاطع مراداً به السيف. وإطلاق النابح كنايةً عن الكلب، وهكذا إلى أمثلة كثيرة جدّاً.

المثال الرابع: ما جاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) بشأن بني إسرائيل الذين اتّخذوا العجل الذهبيّ يعبدونه من دون الله، حينما ذهب موسى عليه السلام لمناجاة ربّه، لأنّهم استبطئوا عودته إذْ زاد الله له الميعاد من ثلاثين ليلة إلى أربعين ليلة، ثمّ لمّا رأوه من بعيد راجعاً إليهم وبيده الألواح ندموا على ما فعلوا ندماً شديداً ورأوا أَنَّهم قد ضَلُّوا، قال الله عزَّ وجلَّ فيها:

{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

جاء في هذه الآية الكناية عن نَدَمِهم وخوفهم من سطوة موسى عليه السلام وعقابه، إذ خالفوا موعدهم الذي واعدوه إيّاه أنْ لا يُغَيّروا ولا يبدّلُوا في الدين شيئاً بعبارة: {سُقِطَ فِي? أَيْدِيهِمْ}.

قال أهل التفسير: أي: نَدِمُوا وتَحيَّرُوا.

قال الزّجاج: هُوَ نظمٌ لم يُسْمَع قبل القرآن ولم تَعْرِفه العرب.

أقول: هو كنايَةٌ عن نَدَمِهم وشدّة خوفهم، وأصْلُ هذه الكناية أنّ الْمُجْرِمَ إذا أدْرَكَهُ الجنود أسرعوا فأسقطوا بعُنْفٍ في يَدَيْهِ الْقَيْدَ الحديدّي حتَّى لاَ يَفِرَّ، فإذا فعلُوا به ذلك ارتخت أعصابه، ووهَنَتْ عزائمه، وأيْقَنَ أنّه مَسُوق للعقاب.

وهؤلاء الذين اتخّذوا العجل الذهبيّ الذي عبدوه أحْسُّوا بمثل هذا لمَّا رَأَوْا من بعيدٍ موسَى عليه السلام راجعاً إليهم ومعه الأَلواح، كأنّه قد حَصَل سُقوطُ قيدٍ حَدِيدىٍّ في أيديهم، وسيلاقون عقابهم.

هذه الكناية أُرِيدَ منها لاَزِمُها وهو الشعور بالندم والخوف من العقاب مع العجز عن الفرار، وهي كناية ذاتُ إبداعٍ فنّي رائع، وهي من الكنايات الخفيّة مع عدم وجود وسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه.

المثال الخامس: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الزخرف/ 43 مصحف/ 63 نزول):

{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}.

في هذه الآية جاءت الكناية عن البنات في سياق الحديث عن المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله بعبارة: "مَنْ يُنْشَّأُ فِي الحلْيَة وهو في الخصام غير مبين".

فمن المعروف في عادات الناس أنَّهم يُنَشِّئُون بناتهم بما يلائم طبيعتَهُنَّ، وذلك بإعدادهنّ حتّى يكُنَّ زوجاتٍ مالكاتٍ قُلوب أزواجهنّ، وهذا الإِعداد يتطلّبُ تدريبَهُنَّ على إتقان زيناتِهِنَّ وحِلْيَاتِهِنَّ، والتخضُّعِ في القول، ومُجَافَاة الجدال، وعدم تعلُّم الكلام الذي يُقَال في المخاصمات، لئَلاَّ يُفْسِد عليها لسانُها حياتَها مع زوجها، أو مع أحد أولياء أَمْرِها، فجمال المرأة بحشمتها وإتْقان زينتها وضبطِ لسانها عن الخُصُومات.

هذه الكناية جاء فيها ذكر الصفات كنايةً عمَّنْ يتصف بها عادَةً، وهُنَّ البنات في قصور الملوك وكبراء القوم، في مقابل جعل المشركين الملائكة بنات اللَّهِ وهو مَلِكُ الملُوك.

ونلاحظ في هذه الكناية إبداعاً تعبيريّاً، وتوجيهاً ضمنيّاً لِمَا يَحْسُنُ أن تُنشَّأَ عليه البنات حتَّى يكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ مُهَذّبَات.

المثال السادس: قول البحتري في قصديته الّتي يذكر فيها قتله للذئب:

*عَوَى ثُمَّ أَقْعَى فَارْتَجَزْتُ فَهِجْتُهُ * فَأقْبَلَ مِثْلَ الْبَرَقِ يَتْبَعُهُ الرَّعْدُ*

*فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ تَحْسَبُ رِيشَهَا * عَلى كَوْكَب يَنْقَضُّ واللَّيْلُ مُسْوَدُّ*

*فَمَا ازْدَادَ إلاَّ جُرْأَةً وَصَرامَةً * وَأَيْقَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ مِنْهُ هُوَ الْجِدُّ*

*فَأَتْبَعْتُهَا أُخْرَى فَأَضْلَلْتُ نَصْلَهَا * بِحَيْثُ يَكُونُ اللُّبُّ والرُّعْبُ والْحِقْدُ*

فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ: أي: وجَّهْتُ لَهُ طَعْنَةً بنبْلَةٍ خَرْقَاء لم تُصِبْهُ، وصف النبلة بأنّها خرقاء لأنها لم تصب الهدف.

فَأَضْلَلْتُ نَصْلَها: أي: ضّيعتُ نَصْل النبلة الأخرى، كنَّى بهذه العبارة عن إصابتها الذئبَ بها وضياعها داخل جسده.

بحيث يكون اللُّبُّ والرُّعبُ والحقد: كنَّى بهذه العبارة عن قلب الذئب، إذْ القلب هو مكان اللّب والرُّعْبِ والحَقدِ في مفاهيم الناس.

وهذه الكناية من التعبير بالشيء عن المكان الذي يحلّ به أو يوجد عادة فيه.

المثال السابع: قول المتنبيّ يمدح "سيف الدولة" لمَّا ظفر ببني كلاب إذْ عَصَوْه:

*فَمَسَّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ * وصَبَّحَهُمْ وَبْسْطُهُمُ تُرَابُ*

*وَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ قَنَاةٌ * كَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ خِضَابُ*

كنَّى بعبارة: "وبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ" عن أنَّهُمْ كَانُوا في عزّةٍ وسيادة قبل محاربته لهم، لأن من كان عزيزاً سيداً كانت بُسْطُهُ غالباً من حرير.

وكنَّى بعبارة "وبُسْطُهُم تُرَاب" عن حالة الذُّلّ والمهانة التي وصَلُوا إليها بعد أن حاربهم وظفر بهم، لأنّ الذليل المهين لا يجد غير التراب يفترشه.

ووصف في البيت الثاني رجالَهُمْ بأَنَّهم صاروا من ضَعْفهم عن مقاومة جيشه كالنساء اللّواتي يخضِبْنَ أكفَّهُنّ بالحنّاء، فكنَّى عن النساء بالوصف الذي يتصف به عادة نساء عصره، وكنَّى عن الرّجال بالوصف الخاصّ بهم، وهو القبض على قنوات الرّماح.

المثال الثامن: قول البحتري:

*أَوَ مَا رَأَيْتَ الْمَجْدَ أَلْقَى رَحْلَهُ * في آلِ طَلْحَةَ ثُمَّ لَمْ يَتَحَوَّلِ*

كنَّى بهذا التعبير عن كون آل طلْحَةَ سادةً ثُمَّ أشرافاً أَهْلَ مَجْد، فَمَنْ ألقى المجدُ رحْلَهُ في داره ولم يتحوَّل عنها، فلا بُدَّ أنْ يكون المجدُ منسوباً إليه لعظيم شرفه ورفيع منزلته.

وفي هذه الكناية إمتاعٌ للأديب بصورة أدبيَّةٍ جميلة.

 

 





دلَّت كلمة (نقد) في المعجمات العربية على تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها ، ولذلك شبه العرب الناقد بالصيرفي ؛ فكما يستطيع الصيرفي أن يميّز الدرهم الصحيح من الزائف كذلك يستطيع الناقد أن يميز النص الجيد من الرديء. وكان قدامة بن جعفر قد عرف النقد بأنه : ( علم تخليص جيد الشعر من رديئه ) . والنقد عند العرب صناعة وعلم لابد للناقد من التمكن من أدواته ؛ ولعل أول من أشار الى ذلك ابن سلَّام الجمحي عندما قال : (وللشعر صناعة يعرف أهل العلم بها كسائر أصناف العلم والصناعات ). وقد أوضح هذا المفهوم ابن رشيق القيرواني عندما قال : ( وقد يميّز الشعر من لا يقوله كالبزّاز يميز من الثياب ما لا ينسجه والصيرفي من الدنانير مالم يسبكه ولا ضَرَبه ) .


جاء في معجمات العربية دلالات عدة لكلمة ( عروُض ) .منها الطريق في عرض الجبل ، والناقة التي لم تروَّض ، وحاجز في الخيمة يعترض بين منزل الرجال ومنزل النساء، وقد وردت معان غير ما ذكرت في لغة هذه الكلمة ومشتقاتها . وإن أقرب التفسيرات لمصطلح (العروض) ما اعتمد قول الخليل نفسه : ( والعرُوض عروض الشعر لأن الشعر يعرض عليه ويجمع أعاريض وهو فواصل الأنصاف والعروض تؤنث والتذكير جائز ) .
وقد وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي للبيت الشعري خمسة عشر بحراً هي : (الطويل ، والبسيط ، والكامل ، والمديد ، والمضارع ، والمجتث ، والهزج ، والرجز ، والرمل ، والوافر ، والمقتضب ، والمنسرح ، والسريع ، والخفيف ، والمتقارب) . وتدارك الأخفش فيما بعد بحر (المتدارك) لتتم بذلك ستة عشر بحراً .


الحديث في السيّر والتراجم يتناول جانباً من الأدب العربي عامراً بالحياة، نابضاً بالقوة، وإن هذا اللون من الدراسة يصل أدبنا بتاريخ الحضارة العربية، وتيارات الفكر العربية والنفسية العربية، لأنه صورة للتجربة الصادقة الحية التي أخذنا نتلمس مظاهرها المختلفة في أدبنا عامة، وإننا من خلال تناول سيّر وتراجم الأدباء والشعراء والكتّاب نحاول أن ننفذ إلى جانب من تلك التجربة الحية، ونضع مفهوماً أوسع لمهمة الأدب؛ ذلك لأن الأشخاص الذين يصلوننا بأنفسهم وتجاربهم هم الذين ينيرون أمامنا الماضي والمستقبل.


الامين العام للعتبة العسكرية المقدسة يتفقد سير العمل في جناح الامام الهادي (عليه السلام ) الطبي الخاص...
حفظ النظام في العتبة العسكرية المقدسة... يباشر خطته الخاصة بزيارة شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)
استقبالا لذكرى شهادة الإمام العسكري "عليه السلام"...قسم الشؤون الدينية يباشر نشر السواد في المرقد المقدس
الأمين العام للعتبة العسكرية المقدسة يستقبل قائمقام قضاء سامراء