المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية
آخر المواضيع المضافة


Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



التشبيه  
  
51151   06:48 مساءاً   التاريخ: 26 / آذار / 2015 م
المؤلف : عبد الرحمن الميداني
الكتاب أو المصدر : البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها
الجزء والصفحة : ص588-627
القسم : الأدب الــعربــي / البلاغة / البيان /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 25 / آذار / 2015 م 4232
التاريخ: 26 / آذار / 2015 م 19466
التاريخ: 2 / 2 / 2019 1207
التاريخ: 25 / آذار / 2015 م 6194

هو الدلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما ولا يكون وجه الشبه فيه منتزعاً عن متعدد.

وله أركان وتقسيمات متعددات على ما سيأتي بيانها إن شاء الله.

(1)

أركان التشبيه

من الواضح بداهة أنّ لكلّ تشبيهٍ أركاناً أربعة تدلُّ عليها ألفاظٌ تُذْكر في التشبيه، وقد يحذف بعضها لغرضٍ بياني:

الركن الأول: المشبَّه.

الركن الثاني: المشبَّهُ به.

الركن الثالث: أداةُ التشبيه، وتأتي أداة التشبيه حرفاً، أو اسماً، أو فعلاً.

* فالحرف له لفظتان:

(1) "الكاف ويليها المشبّه به مثل قول الله عزّ وجلّ في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول):

{وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ...} [الآية:77].

(2) "كأنّ" ويليها المشبّه به، وتفيد التشبيه إذا كان خَبَرُها جامداً أَوْ مُؤَوّلاً بجامد، مثل قول الله عزّ وجلّ في سورة (لقمان/ 31 مصحف/ 57 نزول):

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

قالوا: والتشبيه بكأنّ أبلغ من التشبيه بالكاف، لأنّها مركّبة من الكاف وأَنَّ.

* والاسم له ألفاظ، منها: "مِثْل - شِبْه - شبِيه - نظير - مَثِيل" ونحوها.

* والفعل له ألفاظ، منها: "يُشْبِه - يُمَاثل - يُنَاظر -" ونحوها من كُلّ ما يدلُّ على تشبيه بشيء.

الركن الرابع: وجْهُ الشَّبَه، وهو مَا لُوحِظَ عند التشبيه اشتراك المشبَّه والمشبَّه به في الاتّصاف به، من صفة أو أكثر، ولو لم يتساويا في المقدار، ولو كانت ملاحظةُ الاشتراك خياليّة غير حقيقيّة، كتشبيه رأس إنسانٍ منفرٍّ مُرْعبٍ برأس الْغُول، وتشبيه السّاحرة بأنّ وجهها كوجه شيطان.

أمثلة:

(1) قول المعرّي:

*رُبَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ الصُّبْحُ فِي الحُسْـ *ـنِ وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ الطَّيْلَسَانِ*

الطيلسان: نوع من الأوشحة يُلْبَس على الكتف أو يحيط بالبدن، خالٍ من التفصيل والخياطة.

* فالمشبه في هذا التشبيه اللّيل الذي عناه المعرّي.

* والمشبه به الصُّبْح.

* وأداة التشبيه: "كأنّ".

* ووجه الشبه: "الْحُسْن" المصرّح به في عبارة "في الْحُسْنِ".

(1) قول المعريّ يخاطب ممدوحه:

*أَنْتَ كالشَّمْسِ في الضِّيَاءِ وَإنْ جَا * وَزْتَ كِيوَانَ فِي عُلُوِّ الْمَكَانِ*

كيوان: اسم لكوكب زُحَل أبْعَدِ الكواكب السّيارة بالنسبة إلى الأرض.

* فالمشبّه في هذا التشبيه هو ما دلَّ عليه لفظ "أنْت".

* والمشبَّهُ به ما دل عليه لفظ "الشمس".

* وأداة التشبيه "الكاف" في عبارة "كالشمس".

ووجه الشّبه ما دلّ عليه عبارة: "في الضياء".

(2) وقال آخر يخاطب ممدوحه:

*أَنْتَ كَاللَّيْثِ في الشَّجَاعَة وَالإِقْـ * ـدَامِ والسَّيْفِ فِي قِرَاعِ الْخُطُوب*

قِرَاع الْخُطُوب: أي: مصارعة الشدائد والتَّغَلُّبِ عليها.

في هذا البيت تشبيهان لمشبَّه واحد.

* فالمشبّه: "أنت".

* والمشبّهُ به "اللّيثُ في التشبيه الأول و "السّيف" في التشبيه الثاني.

* وأداة التشبيه "الكاف".

* ووجه الشبه "الشجاعة والإِقدام" في التشبيه الأوّل، و "قِرَاع الخطوب" في التشبيه الثاني.

(3) وقال آخر يصف الماءَ وهو يجري صافياً:

*كَأَنَّمَا الْمَاءُ في صَفَاءٍ * وقَدْ جَرَى ذَائِبُ اللُّجَيْنِ*

اللُّجين: الفضَّة.

* فالمشبّهُ: "الماء".

* والمشبَّهُ به: "ذَائِبُ اللُّجَيْن".

* وأداة التشبيه: "كَأَنَّما".

* ووجه الشبه: "الصفاء والجريان".

(2)

فنّ التشبيه ودواعيه

فنُّ التشبيه:

التشبيه فَنُّ جميل من فنون القول، وهو يدلُّ على دقَّة مُلاحظة الأشباه والنظائر في الأشياء، سواءٌ أكانت مادّيات تدرك بالحواس الظاهرة، أو معنويات، حتى الفكريات المحض، إذْ ينتزع منها لمَّاحُو عناصر التشابه بين الأشياء التي تدخُل في حدود ما يُعْلَم ولو لم يكن له وجودٌ خارج الأذهان، فيجدون بينها أجزاء يشبه بعضها بعضاً، على سبيل التطابق أو التقارب، فيُعبّرون عمّا لاحظوه من تشابُهٍ يشبه بعضها بعضاً، على سبيل التطابق أو التقارب، فيُعبّرون عمّا يلاحظونه من تشابُهٍ بعبارات التشبيه، ويَحْسُن في ذوقهم الأدبيّ أنْ يُشَبّهوا ذا الصفة الخفيّة بذي الصفة الجليّة، نظراً إلى وجود جنس هذه الصفة أو نوعها فيهما، وأن يشبّهوا ذا الصفة الجليَّة بذي الصفة الأجلى، وأن يشبهّوا ذا الصفة الأقل أو الأضعف أو الأدنى، بذي الصفة الأكثر، أو الأَقْوَى، أو الأعلى، نظراً إلى التشابه في عين هذه الصفة أو نوعها أو جنسها فيهما.

ويُقْصَد التشبيه لتحقيق غرض بيانيٍّ فكريّ أو جمالي، أو فكري وجماليٍّ معاً.

ونزوع الأنفس إلى التشبيه هو إحدى فطرها الّتي فطرها الله عليها، مع قصور التعبيرات ذوات الدلالات المباشرات عن أداء المعاني المرادة أحياناً كثيرة.

لهذا نجد التشبيه موجوداً لدى كُلّ الأمم والشعوب، وفي كُلّ لغات الناس فصيحها وعامِّيها.

قال "المبرِّد" في كناية: "الكامل":

"التشبيه جارٍ كثيراً في كلام العرب، حتَّى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يُبْعِدْ".

وقال "أبو هلال العسكري" في "كتاب الصناعتين: النظم والنثر":

"التشبيه يزيد المعنَى وُضوحاً، ويُكْسِبُه تأكيداً، ولهذا أطبق جميع المتكلّمين من العرب والعجم عليه، وَلَمْ يستغن أحَدٌ عنه".

وتشبيه شيء بشيء يعتمد على وجود عُنْصِر تشابه بينهما، أو وُجود أكثر من عُنْصُر تشابه.

ففي هذا الوجود الكبير أشباهٌ ونظائر بحسب تقدير الله وإتقان صنعته.

ألَسْنَا نُلاحظُ في ظواهر الأشياء ممّا تُدْركُه الحواسُّ أشباهاً ونظائر في أجناسها، وأنواعها، وأصْنافها، وأفرادها؟.

ألَسْنَا نلاحظ مثل ذلك في طبائع الأشياء من كلّ ما خلَق الله من نبات، وماءٍ، ورياحٍ، ونارٍ، وقوى وطاقات، وغير ذلك ممّا بثّ الله في كونه من ذي حياة وغير ذي حياة؟.

ألَسْنَا نُلاحظُ مثل ذلك في طبائع النفوس وأحاسيسها، وسلوكِ ذوي الإِرادات الحرّة؟

إنّ الملاحظة الذكيّة تستطيع أن تتصيّد للشيء الواحد عدّة أشباه ونظائر من هذا الوجود الكبير.

ولا يشترط في الشبيه أن يكون مطابقاً من كلّ الوجوه، بل يكفي فيه أَنْ يُلْمَح منه جانبٌ فيه شَبَهٌ ما صالحٌ لأنْ يُشَبَّهَ به، بغية تحقيق غرضٍ من أغراض التشبيه البلاغيّة.

دواعي التشبيه:

يرجع اختيار أسلوب التشبيه في الكلام إلى الدواعي الرئيسة التالية:

الداعي الأوّل: استخدام الأسلوب غير المباشر للتعبير عن المراد، إذْ هو أكثر تأثيراً في النفوس من الأسلوب المباشر غالباً، وذلك في المجالات الأدبيّة، وفي الموعظة، وفي كثير من صُوَر الإِقناع، وفي نحو ذلك.

الداعي الثاني: ما في التشبيه من طُرُق متعدّدة، وصُورٍ كثيرة، تُعْطِي المعبّر البليغ مجالاً واسعاً لانتقاء ما يراه أكثر تأثيراً فيمن يوجّه له الكلام، أو أكثر إبداعاً، وهذا أمْرٌ يشعر فيه المتكلّم بلذّة الإِبداع والابتكار وإيجاد ما لم يُسْبَقْ إليه، وهي نزعة موجودة في طبائع الناس الفطريّة، تنمو عند الأذكياء والعباقرة، وتضمر عند غيرهم.

الداعي الثالث: ما في كثير من الصُّور التشبيهيّة منْ جمالٍ يُرضِي أذْواق المتلقّين وَيُمْتِعُهم، إذْ يُقَدّم لهم لوحاتٍ جماليّة مختلفة:

* فمنها ما تنتزعه الذاكرة اللّمّاحة من الطبيعة الجميلة في المدركات الحسّيّة كما هو، فيقيس الفكر عليه، ويشبه به.

* ومنها ما يجمع الفكر عناصره من الطبيعة، ويؤلّف الخيال بين هذه العناصر تأليفاً مبتكراً في صورة، ثم يقيس الفكر عليها ويشبّه بها.

* ومنها أشياء معنوية فكرية يصوّر لها الخيالُ صوراً ثمَّ يقيس الفكر عليها ويشبّهُ بها. وربّما يشبّه الفكر بها دون أن يتدخّل الخيال في تصوير صُورٍ لها.

(3) أغراض التشبيه

الأديبُ البليغ شاعراً كان أو ناثراً، كاتباً أو متحدّثاً، قد يختار في كلامه طريقة التشبيه ضمن ما يختار من طُرُق الكلام وأساليبه ليحقِّق به غرضاً أو أكثر من الأغراض التالية، سواء أكان ما اختاره تشبيهاً مفرداً أو مُركّباً، ويدخل فيه تشبيه التمثيل.

الغرض الأول: كون الصورة الّتي دلّ عليها التشبيه أكثر بياناً وأوضح دلالة وأدَقَّ أداءً من الكلمات التي تدلُّ بوضعها اللّغوي على المعنَى مباشرة، دون استخدام التشبيه.

الغرض الثاني: تقريب صورة المشبَّه إلى ذِهْنِ المتلقّي عَنْ طريق التشبيه، إذا كان وجْهُ الشَّبَهِ في المشبَّه به أكْثَر وضوحاً وأظْهَر، أو كان مقدارُه أعظم، كتشبيه القلوب القاسية بالحجارة.

الغرض الثالث: الإِمْتَاعُ أو الاستمتاع بصُورٍ جماليّة يشتمل عليها التشبيه، ففي كثيرٍ من التشبيهات الدقيقة المحكمة صُوَر جمالية لا تُوجَدُ في غيرها من طُرُق الكلام، فقولك: "ليلةٌ تمشي كالسلحفاة" أكثر إمتاعاً من قولك: "ليلة بطيئة المسير".

الغرض الرابع: الإِقناع بفكرة من الأفكار، وهذا الإِقناع قد يصل إلى مستوى إقامة الحجّة البرهانيّة، وقد يقتصر على مستوى إقامة الحجّة الخطابية، وقد يقتصر على لفت النظر إلى الحقيقة عن طريق صورةٍ مشابهة، ومنه تشبيه من يدعو غير الله بباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه.

الغرض الخامس: الترغيب بالتَّزْيين والتحسين، أو التنفير بكشف جوانب القبح.

فالترغيب يكون بتزيين المشبَّه وإبراز جوانب حسنه، عن طريق تشبيهه بما هو محبوب للنفوس مرغوبٌ لديها.

والتنفير يكون بإبْراز جوانب قُبْحِه، عن طريق تشبيه بما هو مكروه للنفوس، أو تنفر النفوس منه.

وقد يكون كلٌّ من الترغيب والتنفير عملاً إيهاميّاً مُعْتَمِداً على صناعةٍ كلاميّةٍ مُبَالَغٍ فيها.

الغرض السادس: إثارة مِحْور الطّمع والرَّغَب في النفس، أو مِحْوَرِ الخوف والْحَذر، إذا كان في المشبَّه مطامع تطمع فيها النفوس، أو مخاوف تحذرها.

كتصوير المنفق في سبيل الله بزارع الحبّ الّذي تُنْبت كُلُّ حبَّةٍ منه سَبْع سنابل في كلّ سنبلَةٍ مئةُ حبَّة.

وكتصوير أعمال الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، برماد اشتدتْ به الريح، فَسَفَتْهُ، فجعلته هباءً مُنْبَثّاً، فهم لا يقدرون على إمساك شيءٍ ممّا كَسَبُوا.

فَلَدى إِثارةِ مِحْوَرِ الطّمَع والرَّغَبِ في النفس يتّجه الإِنسانُ بمحرّضٍ ذاتيّ إلى ما يُرادُ توجيه له.

ولَدَى إثارة مِحْوَر الْخَوْفِ والْحذَرِ في النفس يبتَعِدُ الإِنسَانُ بمحرّضٍ ذَاتِيّ عمّا يُرادُ إبْعادُهُ عَنْه.

الغرض السابع: المدحُ أو الذَّمُّ، أو التعظيم أو التحقير.

كأن تمدح الشجاع بتشبيهه بالأسد، وتَذُمّ الجبان بتشبيهه بالأرْنب، وتذمّ الدّيُّوث بتشبيه بالخنزير.

وكأنْ تُعَظِّمَ جُودَ الجواد بتشبيهه بالبحر، وتحقّر خطبة بتشبيهها بنقيق الضفادع.

الغرض الثامن: شَحْذُ ذهن المتَلَقِّي وتحريكُ طَاقاتِه الفكريّة، أو استرضاء ذكائه، لتوجيه عنايته، حتَّى يتأمّل ويتفكّر ويَصِلَ إلى إدْراك المراد عن طريق التفكر.

كتشبيه الصراع بين الحقّ والباطل بصورة الغيث الغزير، الذي يجري سيلاً يملأ الوادي، والزبد الذي يطفو على سطحه، وما ينتهي إليه كلٌّ منهما، أمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكُثُ في الأرض مُفيداً نافعاً.

ومثل هذه التشبيهات يخاطب بها الأذكياء، وأهل التأمُّلِ والنَّظَر والبحث العلميّ، والمتفكّرون.

الغرض التاسع: تقديم أفكارٍ كثيرة جدّاً ودقيقة، وهي ممّا يحتاج بيانُه عن غير طريق التشبيه كلاماً كثيراً يَصِلُ إلى عشراتِ الصفحات وأكثر من ذلك، فيَدُلُّ علَيْها التشبيه بأخصر عبارة، فالمشبّه به قد يكون بمثابة نموذجٍ مشهودٍ من نماذج الوسائل التعليميّة، فيكفي في العبارة أن يقال: مِثْلُ هذا.

الغرض العاشر: إيثار تغطية المقصود من العبارة بالتشبيه، تَأَدُّباً في اللَّفظ واستِحْيَاءً.

كتشبيه عمليّة التزاوج بوضع الميل في المكحلة.

الغرض الحادي عشر: بيان صفةٍ للمشبّه، عن طريق التشبيه.

* فمنه بيان إمكان وجود الصفة في المشبّه، إذْ هي في المشبّه به ظاهرة لا نزاع في وجودها فيه، ويرى المتلَقِّي عدم إمكان وجودها في المشبّه.

* ومنه بيان حقيقة الصِّفة، إذا كانت أمراً غير معروف في المشبَّه، لخفائها، فيأتي التشبيه فيكشف حقيقة هذه الصفة المجهولة.

* ومنه بيان مقدار الصفة قوةً وضعفاً، إذا كانت حقيقتُها معروفة، لكنّ مقدارها مجهول.

إلى غير ذلك من أغراض.

(4)

صفات وخصائص التشبيهات المثلى

يَحْسُن قبل الدخول في شرح أقسام التشبيه والتمثيل، أن يكون الدارس لهذا الفنّ من فنون الكلام عارفاً بالصفات الأساسيّة للتشبيهات الْمُثْلى، حتَّى لا يَظُنَّ أنّ كُلَّ تشبيه أو تمثيل هو من صور الأدب الرفيع، فربّ تشبيه أو تمثيل يُنْزِل من قيمة الكلام أدبيّاً وبلاغياً ولا يرفَعُهُ، وربّما يهوي به إلى الحضيض.

ومن الخير له أن يَدْرُسَ التشبيهات والأمثال القرآنية، وأنْ يَدْرُسَ تشبيهاتِ وأمثال الأدباء البلغاء، ليكتسب الذوق الرّفيع، الذي يُميِّز به بين الغثّ والسمين من التشبيهات والأمثال، وليكتسب المهارة على تدبّر النصوص وتحليل ما فيها من ذلك، وعسَى أن يكتسب مهارة الإِبداع في هذا المجال.

فمن الصفات الأساسيّة للتشبيهات المثلى ما يلي:

الصفة الأولى: دقَّةُ التصوير، مع إبراز العناصر المهمّة التي هي مقصود التشبيه.

الصفة الثانية: الابتكار، والابتعاد عن الاجترار والتكرار للتشبيهات المستعملة كثيراً في أقوال الشعراء والأدباء.

الصفة الثالثة: التنويع في أساليب التشبيهات والأمثال ضمن الكلام المتتابع، والابتعاد عن التزام الوتيرة الواحدة، والمتابعة على نَمَطٍ واحد.

الصفة الرابعة: صدق المشابهة بين المشبَّهِ، والمشبّه به، ويكفي لتحقيق صدق المشابهة ما يسمَّى "الصّدْق الفنيّ" أي: الصدق في إحساس صاحب الكلام ومشاعره.

الصفة الخامسة: ممّا يَرْتَقِي بالتمثيل إلى مستوى الذّروة، التصوير المتحرّك الحيّ الناطق، ذو الأبعاد المكانيّة والزّمانيّة، والذي تبرز فيه المشاعر النفسيّة والوجدانية، والحركات الفكرية للعناصر الحيّة في الصورة.

الصفة السادسة: الابتعاد عن الإِسفاف والابتذال والتشبيِه ما يَحْسُن في غير الكلام سَتْره، من العورات والمستقذرات.

الصفة السابعة: عدم التصريح بما يمكن أن يُدْرَكَ ذهْناً من القرائن.

الصفة الثامنة: البناءُ عَلى المشبَّهِ بهِ كأنَّهُ عَيْنُ المشبّه، إذْ يُنْزَلُ المشبَّه به منزلة المشبَّه، بعد أن سِيق لإِحضار المقصود من المشبَّهِ عن طريقه.

وهذه الصفة هي من صفات الأمثال القرآنيّة وخصائصها.

(5)

تقسيمات متعدّدات لأنواع وصُوَر التشبيهات

التقسيم الأول:

تقسيم التشبيه باعتبار ذكر أداة التشبيه ووَجْه الشَّبَهِ أو عَدَم ذِكْرِهما

يتعرّض التشبيه لأحوال مختلفة تتعلّق بذكر أداة التشبيه في اللّفظ وعدم ذكرها، وذكر وجه الشبه في اللفظ وعدم ذكره.

وينتج عن هذه الأحوال خمسة مصطلحات عن البيانيين، تتكوّن منها ثلاث صُور.

المصطلح الأول: "التشبيه المرسل" وهو التشبيه الذي ذكرت فيه أداةٌ من أدوات التشبيه.

المصطلح الثاني: "التشبيه المؤكَّد" وهو التشبيه الذي لم تُذْكَرْ فيه أداةٌ من أدوات التشبيه.

المصطلح الثالث: "التشبيه المفصّل" وهو التشبيه الذي ذُكِرَ فيه وجه الشبه.

المصطلح الرابع: "التشبيه المجمل" وهو التشبيه الذي لم يُذْكر فيه وَجْه الشبه.

المصطلح الخامس: "التشبيه البليغ" وهو التشبيه الذي لم تُذْكر فيه أداة التشبيه، ولم يُذْكَر فيه أيضاً وجْه الشبه.

ويتألف في التطبيق العمليّ من هذه المصطلحات الخمسة ثلاثُ صور، بمقتضى طبيعة التداخل:

الصورة الأولى: وهي الصورة الدُّنْيا في درجة الأبلغيّة على ما ذكَرُوا، وهي التي يكون التشبيه كلُّه فيها "مُرْسلاً مُفَصّلاً".

أي: هو التشبيه الذي ذُكرت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه معاً، مثل قولنا: "خالدٌ كالأسد في الشجاعة والبأس".

الصورة الثانية: وهي الصورة الوسطى في درجة الأبلغية على ما ذكروا، وتأتي على وجْهَين:

(1) أن يكون التشبيه كلُّه "مُرْسلاً مُجْملاً" أي: ذكرت فيه أداة التشبيه، لكن لم يذكر فيه وجه الشبه، مثل قولنا: "خالد كالأسد".

(2) أن يكون التشبيه كُلُّه "مؤكّداً مفصّلاً" أي: لم تُذكَرْ فيه أداة التشبيه، لكن ذُكِر فيه وجه الشبه، مثل قولنا: "خالد أسَدٌ في الشجاعة والبأس".

الصورة الثالثة: وهي الصورة العليا في درجة الأبلغيّة على ما ذكروا، وهي التي يكون التشبيه كُلُّهُ فيها "مؤكّداً مُجْملاً" أي: لم تُذْكَرْ فيه أداة التشبيه، ولم يُذْكر فيه وجْهُ الشبه. مثل قولنا: "خالد أسد".

وتُسَمَّى هذه الصورة: "التَّشْبِيهَ البليغ".

أمثلة:

* من أمثلة الصورة الأولى التي يكون التشبيه فيها "مُرْسَلاً مُفَصّلاً" قول الشاعر:

*الْعُمْرُ مِثْلُ الضَّيْفِ أَوْ * كَالطَّيْفِ لَيْسَ لَهُ إقَامَة*

الْعُمْرُ: مُشَبّه.

مثل: أداة التشبيه.

الضيف - الطيف: مشبَّه به.

ليْسَ له إقامة: وجه الشبه.

هذا تشبيه "مرسلٌ مفصّل".

* ومن أمثلة الصورة الثانية التي يكون التشبيه فيها "مؤكّداً مفصّلاً أو "مرسلاً مجملاً" قول ابن المعتزّ:

*وَكَأَنَّ الشَّمْسَ الْمُنِيرَةَ دِينَا * رٌ جَلَتْهُ حَدَائِدُ الضَّرَّابِ*

جَلَتْه: أي: صقلته.

الضرَّاب: أي: الذي يَطْبَعُ النُّقود.

كأن: أداة التشبيه.

الشمس المنيرة: المشبَّه.

دِينارٌ جلته حدائد الضرّاب: مشبّه به.

هذا تشبيه "مرسل مجمل" ذكرت فيه أداة التشبيه ولم يذكر فيه وجه الشبه.

وقول البحتري يمدح أمير المؤمنين المتوكّل على الله.

*يَا ابْنَ عَمِّ النَّبِيّ حَقّاً ويَا أَزْ *كَى قُرَيْشٍ نَفْساً وَديناً وَعِرْضاً*

*بِنْتَ بالْفَضْلِ والْعُلُوِّ فَأصْبَحْـ * ـتَ سَمَاءً وأصْبَحَ النَّاسُ أَرْضاً

الممدوح: مُشَبَّه.

سماءً: مشبَّهُ به، وأداة التشبيه غير مذكورة.

بالفضل والْعُلُو: وَجْهُ الشبه.

هذا التشبيه "مؤكّد مفصّل" ذكر فيه وجه الشبه، ولم تُذْكَرْ فيه أداة التشبيه.

* ومن أمثلة الصورة الثالثة "التشبيه البليغ" الذي يكون التشبيه فيه "مؤكّداً مجملاً" قول الشاعر أبي القاسم الزّاهِي يصف حسناوات:

*سَفَرْنَ بُدُوراً. وانْتَقَبْنَ أَهِلَّةً * ومِسْنَ غُصُوناً. والْتَفَتْنَ جَآذِراً*

في هذا البيت أربعة تشبيهات هي من التشبيه البليغ، إذْ لَمْ يُذكَرْ فيها أداة التشبيه ولا وجْهُ الشَّبه.

مِسْنَ: أي: تمايَلْنَ تبخْتُراً واختيالاً.

جآذِراً: جمع "جُؤْذُر" وهو ولد البقرة الوحشية، والعرب تعجبهم عيون الجآذر، فَيُشَبِّهون بها.

وقول الآخر:

*فَاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالاً إِنَّما * أَعْمَارُكُمْ سَفَرٌ مِنَ الأسْفَارِ*

شبّه الأعمار بالسَّفر، على طريقة التشبيه البليغ الذي لم تذكر فيه أَداة التشبيه، ولا وجه الشبه.

وقول المرقّش الأكبر (شاعر جاهلي):

*النَّشْرُ مِسْكٌ. والْوُجُوهُ دَنَا * نِيرٌ وَأَطْرَافُ الأَكُفِّ عَنَمٌ*

في هذا البيت ثلاثة تشبيهات هي من التشبيه البليغ، إذْ لم يذكر فيها أداة التشبيه وَلا وجْهُ الشبه.

النشر: الرائحة الطيبة.

الْعَنَم: نبات أملس له أزهار قِرْمِزِيّة، يُتَخَذُ خِضَاب، ويبدو أنّ الشاعر شبَّه أطراف أكفّ صَوَاحبه بأزهار هذا النبات على طريقة التشبيه البليغ، لا أنّه اعتبر أنّها مخضّبة بصِبْغ هذه الأزهار، وتقدير كلامه: وأطراف الأكُفّ أزْهارُ عَنَم.

ويرى البيانيون أنّ التشبيه البليغ يعتَمِد على المبالغة والإِغراق في ادّعاء أنَّ المشبَّه هو المشبَّهُ به نَفْسه، لذلك لا تُذْكَرُ فيه أداة التشبيه، ولا وجْهُ الشّبه.

ويرون أنّ التشبيه البليغ ذو مجالٍ واسعٍ لتسابق الْمُجِيدين من الأدباء والشعراء، وانتقاء روائع بديعة منه.

تقسيم التشبيه من جهة حسنة أو قبحه وقيمته

ينقسم التشبيه بالنظر إلى الْغَرَض المسُوقِ له إلى قِسْمَيْنِ أوّلَيْن:

القسم الأول: الْحَسَنُ المقبول.

القسم الثاني: القبيح المردود.

فالْحَسَنُ المقبول:

هو ما كان وافياً بالغرض الْمَسُوقِ له من النّاحيتين الفكريّة والجماليّة، وأمثلة هذا القسم كثيرة، لا داعي للاشتغال بها هنا.

والْحَسَنُ المقبول ينقسم إلى قِسْمَيْن:

* قريبٍ مبتذل.

* وبعيدٍ غريب.

والقبيح المردود:

هو ما لم يكن وافياً بالغرض الْمَسُوق له من النَّاحِيَتَيْنِ الفكريّة والجماليّة، أو من إحداهما.

ومن أسباب ذلك انعدامُ وجه الشبّه بين المشبَّهِ والمشبَّهِ به، أو خفاؤه جدّاً دون التَّنبيه عليه، أو كونُ معناه مُسْتَقْبَحاً مستكرهاً لا يَليقُ بكلامٍ أدبيّ رفيع، أو كونُه غثّاً هزيلاً لا يَدُلُ على حُسْنِ انتقاء واختيار بين بدائل الأفكار، إلى غير ذلك مما تمجُّه الأذواق الرفيعة، وتُبْعِدُهُ عن ساحَةِ الأدب المقبول، ولو من أدنى درجات "القريب المبتذل".

وأتركُ هنا للأدباء مجال تعرية القبيح المردود من التشبيهات، فالتحليل الأدبيّ الناقد مسؤولٌ عن تقديم الأمثلة ونقدها.

"القريب المبتذل والبعيد الغريب"

لاحظ البيانيون ما ينتج عمّا يكشفه النظر إلى قيمة التشبيه ودَرَجَتِه، بين مختلف التشبيهات ذوات القيم البيانيّة المختلفة، فانتهى بحثُهُمْ إلى تَحْدِيدِ مرتبتين رئيستَيْن للتشبيه، وتركوا تحديد درجات كلِّ مرتبةٍ منهما للأديب الباحث، ولاختلاف وجهات أنظار النُقَّاد:

المرتبة الدُّنيا: مرتبة القريب المبتذل، وفيها درجات يعْسُر ضبطها.

المرتبة العليا: مرتبة البعيد الغريب، وفيها درجات يَعْسُر ضبطها.

(أ) الشبيه القريب المبتذل:

هو ما يُنْتَقَلُ فيه من المشبَّهِ إلى المشبّه به من غير تدقيق نظر، ولا إمعان فكر، بل يظهر وجْهُه في بادي الرأي.

وقد نظر البيانيّون نظراتِ تحليل لاكتشاف أسباب كون التشبيه قريباً مُبْتَذَلاً، فظَهَرتْ لهم طائفةٌ من الأسباب أشاروا إليها دون أن يَحْصُروا كلَّ الأسباب بها:

السبب الأوّل: كون التشبيه معتمداً على النظرة الكليَّةِ الْمُجْمَلة، التي لم يصاحبها تفصيل ولا تحليلٌ للعناصر.

إنّ النظرة الكليّة المجملة الّتي لا تبحثُ في دقائق الأشياء وتفصيلات عناصرها وصفاتها هي النظرة الأولى الساذجة للإِنسان بحسب العادة، وهي نظرة يستوي فيها الصغير والكبير، والجاهل والعالم، والأديب وغيره، ويستطيع جميعهم في الغالب التعبير عن مرادهم بها.

لذلك تكون مبتذلةً في العادة، ولا تَدُلُّ على مَهَارة فكرية، ولا مقدرة بيانيَّةٍ في مجال التّشبيه.

فالتشبيه المعتمد على النظرة الكليّة الْمُجْمَلَة يكون غالباً من مرتبة القريب المبتذل.

إنّ النظرة الكليّة المجملة هي التي تجعل الطفل يُسَمّي الحصان إذا رآه حماراً، وقد يُسَمِّي الجمل إذا رآه حماراً، وكذلك البقرة، لأنَّ خِبْرَاتِه السَّابقات علّمَتْه شكل الحمار، وتعلّم مع ذلك أنّ اسمه حمار، فهو يرى الشكل العام للحصان والجمل والبقرة تمشي على أربع كما يمشي الحمار، فَيُسَمِّي كلاًّ منها حماراً، غير ناظر إلى الفروق الكثيرة التي تميّز كلّ نوعٍ عن الآخر.

من أجل هذا قالوا: النظرة الأولى حمقاء. ويقول العلماء بشأن من تُعْوِزُه الدقّة في أقواله وآرائه: لم يُنْعِم النظر في الأمر، ولم يُدَقِّق ولم يتأمَّلْ. أو يقولون: قال قَوْلَهُ أَوْ قَدَّمَ رأيه متعجّلاً دون أناة.

السبب الثاني: كون وجه الشَّبَه المنتزع من ركْنَي التشبيه قليل العناصر التفصيلية، سريع الْخُطُور على الأذهان في العادة.

أو كونُ المشبَّه به من الأشياء الّتي تَتَكَرَّرُ مُشَاهَدَتُها، فهي ممّا يُسَارع الذهن إلى التشبيه بها، كالشمس في الضياء والاستدارة، وكَالقَمَر في النور والحسن، وكاللَّيل في السّواد، وكالنّهار، في البياض، وكالمطر في صفة تقاطُره العام.

فمن الملاحظ أنّ الإِنسان العاديّ إذا أراد تشبيه شيء أَسْود خطر له بسرعة اللّيلُ والغراب، فيقول: هو كاللَّيل، أو كالغراب.

وإذا أراد تشبيه وجه جميل قال: هو كالقمر. وإذا أراد وصْفَ نَثْرِ النقود على جميع الناس قال: تناثرت عليهم كالمطر.

هذه تشبيهات قريبة مبتذلة، يتناولُهَا معظم الناس كما يتناولون الماء والهواء والكلأ، فليس لها قيمةٌ أدبيَّةٌ عالية.

السبب الثالث: كونُ المشبّه به ووجهِ الشّبه المنتزع منه مما تداول الشعراء والأدباء والكتّاب والخطباء، والمتحدّثون العاديُّونَ التشبيه به حتَّى ابْتُذِلَ واسْتُهْلِكَ.

كالتشبيه بالغزال في خفّة الحركة والرشاقة ودقّة الخصر، وكالتشبيه بالحمار في البلادة، والتشبيه بالبغل في الجلادة، والتشبيه بالكلب في اتباع صاحبه، والتشبيه بالخنزير في الخِسَّة وعدم الغيرة على إناثه.

إلى غير ذلك.

لكِنْ قد يتصرّف الأديب المتمرّس بفنون القول، في التشبيه القريب المبتذل، تصرُّفاً بديعاً يَرْفَعُهُ إلى المرتبة العليا "مرتبة البعيد الغريب" فمن هذا التصرف ما يلي:

(1)         قول أبي الطيّب المتنبّي من قصيدة يمدح بها "هَارون بن عبد العزيز"

*لَمْ تَلْقَ هَذَا الْوَجْهَ شَمْسُ نَهَارِنا * إِلاَّ بِوَجْهٍ لَيْسَ فِيِ حَيَاءُ*

لقد تضمَّن هذا القول تشبيه وجه ممدوحه بالشمس، وهو تشبيه قريبٌ مبتذل، لكن أبا الطيب تصرّف فيه بطريقةٍ بديعة غريبة رفعت قيمته إلى المرتبة العليا، إذْ أدخل في التشبيه عناصر غير مأْلوفة، فقد أَبَانَ دُون إفصاح صريحٍ بالتشبيه أنَّه كان من واجب الأدب والحياء أن لا تظهر الشمس أمام وجهه لضآلة ضوئها في مقابل وجهه الوضّاء، لكنَّها غير ذات حياء، فمن أجل ذلك تَلْقَى الشمْسُ وجْهَهُ مع أنَّه أعظم منها ضياءً.

(2) قول الشاعر:

*فَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ واللَّيْلُ رَاغِمٌ * بشَمْسٍ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ الْخِدْرِ تَطْلُعُ*

*فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلاَمُ نَائِم * أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ*

تضمّن هذا القول تَشْبِيه مَنْ أُعْجِبَ الشاعر بجمال وجهها بالشمس، وهو تشبيه مبتذل، لكن أَدْخَل فيه عناصر رفعته من المرتبة الدنيا إلى المرتبة العليا، إذ وَصَفَ طلعةَ وجهها من جانب الخدر في اللَّيل على صورة مفاجئة تشعر بأنّ الشمس التي غابت أعيدت إلى الظهور، فهو في حَيْرَةٍ: هل هو نائم يَرَى حُلُماً، أو يُوشَعُ بن نون صاحب موسى موجود في الركب، ومن أجل طلبه أعيدت الشَّمْسِ للظهور، كما حصل له إِذِ استوقف الشمس على ما ذكروا.

(3) قول الشاعر الوطواط في ممدوحه:

*عَزَمَاتُهُ مِثْلُ النُّجُومِ ثَوَاقِباً * لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلثَّاقِبَاتِ أُفُولُ*

لقد رفع من قيمة هذا التشبيه إضافة الشاعر الاستدراك إليه، وهو كون النجوم الثواقب لها أفُول، أمّا ممدوحه فلا أُفولَ له.

قالوا: ويسمَّى هذا "التشبيه المشروط".

(4) ومن التشبيه المشروط الذي رفعته إضافة الشرط إلى المرتبة العليا، قول الشاعر في ممدوحه:

*يَكَادُ يَحْكِيكَ صَوْبُ الْغَيْثِ مُنْسَكِباً * لَوْ كَانَ طَلْقَ الْمُحَيَّا يُمْطِرُ الذَّهَبَا*

 

*والْبَدْرُ مَا لَمْ يَغِبْ والشَّمْسُ لَوْ نَطَقَتْ * والأُسْدُ لَوْ لَمْ تُصَدُ والْبَحْرُ لَوْ عَذُبَا*

(5) ومن التصرّف الحسن الذي رفع قيمة التشبيه المبتذل قول الشاعر:

*فِي طَلْعَةِ الْبَدْرِ شَيْءٌ مِنْ مَحَاسِنِهَا * ولِلْقَضِيبِ نَصيبٌ مِنْ تَثَنِّيَها*

(6) وقد يَخْرُج التشبيه من الابتذال بأن يجمع الشاعر بين عدّة تشبيهات بكلام واحد، كقول امرئ القيس يصف فرسه:

*لَهُ أَيْطَلاَ ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ * وَإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ*

له أَيْطَلاَ ظبي: أي: خاصِرَتا ظبْي فهو مُضَمَّر.

وساقا نعامة: أي: في الانتصاب والطول بالنسبة إلى الجسد.

وإرخاء سِرْحانٍ: أي: وعدوه كعَدْو الذئب، والإِرْخاء ضرب من عدو الذئب.

وتقريب تَتفل: التَّتْفُل: ولد الثعلب، والتقريب وضع الرجلين موضع اليدين في العدو.

(ب) التشبيه البعيد الغريب:

وهو ما يكون الانتقال فيه من المشبّه إلى المشبه به بدقيق النّظر، وإمعان الفكر، ولا يظهر وجهه في بادي الرأي.

وقد نظر البيانيّون نظراتِ تحليلٍ لاكتشاف أسباب كون بعض أمثلة التشبيه وصُوَره من البعيد الغريب، فظهرت لهم طائفة من الأسْبَاب أشاروا إليها دون أن يحصروا كلّ الأسباب بها:

السبب الأول: نُدْرَةُ خُطور المشبَّه بِه في أذهان معظم متذوّقي الأفكار الأدبية، والمهتمِّين باستدعاء الأشباه والنظائر.

سواءٌ أكانت هذه النُّدْرَى خاصّةً بحالة ذكر المشبّه أو حضوره في الذّهن، أو غير خاصّة بها.

فحين تكون المناسبة بين المشبّه والمشبّه به بعيدة، أو يكُونُ وجْهُ الشبه الجامع بينهما أمْراً دقيقاً خفيّاً، تكون نُدْرة خُطُورِ المشبَّهِ في الذهن لبُعْدِ المناسبة أو لخفاء وجه الشَّبَهِ بَيْنَ طرفي التشبيه.

وحين تكونُ نُدْرَةُ خُطُورِ المشبَّه به في الذِّهْن نُدْرَةً عَامَّة غَيْرَ خاصَّةٍ بحالة ذكر المشبه، فإنَّها تكونُ كذلك لواحد من أُمُورِ منها الأمور التالية:

 (1) كون المشبّه به أمراً وهميّاً.

(2) كون المشبَّه به مُرَكَّباً خياليّاً.

(3) كون المشبَّه به أمْراً عَقْلِيّاً.

(4) كون المشبَّهِ به قَلِيلَ التكرُّرِ عَلَى الْحِسّ.

(5) كَوْنُ وَجْهِ الشَّبَّهِ مشتَمِلاً عَلى تفصيلٍ يُلاحَظُ فيه أكثر من وَصْف، ويقع على وجوه مختلفة يَعْسُرُ ضَبْطُها.

ويظهر من هذه الوجوه وجهان:

الوجه الأول: أنْ يَذْكُر عَاقِدُ التَّشْبِيه بعْضَ أجزاء المشبَّهِ به ويَعْزِلَ بَعْضَها الآخر، كما جاء في قول امرئ القيس:

*حَمَلْتُ رُدَينيّاً كَأَنَّ سِنَانَهُ * سَنَا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخَانِ*

فعَزَل امرؤ القيس الدُّخان عن سَنَا اللّهب لأنّه لا يدخل في التشبيه، وأثبت السَّنا وهو الضوء مفرداً.

ونظيره قول الشاعر الآخر: *"لَهَا حَدَقٌ لَمْ تَتَّصِلْ بِجُفُونِ"*

فذكر الحدق وعزل عنها الجفون.

الوجه الثاني: أنْ يُلاحِظَ عاقِدُ التَّشْبِيهِ أجْزَاءً مُتَعَدِّدة من المشبَّهِ، مُقَابَلَةً بأشباهها من أجزاء المشبَّه به، وكلّما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبْعَدَ وأغرب.

ومثّلوا لهذا الوجه بقول: "أَبِي قَيْسِ بن الأَسْلَت" وقيل هو: لأُحَيْحَة بن الجلاح:

*وَقَدْ لاَحَ فِي الصُّبْحِ الثُّرَيَّا كَما تَرَى * كَعُنْقُودِ مُلاَّحيَّةٍ حِينَ نَوَّرَا*

كعُنْقُودِ مُلاَّحِيَّة: أي: كعُنْقُودِ عِنَبٍ من صِنْفُ "مُلاَحيّة" وهو عِنَبٌ أبيضُ في حبِّهِ طول، والأشْهَرُ في اسم "مُلاَحيّة" تخفيف الّلام.

فقد لاحظ الشاعر التشابه بين أجزاء الثُّريَّا بِعُنْقُودِ مُلاحيَّة حينَ نَوّرَ، أي: وضَحَ بياضُه من نضجه، فَحَبَّاتُ العنب في العنقود تشبهها النجوم في الثُّرَيَّا، وشكل العنقود بوجه عام يُشْبِهُهُ شَكْلُ الثُّرَيَّا، والفواصل بين نجوم الثّرَيَّا تشبه الفواصل الموجودة في العنقود.

أقول: ومن أبْدَع الأمثلة على هذا الوجه وأبلغها قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):

{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

وفي غير هذا الموضع تحليلُ هذا النصّ وما فيه من تشبيه بديع ذي عناصر متلاقيَة ملاحظة في المشبّه به معاً.

تقسيم التشبيه باعتبار أحوال طَرفيه (المشبَّه والمشبّه به)

نظر البيانيّون إلى أحوال طرفي التشبيه: (المشبّه والمشبّه به) فظهرت لهم أقسامٌ كثيرة، وهذه الأقسام ناتجة عن احتمالات كون كُلٍّ منهما مفرداً أو مُرَكّباً، واحتمالات كون كلٍّ منهما ممّا يُدْرَكُ بالحواسّ الظاهرة، أو بالوجدان والحواسّ الباطنة، أو بالفكر، فتحصّل لديهم من ذلك أقسامٌ وتشقيقات يحتاج الدارس لإِحصائها وإحصاء أمثلتها وتطبيقها كدّاً ذهنيّاً مُرْهِقاً.

وبعد البحث والتأمُّل لم أَجد في إرهاق ذِهْنِ دارس هَذا العلم، بإحصاء هذه الأقسام وتشقيقاتها، وتطبيق الأمثلة عليها، فائدةً ذاتَ قيمةٍ أدبيَّةٍ بيانيّة، تَنْفَعُ لدى دراسة النصوص الأدبيَّة الرَّفيعة، بغية إبراز جوانب إبداعها، أو تنفع لاكتساب مهارة إبداعيّة في نثر أو شعر، بَلْ رُبما تَصْرِفُ دراستُها ذِهْنَ الباحث عن جوانب الجمال والإِبداع إلى مُهمَّاتِ التحليل المخبري الّذي يهتَمُّ بدراسة عناصر الأشياء وتحليلها تحليلاً ذَرِّيّاً.

من أجل هذا آثَرْتُ الاقتصار على الأقسام الَّتِي يَسْهُلُ على الدارسِ استيعابُها، وقد ينتفع بها ضمن أغراض دراسة علم البيان.

وفيما يلي شرح ما آثرت الاقتصار عليه:

أوّلاً - "التشبيه البسيط والتشبيه المركب".

لاحظ البيانيون تقسيماً ناتجاً عن احتمال كون كلٍّ في التشبيه مفرداً أو مركبّاً فظهر لهم ما يلي:

إنّ تشبيه شيءٍ بشيءٍ قائم على ملاحظة وجود عنصر أو أكثر من عناصر التشابه بينهما، وبهذا ينقسم التشبيه إلى قسمين:

القسم الأول: التشبيه البسيط.

وهو التشبيه المشتمل على التشبيه بمفرد، لأنّ المشبَّه يُشابِه المشبَّه به بوجْهٍ من الوجوه، أو جانب من الجوانب، كتشبيه الجاهل بالأعْمَى، والعالم بالبصير، والْجَهْلِ بالظلمات، والْعِلْمِ بالنّور.

القسم الثاني: التشبيه المركّب، وهو المسمَّى "التمثيل".

وهو التشبيه الذي يكون على شكل لَوْحَةٍ تُصَوِّرُ أكْثر مِنْ مفرد، ووجه الشبه فيه لا يكون مأخوذاً من مفردٍ بعينه، بل يكون مأخوذاً منْه ومن غيره، أو من الصُّورةَ العامّة.

وهذا التشبيه المركب يكون على وجْهَيْن:

الوجه الأول: ما كان على شكل عناصر متلاقية تقابل أمثالَها في المشبَّهِ به، كتشبيه الإِنفاق في سبيل الله بإخلاصٍ، بالزّرع الَّذِي تُزْرَعُ فيه الحبُوبُ في أَرْضٍ طيّبَةٍ مُبَارَكَة، فَتُنْبِتُ الْحَبَّةُ منها سبع سنابل، في كُلّ سنْبُلةٍ مئة حبّة.

هنا نلاحظ أنّ الإِنفاق يشبه عملية الزرع، وتنمية الله له يُشْبه النبت الجيّد، ومضاعفة الأجر تشبه تكاثر السنابل من الحبّة الواحدة، وتكاثُر الحبِّ في كلّ سنبلة.

هذا التشبيه نجده في قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):

{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

* ومنه قول أبي فراس الحمداني يصف روضتَيْن مُزَيَّنَتَيْنِ بأنواع الزهور ذات الألوان المختلفة الزاهيَة، ويجري بينهما نَهْر صَافٍ:

*وَالْمَاءُ يَفْصِلُ بَيْنَ رَوْضِ الْـ * زَّهْرِ في الشَّطَّيْنِ فَصْلا*

*كَبِسَاطِ وَشْيٍ جَرَّدَتْ * أَيْدِي الْقُيُونِ عَلَيْهِ نَصْلاً*

فِي الشَّطَّيْن: أي: في جانِبَيْ ماء النهر الجاري.

الْوَشْي: النقْشُ في الثوب وغيره من ألوان مختلفة.

الْقُيُون: جمع "قَيْن" وهو الحدّاد الذي يصنع السيوف ونحوها من الأسلحة.

النصل: حديدة السيف ونحوه من الأسلحة، ومرد الشاعر هنا نصل السيف، لقوله: "جَرَّدَتْ" إذ السيف هو الذي يُجَرَّدُ من غِمْدِه.

إنّ وجه الشبه في هذا التشبيه منتزع من متعدِّدٍ في صورة واحدة، إلاَّ أننا لدى تحليل هذا التشبيه نلاحظ أنّه جاء على شكل عناصر متلاقية تُقابل أمْثَالَها في المشبه به.

فالنهر بين الروضتين يشبه السّيف المجرّد الصقيل المطروح في وسط البساط الموشَّى.

والروضة الواقعة على يمين النهر تشبه قِسْم البساط الواقع على يمين السيف المجرّد.

والروضة الواقعة على يسار النهر تشبه قسم البساط الواقع على يسار السيف المجرّد.

ودلّ تجريد القُيُونِ للسّيف على أنّه سَيْفُ جديد صقيل يتلامع، وهذا يدلُّ على أنّ ما النهر صافٍ شديد الصفاء، وهذا يدلُّ على أنّه نهر جارٍ من نبعٍ، فليس ماءً راكداً آسناً، وليس ماءَ سيل كدراً.

بهذا التحليل نلاحظ أنّ التشبيه الذي اشتمل عليه هذا القول هو من الْوَجْهِ الأول من وجْهَي التمثيل.

وهذا الوجه هو من روائع تشبيه التمثيل فيه أرى، وأبدع ما جاء منه ما جاء في الأمثال القرآنيّة، التي أوفيتها دراسة في كتاب "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع".

* ومنه قول بشّار بن بُرْد:

*كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤوسِنَا * وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه*

مُثَارَ النَّقْعِ: أي: مُثَارَ الْغُبَار الَّذِي تَثِيرُهُ حوافر الْخَيْلِ وحَرَكَةُ القتال في الحرب.

تَهَاوَى: أي: تَتَهَاوَى.

فشبَّه صورة الْغُبَار المثار بحركة القتال والذي تتهاوى داخله أسْياف المقاتلين على أعدائهم بصورة لَيْلٍ تتهاوَى على الأرض كواكبه.

ووجه الشبه الجامع بينهما الهيئة الحاصلة من هُوِيَّ أجرامٍ مشرقة مستطيلة مُتَنَاسبة المقدار، ومتفرقة، في جوانب شيءٍ مظلم، وتظهر فيها الحركة التي زادت التمثيل حسناً.

ولدى التحليل نلاحظ أنّ التشبيه المركّب قد جاء في شكل عناصر متلاقية في المشبّه، تقابل أمثالها في المشبّه به، ويتحصّل من ذلك هيئة كلّيّةٌ في صورة.

* ومنه قول أبي طالب الرَّقّي:

*وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُوم لَوَامِعاً * دُرَرٌ نُثِرْتَ عَلى بِسَاطٍ أَزْرَقٍ*

فوجه الشبه هيئةٌ منتزعة من متعدّد، وهي الهيئة الحاصلة من تفرّق أجرامٍ متلألئَةٍ مستدير، صغار المقادير في مرأى العيون، على سطح جسم أزرق صافي الزُّرْقة.

ولدى التحليل نلاحظ أنّ هذا التشبيه المركّب قد جاء على شكل عناصر متلاقية في المشبه، تقابل أمثالها في المشبَّه بهن ويتحصّل من ذلك هيئةٌ كليّةٌ في صورة.

* ومنه قول عمرو بن كلثوم:

*تَبْنِي سَنَابِكُهَا مِنْ فَوْقِ أرْؤُسِهِمْ * سَقْفاً كَواكِبُهُ الْبِيضُ الْمبَاتِيرُ*

سَنَابِكُها: أي سَنَابِكُ الخيل. جمع "سُنْبُك" وهو طرف الحافر.

البيض الْمَباتِير: أي: السُّيوف القواطع، يقال: سيف بتّار ومِبْتار.

وجه الشبه هيئة منتزعة من متعدّد، والتشبيه هنا جاء على شكل عناصر متلاقية في المشبّه، تقابل أمثالها في المشبه به، ويتحصّل من ذلك هيئة كليّةٌ في صورة.

الوجه الثاني: مَا كَانَ عَلى شَكْلِ وَحْدَةٍ مُرَكَّبَةٍ مُتَداخِلَةٍ تُعْطِي بجملَتِها وجْهَ الشبه، دُونَ مُلاحظةِ التقابل الجزئي بين المشبّه والمشبّه به.

* كالمثل الذي ضربه الله عزّ وجلّ لفريق من المنافقين، بقوله في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}.

تضمَّن هذا التمثيل تشبيهاً لحالة الصنف الأشد من صنفي المنافقين، وهو الصنف الذي مرَد على النفاق، بعد رُؤيته أضواءَ هداية القرآن، وسماعه إنذارات عذاب الله للكافرين، ولمَّا مَرَد على النفاق ملتزماً الثبات في موقع الكفر، طمَسَ الله بصيرته بقانونه القدريّ الذي اتّخذ هو أسبابه.

شبّه الله عزّ وجلّ الصّورة الكليّة لهذا الصنف بصورة من استوقد ناراً في مفازة مظلمة مُوحِشة ضمن ليل دامس، فلمّا أضاءت هذه النار ما حوله من أرض المفازة، ورأى صراطه، وعرف سبيل هدايته، ووجد أنه على غير ما يَهْوَى ويشتهي، اتَّخَذ وسيلةً أبْعَدَ بها عنه شعاع الضوء، رافضاً الاهتداء بالنور، مُتَأَبِّياً أن يسْلُكَ الصراط المستقيم إصراراً على الباطل، ومعاندةً للحق، فوقع عليه قانون ذهاب النُّور الذي تَسَبّب هو في إذهابه، فأمْسَى كالأصَمّ الأبْكمِ الأعمى، غير مُسْتَعِدٍّ لأَنْ يَرْجِع إلى مواطن النور.

هذا تشبيه من قسم "التمثيل" فوجه الشّبه فيه صورة منتزعة من متعدّد، والتشبيه قائم على تمثيل صورة ذات عناصر مختلفة بصورة ذات عناصر مختلفة، والجامع بينهما وجه شبه يمثّل أيضاً صورة منتزعة من عناصر متعدّدة.

* وكالمثل الذي ضربه الله عزّ وجلّ لفريق آخر من المنافقين عقب المثل السابق بقوله تعالى في السورة المذكورة:

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي? آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

الصيّب: المطرُ الغزير، أو السحاب الممطر مطراً غزيراً.

هذا تمثيل لفريق آخر من المنافقين لم تنطمس بصيرته انطماساً تامّاً، بل يتلامح له نور الحقّ أحياناً، فيراه، فيسير فيه قليلاً، ويَسْمَعُ إنْذَارات آيات الله أحياناً، فَيَرْهَبُ، لكنَّه إذا اشتدّت عليه سَدَّ سَمَعَهُ عنها، فيعود إلى حالته الأولى.

هذا الفريق من المنافقين صنف متردد مذبذبٌ حيران، لم يستقِرَّ نهائيّاً في موقع الكفر، ولم يحب أن يختار بحزم موقع الإِيمان والعمل بمقتضاه، فصورة حالته العامّة، تشبه صورة جماعَةٍ في مفازة مُظْلِمة بليلٍ دامسٍ، جَاءَهُمْ سحابٌ مُمْطِرٌ، فأمطر عليهم مطراً غزيراً، فأصابتهم الحيرة يبتغون النجاة، ورافق ذلك رعْدٌ وبرقٌ، فكانوا ضمن هذا الحدَثِ على مفازتِهِمْ في مَطَرٍ غزيرٍ مخيفٍ، وظُلُمَاتٍ مُوحشات، ورعْدٍ يثير الرُّعْب، وبرقٍ يتلامع بالضَّوْء.

فَهُمْ كُلَّمَا تواتَرَ عليهم الرّعْدُ الشديد المخيف القاذف بالصواعق، يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفاً من الصواعق أن تأتيهم بالموت، وكلَّما أضاء لهم البرق مَشَوْا فيه على قَدْرِ مَا يكشف لهم ومِيضُه، فخُطُواتُهم على طريق الهدى قليلة بقَدْر الومضات، وكُلَّمَا انْتَهَتْ ومَضَاتُهُ السَّرِيعات الخاطفات تَوَقَّفُوا في مواقِعهم حَيَارَى، لا يدرون كيف يَتَصَرَّفون.

إنَّ أهل هذا الصنف من المنافقين لم يَصِلُوا إلى مرحلة العناد والإصرار على الكفر، كما وصَلَ الصنف الأوّل، بل ما زالت لدَيْهم بقيّةُ خَيْرٍ تَنْزِعُ في داخلهم إلى الاستجابة لدعوة الحق، لكنَّها بقيّة ضعيفة.

لذلك فهم لم يَصِلُوا بَعْدُ إلى حضيض: {صُمٌّ بُكْمٌّ عُمْيٌّ فَهُمْ لاَ يَرْجعُونَ} كما وَصَل إليه أهل الصنف الأول، بل هم في مستوى: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} لكنّ الله عزّ وجلّ حكيم رحيم لا يَطْمِسُ أسماعهم وأبصارهم حتَّى يتخذوا بأنفسهم أسباب ذلك.

هذا التشبيه أيضاً هو من قسم "التمثيل" فوجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدّد، والتشبيه قائم على تمثيل صورة ذات عناصر مختلفة بصورة ذات عناصر مختلفة، والجامع بينهما وجْهُ شبَهٍ يُمثِّلُ أيضاً صورة منتزعة من عناصر متعددة.

* ومنه قول ابن المعتزّ: والشَّمْسُ كالْمِرْآةِ في كَفِّ الأَشَلّ.

شبّه على طريقة التمثيل الشمس في استدارتها وما يُشاهد من حركة الضياء الذي تبثُّه بمرآة مستديرة يحملها أشَلُّ بكفّه فهي ترتجف تبعاً لحركة كفّه.

فوجه الشَّبه منتزع من متعدِّد العناصر، مع أنّ المشبّه مفرد، وهي الشمس، لكنّ العناصر التي انتزع منها وجه الشبه متعدّدة، يظهر منها اللّون، والاستدارة، وحركة الارتجاف التي يُشَاهد بها النور يرتجف، حتَّى يُرَى الشُّعَاع كأنَّهُ يَهُمُّ بأن يَنْبَسط حتَّى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض.

ومنه قول المهلّبيّ الوزير:

* والشَّمْسُ مِنْ مَشْرِقِهَا قَدْ بَدَتْ * مُشْرِقَةً لَيْسَ لَهَا حَاجِبُ*

*كَأَنَّهَا بوْتَقَةٌ أُحْمِيَتْ * يَجُولُ فِيهَا ذَهَبٌ ذَائبُ*

شبه الشمس ببوتقة الصائغ التي يُذِيب بها الذّهبَ على النار، ووجه الشبه هنا منتزع من متعدّد، إذ هو الهيئة الحاصلة من لون الذهب، وحركته الرجراجة وهو ذائب، واستدارة البوتقة في هيئة مختلطة مركّبة.

* ومنه قول ابن المعتزّ:

*وكأنَّ الْبَرْقَ مُصْحَفُ قَارٍ * فانْطِبَاقاً مَرَّةً وانْفِتَاحاً*

قَارٍ: أي: قارئٍ، حذفت الهمزة فصارت قاري، وبالتنوين حذفت الياء.

في هذا التمثيل تصوير لحركة متعددة الأشكال في صورة جامعة.

ثانياً - "كُلُّ من ركني التشبيه إمّا أن يكون مُدْركاً بالحسّ الظاهر أو غير مُدْرَكٍ به":

ولاحظ البيانيون الأقسام النّاتجة عن احتمالات كون المشبّه والمشبّه به ممّا يدركُ بالحسّ الظاهر أولا يُدْركُ به، فظهر لهم ما يلي:

إنّ كلّ معلوم إمّا أن يكونَ شيئاً يُمْكِن إدْراكُه بالْحَواسّ الخمس الظَّاهرة: (السمع والبصر والشَّمّ والذَّوْقِ واللّمس) وإمّا أن يكون معنىً من المعاني يدرك بالفكر كالأفكار، أو شُعوراً يُحسُّ به الوجدان، كالعواطف والانفعالات، وكلّ أنواع الشعور النَّفْسِيّ الباطن.

وبالتأمّل نستطيع أن نتبيَّن أنَّ تمثيل شيءٍ بشيءٍ قد يكون بين مُدْرَكَيْن بالحسّ الظاهر، كمرئيّيْنِ بالعين، وقد يكونُ بين مُدرَكَيْنِ بالحسِّ الباطن كالمدركات الفكريّة والوجدانية، وقد يكون أحدهما مُدرَكاً بالحسّ الظّاهر والآخر مُدركاً بالحسِّ الباطن، وقد تأتي الصورة المدرَكَةُ في طرفي التشبيه أو في أحدهما مختلطة من القسمين.

فالتقسيم العقليّ يُقَدِّم لنا خمسة أقسام:

القسم الأول: تشبيه مُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر بمُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.

القسم الثاني: تشبيه مُدْرَكٍ فِكْرِي أو وِجداني بمُدْرَكٍ فِكْرِي أو وِجداني.

القسم الثالث: تشبيه مُدْركٍ فِكْرِيّ أو وجْداني بمدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.

القسم الرابع: تشبيه مُدْرَكٍ بالحسِّ الظَّاهر بمُدْرَكٍ فِكْريِّ أو وِجْداني.

القسم الخامس: الصورة التمثيلية المختلطة الّتي تمتزج فيها الأشياءُ الْمُدْرَكة بالحسّ الظاهر بالمدركات الفكريّة أو الوجدانيّة.

* فمن أمثلة "القسم الأوّل" تشبيه العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت، بالنبات الذي يعود إلى الحياة عن طريق بزوره، بعد حصاده الذي يكون به موت حياته الخضراء.

فالصورتان بينهما تماثل، وكلتاهما ممّا يدركُ بالحسّ الظاهر.

* ومن أمثلة "القسم الثاني" تشبيه الخشية من النّاس بالخشية من الله، وتشبيه لذّة الوصول إلى المعرفة بلذّة الظفر بالملك، أو الانتصار على الأعداء.

فكلُّ من المشبه والمشبه به وِجْداني.

* ومن أمثلة "القسم الثالث" تشبيه العلم بالنور، والإِيمان بالبصر، والجهل بالعَمَى، والكفر بالسير في الظلمات، وتشبيه من يتخذ من دون الله أولياء بالعنكبوت التي تنسج لنفسها بيتاً واهياً، وتشبيه من ينقض العهد بالمرأة الحمقاء الّتي نقضت عزلها من بَعْد قُوّةٍ أنكاثاً، وتشبيه إبطال أعمال الذين كفروا بربّهم برمادٍ اشتدَدَّتْ به الريح في يومٍ عاصف فنسفته وبدّدته فلم تدع منه في موقعه شيئاً.

فكلُّ هذه التشبيهات هي من تشبيه مُدْركٍ فكريّ أو وجْدانيٍّ بمدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.

* ومن أمثلة "القسم الرابع" تشبيه الأمّ بالمحبّة، وتشبيه القاضي العادل بالعدل، أو بأحكام الشرع، وتشبيه الأعداء بالحقد والكراهية، وتشبيه الانفجارات الناريّة أو البركانيّة بالغيظ العنيف في نفوس المغتاظين.

فكل هذه التشبيهات هي من تشبيه مُدْركٍ بالحس الظاهر بمُدْرَكٍ فكريٍّ أو وِجْدَاني.

* ومن أمثلة "القسم الخامس" تشبيه الحياة الدنيا المنحصرة باللَّعِب واللَّهْوِ والزّينة والتفاخُر والتّكاثر، بغيثٍ من السّماء أعْجَبَ الكُفَّارَ نباتُه، ثُمَّ يهيج فتراه مُصْفَرّاً، ثمّ يأتي حصاده، فيتكسَّرُ ويتحطَّمُ وينتهي.

فالمشبَّهُ وهو الحياة الدنيا فيه أشياءُ مُدْرَكَةٌ بالحسّ الظاهر، وأشياء فكرية، وأشياء نفسيّة وجدانية، وكلُّ هذِهِ الأمور ممتزجة في لوحة متحرّكة بحركة الزّمن، والمشبّه به لوحة صغرى من الحياة الدّنيا نفسها، وفي هذه اللّوحة عناصر: منها غيث السماء، نجم عنه في الأرض نبات بديع، تحرَّكتُ له نفوس الزّراع بالإِعجاب (وهذا أمر وجداني) ثم انتهت دور حياته فاصفر وتكسّر وانتهى.

ثالثاً - "كُلُّ من ركني التشبيه إمَّا أن يكون منتزعاً من الواقع أو في الخيال":

لاحظ البيانيون ما ينتج من أقسام عن احتمال كون التشبيه صورةً منتزعة من الواقع أو من الخيال، فظهر لهم ما يلي:

لدى تتبع التشبيهات يتبيّن لنا أن الصورة الواردة في التشبيه:

* إمّا أن تكون صورة منتزعة من الواقع.

* وإمّا أن تكون صورة منتزعة من الخيال.

أمثلة:

(أ) من أمثلة الصورة التشبيهيّة المنتزعة من الواقع تشبيه الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، بزارعٍ يزرع بزوره في تراب رقيق مبسوط على صخرة صمّاءَ مَلْسَاء، إذا نزل عليها غيث السّماء سَفحَ التراب والبزور معه، وجرفها السَّيْل، فترك مزرعته حجراً صَلْداً أمْلَسَ لا شيء عليه، فهو لا يطمع بنبات، ولا ينتظر حصاداً.

فالصورة التمثيليّة في هذا التشبيه منتزعة ومقتبسةٌ من الواقع في الأحداث الكونيّة.

ومنها أيضاً تشبيه الذي يُنْفِق مالَهُ ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ وتثبيتاً من نفسه لقاعدة الإِيمان في قلبه ولفضيلة خُلُق الجود عنده، بزارع حصيف عاقل، يزرع حبَّهُ في جنَّةٍ سَمِينَةِ التُّرْبَةِ، بربْوة لا تَجْرِفُها السيول، فنَزَل عليها المطرُ الغزير، فآتت أُكُلَهَا ضِعْفَيْن، فإنْ لَمْ يُصِبْهَا المطَرُ الغزير كفاها الطَلَّ (= المطر الخفيف) لتُعْطِيَ الثمر الطيّب المضاعف.

إنّ الصُّورة التمثيليَّة في هذا التشبيه صورة منتزعة ومقتبسةٌ من الواقع في الأَحداث الكونية.

(ب) ومن أمثلة الصورة التشبيهيَّةِ المنتزعة من الخيال، تشبيه طَلْع شجرة الزَّقوم التي تخرج في أصل الجحيم بصورة رؤوس الشياطين.

إنّ الناس لا يعرفون صورة رؤوس الشياطين، لكن في خيالهم صورة قبيحة منفّرة مخيفة للشياطين ورؤوسهم، وهي أقبح وأخوف صورة يتخيّلونها.

وقد جرى تشبيه طلع شجرة الزقوم في جهنم بأقبح صورة وأخوفها يمكن أن يتخيّلها الناس. إنّ الشياطين أقبحُ وأخبثُ ما في الوجود، والصورةُ التي يَنْسُجُهَا خَيَالُ النّاس لهم هي أقبح وأخبثُ صورة.

فالتمثيل بها تمثيل منتزعٌ من خيال الناس، لا من الواقع، وقد يكون الواقع كذلك، لكنَّ المخاطبين قد خوطِبُوا على مقدار ما في خَيَالِهم.

وفي عرض هذا التشبيه يقول الله عزّ وجلّ في سورة (الصافات/ 37 مصحف/ 56 نزول):

{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ}.

{نُّزُلاً}: النُّزُل: المنزل. والنُّزُل: الرّزق وما يُهَيَّأُ للضَّيْفِ من ضيافة، والجمع الأنزال، وهي المآكل التي يُتَقَوَّتُ بها، وبهذا المعنىَ فُسِّرَتْ كلمة "نُزُلاً" هنا.

{شَجَرَةُ الزَّقُّومِ}: هي شجرة خبيثة تَنْبُتُ في أصل الجحيم، وقد جاء ذكرها في القرآن في ثلاثة مواضع.

{إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ}: أي: جعلْناها إحدى وسائل تعذيبهم في جهنّم، إذ كلمة "الفتنة" تأتي بمعْنَى العذاب، وأصل الفتنة الصهر بالنار للمعدن، كالذهب والفضة لتمييز الرديء من الجيّد.

رابعاً - "تشبيه التسوية وتشبيه الجمع":

ولاحظ البيانيون مَا يَنْتُجُ عن احتمال تعدّد المشبّه مع اتّحاد المشبَّه به، أو تعدُّدِ المشبَّهِ به في حال اتّحاد المشبَّه في العبارة الواحدة، فظهر لهم قسمان:

القسم الأول: تشبيه التسوية.

القسم الثاني: تشبيه الجمع.

تشبيه التسوية:

قد يتفنَّن الأديب فيأتي بأكثر من مفرد على أنّ كلّ واحد مشبّه، ويأتي بمشبَّهٍ به واحد في العبارة الواحدة.

وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "تشبيه التسوية" ومثَّلُوا به بقول الشاعر:

*صُدْغُ الْحَبِيبِ وَحَالِي * كِلاَهُمَا كاللَّيَالِي*

*وَثَغْرُهُ فِي صَفَاءٍ * وَأَدْمُعِي كالّلآلِي*

تشبيه الجمع:

وقد يتفنَّنُ الأديب فيأتي بمشبَّهٍ واحد، ويأتي بمُشبَّهٍ به متعدّدٍ في العبارة الواحدة.

وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "تشبيه الجمع" ومثّلوا له بقول البحتري:

*بَاتَ نَدِيماً حَتَّى الصَّبَاحْ * أَغْيَدُ مَجْدُولُ مَكَانِ الْوِشاحْ*

*كَأَنَّمَا يَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ * مُنَضَّدٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ أَقَاحْ*

الأغْيَدُ: من الناس الناعم الذي يَتَمايل ويتثنَّى في لِينٍ:

مَجْدولُ مَكانِ الوِشَاح: أي: ملفوفُ القامة حَسَنُها، والوِشاحُ نسيج عريضٌ يُرَصَّعُ بالجوهر، تَشُدُّهُ المرأة بين عاتقها وكَشْحَيْها.

مُنْضَّدٌ: مرصوفٌ بتناسُق.

أَقَاح: جمع أُقْحُوانَة، وهي نبت زَهَرُه أصفر أو أبيض، ورقه كأسنان المنشار، تشبّه الأسنان بالأبيض منه.

المشبّه في هذا القول أسنان الأغيد، والمشبّهُ به متعدّد، هو: اللؤْلُؤُ المنضّد، والْبَرَدُ، والأقاح.

* وبقول الصاحب ابن عبّاد في وصْفِ أبياتٍ أهْدِيَتْ إليه:

*أتَتْنِيَ بالأَمْسِ أَبْيَاتُهُ * تُعَلِّلُ رُوحِي برَوْحِ الْجِنَانِ*

*كَبَرْدِ الشَّبَابِ وَبَرْدِ الشَّرَابِ * وَظِلِّ الأَمَانِ ونَيْلِ الأَمَانِي*

*وعَهْدِ الصِّبَا وَنَسِيمِ الصَّبَا * وَصَفْوِ الدِّنَانِ وَرَجْعِ الْقِيَانِ*

المشبّه: الأبيات التي أهديت للصّاحب بن عبّاد.

المشبّه به: ثمانية أشياء جاءت في بيتين.

* ومنه قول امرئ القيس:

*كأنّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ * وَرِيحَ الْخُزَامَى وَنَشْرَ الْقُطُرْ*

*يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا * إِذَا طَرَّبَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرُ*

الْمُدَام: الخمر.

صَوْبُ الغمام: مطره النافع الذي لا يؤذي.

الْخُزَامَى: نبات ذو رائحة عَطِرة.

ونَشْرَ الْقُطُر: النَّشْرُ: الريح الطيبة. الْقُطُر: الْعُودُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ به.

الْمُسْتَحِر: يقال: اسْتَحَرَ الطّائر إذا غرَّدَ في السَّحَر، فهو مُسْتَحِرٌ.

المشبّه: رِيقُ صاحبته التي يصف.

المشبّه به: الْمُدام - وصوبُ الغمام - وريح الخزامى - ونشر العود الذي يُتبخَّرُ به.

وهذا من التشبيه المقلوب الذي سيأتي بيانه.

خامساً - "التشبيه الملفوف والتشبيه المفروق":

ولاحظ البيانيون مَا ينتج عن احتمال ضمّ عدّة تشبيهات لكل مشبّهٍ فيها مشبَّه به، في كلام واحد أو متتابع، فظهر لهم قسمان:

القسم الأول: التشبيه الْمَلْفُوف.

القسم الثاني: التشبيه المفروق.

التشبيه الملفوف:

قد يتفَنَّن الأديب فيأتي بأكثر من مشبّه، ويأتي بَعْد ذلك لكلّ واحدٍ بمشبّه به.

وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "التشبيه الملفوف" ومثَّلُوا له بقول امرئ القيس يصف عُقاباً بكثرة اصطيادها الطيور:

*كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابساً * لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ والْحَشَفُ الْبَالِي*

فجاء أوّلاً بِمشَبَّهَيْن هما: القلوب الرطبة، والقلوب اليابسة من قلوب الطير. وجاء بعد ذلك لكلّ منهما بمشبَّه بِه منفصل عن الآخر، هما:

الْعُنَّابُ: وهو ثمر أَحْمَر لشجرة تُسَمَّى العناب أيضاً، وقد شبَّه به القلوب الرَّطْبَة.

والحشَفُ البالي: وهو يابسُ التَمْرِ الذي ذهب ماؤه وكُلُّ خير فيه، وقد شَبَّه به القلوب اليابسة من قلوب الطير.

التشبيه المفروق:

وقد يتفنَّنُ الأديب فيأتي بمشبَّه ومَشَبَّهٍ به، ويُتْبعُهُ بمشبَّهٍ وَمُشبَّهٍ به، وقد يزيد في كلام متتابع، دون فواصل.

وقد راق للبيانيين هذا الفنّ فوضعوا له اسم "التشبيه المفروق" ومثّلوا له بقول المرقَّش الأكبر:

*النَّشْرُ مِسكٌ. والْوُجُوهُ دَنَا * نِيرٌ وَأطْرَافُ الأَكُفِّ عَنَمْ*

سبق شرح هذا البيت.

ومنه قول المتنبي يصفُ حسناءه:

*بَدَتْ قَمَراً ومَالَتْ خُوط بَانٍ * وَفَاحَتْ عَنْبراً وَرَنَتْ غَزَالاً*

خُوط بانٍ: القضيب، وجمعه خِيطَان.

والبان: شجر سَيْطُ القوام لينٌّ.

سادساً - "التشبيه المقلوب":

ولاحظ البيانيون أنّ عاقد التشبيه قد يحلو له أحياناً أن يجعل المشبَّهَ في كلامه مشبّهاً به، ويجعل المشبّه به مُشَبَّهاً، ليَدُلَّ بصنيعه هذا على أنّ وجود وجْهِ الشّبَه في المشبَّه أقوى وأظهر من وجوده في المشبَّهِ به.

وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "التشبيه المقلوب".

أمثلة:

(1) قول البحتري يصف بَرْقَ السحابة بتبسُّم ممدوحه:

*كَأَنَّ سَنَاهَا بِالْعَشِيّ لِصُبْحِهَا * تَبَسُّمُ عِيسَى حِينَ يَلْفِظُ بِالْوَعْدِ*

لقد قلب التشبيه ليُشْعِرَ بأنَّه يرى تبسُّم ممدوحه عيسَى أكثر ضياءً من برق السحابة التي استمرّ يتلامع طَوال اللّيل، فتبسُّمه حين يلْفِظُ بالوعد ينبعث منه سَناً معنويٌّ يسُرُّ القلوب سروراً لا يكون حين يتلامع سنا البرق.

(2) قول محمد بن وُهَيْبِ الْحِميَريّ (متشبع من شعراء الدولة العباسية - بصريّ الأصل بغدايُّ النشأة) يمدح الخليفة:

*وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ * وَجْهُ الْخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ*

قلب التشبيه ليُشْعِر بأنّه يرى وجه الخليفة أكثر إشراقاً وضياءً من غُرَّة الصباح.

(3) قول الشاعر:

*أحِنُّ لَهُمْ وَدُونَهُمُ فَلاَةٌ * كَأَنَّ فَسِيحَهَا صَدْرُ الْحَليم*

فشبّه اتساع الفلاة بصدر الحليم، على طريقة التشبيه المقلوب.

سابعاً - "التشبيه الضمني":

ولاحظ البيانيُّون أنّ عاقد التشبيه قد يَتْرُك الطريقة المعهودة في ذكر المشبَّه والمشبَّهِ به، ويَتّخِذُ طريقة غيْرَ صريحة في التشبيه، وذلك بأن يأتِيَ بكلام مستقلّ مقرون بكلام آخر، وقد اشتمل هذا الكلام الآخر على معنًى يُفْهَمُ مِنْهُ ضمناً تشبيهٌ يناسب الكلام المستقلّ الذي اقترن به.

أمثلة:

(1) قول المتنبيّ يمْدَحُ الْحُسَيْنَ بْنَ عليّ الْهَمَدَانِي ويَمْدَحُ أَباهُ:

*وَأصْبَحَ شِعْرِي مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ * وَفي عُنُقِ الْحَسْنَاءِ يُسْتَحْسَنُ الْعِقْدُ*

ما جاء في الشطر الثاني ليس تشبيهاً وفق المعروف من عبارات التشبيه، لكنْ يُفْهَمُ مِنْهُ ضِمْناً تشبيهٌ، وهو أنّ شِعْرَه في ممدوحَيْهِ يشبه الْعِقْدَ النفيس في عُنُق المرأة الحسناء.

(2) قول المتنبي أيضاً يمدَحُ "أبا أيوب أحمد بن عمران":

*كَرَمٌ تَبَيَّنَ في كلاَمِكَ مَاثِلاً * ويَبِينُ عِتْقُ الْخَيْلِ فِي أَصْوَاتِهَا*

عِتْقُ الخيل: كَرَمُها وأصالَتُها وتَفَوُّقُها في السَّبْق.

في أصواتها: أي: في صهيلها، أي: إنّ الفرس الكريم إذا صَهَل عُرِف عِتْقُهُ وكَرَمُهُ بصهيله.

ما جاء في الشطر الثاني ليس تشبيهاً وفق المعروف من عبارات التشبيه، لكن يُفْهَمُ منه ضمناً تشبيه، وهو أنّ كرَم ممدوحه يظهر في كلامه، كما يظهر عِتْقُ الخيل في صَهِيلها.

(3) قول البحتري يَمْدَحُ "مُحَمَّد بْنَ عَلِيٍّ الْقُمّي":

*ضَحُوكٌ إلَى الأَبْطَالِ وَهُوَ يَرُوعُهُمْ * وللسَّيْفِ حَدٌّ حِينَ يَسْطُو ورَوْنَقُ*

يفهم من الشطر الثاني ضمناً تشبيهٌ، وهو أن ممدوح الشّاعر كالسيف له صفتان، يسُرُّ الأبطال بإشراقه وبسماته، ويروعهم بسطوة سلطانه.

(4) قول أبي العتاهية (هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم كوفي مولداً ونشأة - الولادة والوفاة "130 - 211هـ" معظم شعره مواعظ وحكم):

*تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا * إنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْري على الْيَبَسِ*

الشطر الثاني تضمَّنَ تَشبيها، ولم يأت على نسق التشبيه المعهود من ذكر المشبّه والمشبَّه به.

وإيضاح هذا التشبيه الضمني هو أنّ مَنْ لم يسْلُكْ مسَالِكَ النَّجَاةِ تكون حالهُ مثل حال السَّفينة البحريّة إذا وُضِعَتْ في البرّ على اليابسة، فإنَّها لا تجري.

(5) قول أبي تمّام:

*اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الْحَسُو * دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ*

*النَّارُ تأَكُلُ بَعْضهَا * إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ*

البيت الثاني اشتمل على تشبيهٍ ضمني واضح الدلالة.

 (6) وقول أبي تمّام أيضاً:

*لَيْسَ الحِجَابُ بِمُقْصٍ عَنْكَ لي أَمَلاً * إِنَّ السَّمَاءَ تُرَجَّى حِينَ تَحْتَجِبُ*

الشطر الثاني اشتمل على تشبيه ضمنيّ واضح الدلالة.

(7) قول المتنبي من قصيدة يرثي فيها والدةَ سيف الدولة ويمدحُهُ فيها:

*فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ * فَإِنّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ*

الشطر الثاني اشتمل على تشبيه ضِمْنِيّ واضح الدّلالة، وقد ساقه مساق حُجَّةٍ يُثْبتُ فيها ما ادّعاه لسيف الدولة، من تفوّق على أنَام زمانه.

(8) قول أبي تمّام رثاء طفْلَيْن لعَبْد الله بن طاهر:

*لَهَفِي عَلَى تِلْكَ الشَّوَاهِدِ مِنهُمَا * لَوْ أُمْهِلَتْ حَتَّى تَكُونَ شَمَائِلا*

*إنَّ الْهِلاَلَ إِذَا رَأَيْتَ نُمُوّهُ * أَيْقَنْتَ أَنْ سَيَصِيرُ بَدْراً كامِلا*

البيت الثاني اشتمل على تشبيه ضِمْنِيّ واضح الدلالة.

ثامناً - "التشبيه المكني":

هو تشبيه مُضْمَرٌ لم يُذْكر فيه لفظ المشبّه به، وإنّما ذُكِرَ فيه بعض صفاته، أو بعض خصائصه، أو بعض لوازمه القريبة أو البعيدة كنايةً عنه.

وأصله تشبيه بليغٌ، إلاَّ أنّه بحذف لفظ المشبّه به والكناية عنه بما يدُلُّ عليه من صفاته، أو خصائصه، أو لوازمه، صار أدقّ وأبْلَغ وأكثر بُعْداً عن التعبير المباشر.

وربّما كان أبلغ أيضاً من الاستعارات القريبة، إذا كانت حال المخاطب تقتضي كُلاًّ منهما.

كأن يقول قائل: "ناديتُ خالداً فجاءني بجناح السُّرعة".

فإننا نلاحظ في هذا المثال أنّ القائل يشبّه مجيء خالد أو سُرْعَته التي جاء بها بسرعة طائر يطير بجناحيه، لكنَّه حذفَ المشبّه به الذي لو صرَّح به لكان تعبيره من قبيل التشبيه البليغ كما هو ظاهر.

إذ يكون الكلام كما يلي: فجاءني طائر سريعاً، أو فجاءني مجيء طائر سريع. ثم حذف المشبّه به ورمز إليه بشيءٍ من صفاته وهو جناحه الذي هو أداة سرعة حُضُوره، فكان التعبير فجاءني بجناح السّرعة.

أي: فجاءني كطائر يطير بالجناح الذي هو أداة سرعته في قطع المسافات.

ويقتضي وضع بعض صفات المشبّه به أو خصائصه أو لوازمه تصرفات في التعبير ملائمات لها، وهذه لا تغيّر من جوهر التشبيه المكنّي شيئاً.

أقول:

إنّ هذا التعبير وأمثاله فيما رأى هو من قبيل التشبيه البليغ المكني، ونقول فيه اختصاراً: "تشبيه مكني" كما قال البيانيّون في نظيره من الاستعارة: "استعارة مكنيّة".

ولم يذكر البيانيّون هذا القسم من أقسام التشبيه، لكن يُفْهم من بعض كلام الخطيب القزويني، إذْ ذهبَ إلى غير ما ذهب إليه السَّكاكي في الاستعارة التخييليّة، كما سيأتي بمبحث الاستعارة إن شاء الله.

وهنا ألاحظ أنّ أمثلة كثيرة اختلطت على الباحثين والكاتبين في علم البيان، هل يجعلونها من التشبيه أمْ من الاستعارة التي يسمّونها استعارة تخييليّة؟.

وكان ذلك منهم بسبب عدم فَرْزِ قسم التشبيه المكنّي عن التشبيه البليغ الذي يُذْكَرُ فيه المشبَّهُ باللفظ الدّالّ عليه مباشرة، ويُغْضُونَ النظر عن الضابط الذي ذكروه للفرق بين الاستعارة والتشبيه، وهذا الفرق يقضي بأن لا يجتمع في الكلام المشبَّه والمشبَّه به على وجه يُنْبِئ عن التشبيه، في وجه من الوجوه السّتّة الآتي شرحُها مع أمثلتها، لدى الكلام على الاستعارة، وهي:

"أن لا يكون المشبّه به خبراً عن المشبَّه - وأن لا يكون المشبّه به حالاً للمشبَّه - ولا صِفَةً له - ولا مضافاً إلى المشبَّه - ولا مَصْدراً مُبَيِّناً لنوعه - وأن لا يكون المشبَّهُ مبيِّناً في الكلام للمشبَّه به".

فالعبارات التي يكون فيها شيءٌ من هذه الوجوه السّتّة تكون من التشبيه لا من الاستعارة، بحسب ما قرَّروا، وهو حقٌّ.

غير أنّ كثيراً من الأمثلة الّتي يوردها بعض البيانيين في الاستعارة، ويعتبرونها من الاستعارة القائمة على التخييل، هي من التشبيه المكِنّي لدى التحليل.

أمثلة:

المثال الأول: "علي بن أبي طالب فارس شجاعٌ ذو بأْسٍ في الحرب يفترس أقرانه" في هذا المثال تشبيه "علي بن أبي طالب" بالأسد على طريقة التشبيه البليغ، لكن لم يُذكر لفظ المشبّه به في العبارة وهو لفظ "الأسد" وإنما ذكر بعض صفاته بأسلوب التشبيه المكنيّ.

ولا غرو أنّ هذا التشبيه المكنّي أدقُّ وأبلغ من التشبيه البليغ، لابتعاده عن ذكر لفظ المشبّه به، وليس هو من الاستعارة لاجتماع المشبَّهِ وصفةٍ من صفات المشبَّهِ به، على وجْهٍ يُنْبِئُ عن التشبيه.

المثال الثاني: قول الكُمَيْت:

*خَفَضْتُ لَهُمْ مِنّي جَنَاحَيْ مَوَدةٍ * إِلَى كَنَفٍ عِطْفَاهُ أَهْلٌ ومَرْحَبُ*

الكنف: جانب كلّ شيء، والظِّلّ الذي يُسْتظلُّ به، ومن الإِنسان حِضْناه عن يمينه وشماله.

الْعِطْف: من الإِنسان جانبه من لَدُنْ رأسِه إلى وَرِكه.

شبه الكُمَيْتُ المودّة بالطائر، على طريقة التشبيه البليغ الذي أضيف فيه المشبه به إلى المشبَّه "طائر المودّة" أي: المودّة التي كالطائر، ثم حذف المشبَّهَ به، ورمز إليه بأخصّ صفاته الّتي تنخفض حناناً ومودّة، وهما الجناحان، فأضاف الجناحَيْن للمودّة، فقال: "جناحَيْ مودّة".

وناسب هذا التشبيه استعمال فعل الخفض، فقال: "خَفَضْتُ" وجعل جناحي مودّته ينخفضان إلى كَنَفه، أي: إلى حضنيه عن يمينه وشماله.

وبما أنّ كَنَفَه يشتمل على عِطْفَيْه فقد رأى أن يجعل أحد هذين العِطْفَيْن أهلاً، وأن يَجْعَلَ الآخر مرحباً، على طريقة التشبيه البليغ، أي: فهو لكثرة حسن استقباله لضيوفه كان أحَدُ عِطْفَيْه كالأهل الذينَ يستقبلون بغاية الودّ، وكان العطِفُ الآخر منه كالعبارات التي تُقَدَّم في الترحيب، أو كالمكان الرَّحْبِ الذي يَتَّسع لمن ينزل فيه، ولكن حذَف أداة التشبيه ليكون تشبيهاً بليغاً، بمعنى أنّ المشبَّه هو عَيْنُ المشبَّهِ به ادّعاءً.

المثال الثالث: قول الله عزّ وجلّ في سورة (الرعد/ 13 مصحف/ 96 نزول):

{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَائِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.

قوله تعالى: {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}.

جاء في هذه العبارة تشبيه الْعَهْدِ بالْحَبْلِ الْمُبْرَمِ الّذِي أُحْكِمَتْ تقويته بالإِبْرام، وهو إيثاقه، أي: إحكام تقويته.

ثُمَّ حُذِفَ المشبَّه به، ورُمِزَ إلَيْه ببَعْضِ صِفَاتِهِ، فجاء النقض الذي يشبه إبطال الْعَهْد في عبارة "يَنْقُضُونَ" وجاء الإِيثاق الذي يشبه إعطاء العهد للالتزام به، في عبارة "من بَعْد ميثاقه".

وأصل الكلام: يُبْطِلُون العهد إبطالاً يشبه نقض الحبل الْمُبْرمِ الذي أُحْكِم إيثاقاً، الذي يُشْبِهُ إعطاء العهد الذي عاهدوا عليه مُوَثِّقين له بِالأيمان بالله.

المثال الرابع: قول الله عزّ وجلّ في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) بشأن الإِحسان إلى الوالدين:

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}.

في هذا المثال تشبيه التَّذَلُّلِ لِلْوَالِدَيْنِ بتذّلل الطائر حين يخفض جناحَيْهِ أو جناحَه مُنْكَسِراً لفراخِه أو لزوجه أو لغيرهما، ولكِنْ أُضْمِر التشبيه، فلم يُذْكَرْ لفظُ المشبّه به، وإنّما كُنِّيَ عَنْه بشيءٍ من صفاته وهو الجناح، وأضيف هذا المكنَّى به إلى المشبَّه.

وهذا على ما يظهر هو من التشبيه البليغ المكنّى فيه عن المشبَّه به ببعض صفاته.

ومعنى الجملة على هذا التحليل: ليكُنْ ذُلُّكَ لوالِدَيكَ كطائرٍ يخفض جناحه تذلُّلاً من الرَّحْمَة، فَحُذِفَتْ أوّلاً أداة التشبيه فصار تشبيها بليغاً، ثمّ حُذِفَ لفظ المشبّه به، ورُمِزَ إليه بشيء من صفاته وهو الجناحُ الذي يُسْتَعْمَلُ خفضُه للدلالة به على التذلُّل والرَّحْمَة، فصار تشبيهاً مَكْنِيّاً.

وناسَبَ هذا التشبيهَ استعمالُ فِعل "الْخَفْض" في عبارة {واخْفِضْ لَهُما} وظَاهرٌ أن هذا الْخَفْضَ يَشْتَركُ فيه المشبَّهُ والمشبَّهُ به، فالطائر يخفض جناحه، والإِنسان يخفض جانبه الجسدي، ويخفض جانبه النفسيّ.

الخفض في اللّغة: التواضع ولين الجانب، والميلُ إلى المنخفض المطمئنّ من الأرض، وهو ضدّ الرفع.

وجعل هذا المثال من قبيل الاستعارة المكنية مخالف للقواعد الّتي وضعها البيانيون.

(6)

مختارات من التشبيهات والأمثال

* أسْمَى التشبيهات والأمثال وأبْدَعُها وأتْقَنُهَا ما جاء في القرآن المجيد، وقد بذَلْتُ في دراستها واستخراجها ما أمْلِكُ من طاقةٍ إنسانيّة، استقصاءً وتدبُّراً وتحليلاً، ودَوَّنْتُ ذلك في كتابي "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع" فأُحِيل عليه من شاء أن يستمتع وينتفع بالروائع من التشبيهات والأمثال، وبطائفة من الصّور الأدبيّة العجيبة.

* ويأتي من دونها ما جاء في تشبيهات الرسول محمّد صلى الله عليه وسلم، وقد انتقيت منها طائفة مختارة، وشرحْتُها شرحاً فكريّاً وأدبيّاً، وجعلْتُها ضمن كتابي "روائع من أقوال الرسول" وأحيلُ عليه أيضاً من شاء أن يطّلع على طائفةٍ مشروحةٍ من تَشْبِيهاتِ الرسول وأمثاله.

* وأقتصر هنا على عَرْض طائفة مختارة ممّا أبدعه المبدعون من الناس، من دون المصطَفَيْن الأخيار من الأنبياء والمرسلين:

(1) الشاعر الوصّاف "أبو عُبَادة الوليد بن عُبَيْد" الطائي الملقّب "بالبحتُرِي" نسبة إلى "بُحْتُر" أحد أجداده - وهو مولود في "مَنْبِج" قُرْب "حِمْص" من بلاد الشام سنة "205هـ" وصَفَ بِرْكَة الخليفة "المتوكّل على الله" من قصيدة يمدحه بها فقال:

*يَا مَنْ رأَىْ الْبِرْكَةَ الْحَسْنَاءَ رُؤيَتُهَا * وَالآنِسَاتِ إِذَا لاَحَتْ مَغَانِيها*

*بِحَسْبِهَا أَنَّهَا فِي فَضْلِ رُتْبَتِهَا * تُعَدُّ وَاحِدَةً والْبَحْرُ ثَانيِها*

*مَا بَالُ دِجْلَةَ كَالْغَيْرَى تُنَافِسُهَا * فِي الْحُسْنِ طَوْراً وَأَطْواراً تُبَاهِيها*

*أَمَا رَأَتْ كَالِئَ الإِسْلاَمِ يَكْلَؤُهَا * مِنْ أَنْ تُعَابَ وَبَانِي الْمَجْدِ يَبْنِيها*

*كَأَنَّ جنَّ سُلَيْمَانَ الَّذِينَ وَلُوا * إِبْدَاعَها فَأَدَقُّوا فِي مَعَانِيها*

*فَلَوْ تَمُرُّ بِهَا بِلْقِيسُ عَنْ عَرَضٍ * قَالَتْ هِيَ الصَّرْحُ تَمْثِيلاً وتَشْبِيهَا*

*تَنْصَبُّ فِيهَا وُفُودُ الْمَاءِ مُعْجِلَةً * كَالْخَيْلِ خَارِجَةً مِنْ حَبْلِ مُجْرِيها*

*كَأَنَّمَا الْفِضَّةُ الْبَيْضَاءُ سَائِلَةً * مِنَ السَّبَائِكِ تَجْرِي فِي مَجَارِيها*

*إذَا عَلَتْهَا الصَّبَا أَبْدَتْ لَهَا حُبُكاً * مِثْلَ الْجَوَاشِنِ مَصْقُولاً حَوَاشِيها*

*فَحَاجِبُ الشَّمْسِ أَحْيَاناً يُضَاحِكُهَا * وَرَيِّقُ الْغَيْثِ أَحْيَاناً يُبَاكِيها*

*إذَا النُّجُومُ تَرَاءَتْ في جَوَانِبَها * لَيْلاً حَسِبْتَ سَمَاءً رُكِّبَتْ فِيهَا*

*لاَ يَبْلُغُ السَّمَكُ الْمَحْصُورُ غايَتَهَا * لِبُعْدِ مَا بَيْنَ قَاصِيهَا وَدَانِيها*

*يَعُمْنَ فِيَها بأَوْسَاطٍ مُجَنَّحَةٍ * كَالطَّيْرِ تَنْقَضّ فِي جَوٍّ خَوَافِيها*

*لَهُنَّ صَحْنٌ رَحِيبٌ فِي أَسَافِلِهَا * إِذَا انْحطَطْنَ وبَهْوٌ في أَعَالِيهَا*

*تَغْنَى بَسَاتِينُهَا الْقُصْوَى بِرُؤْيَتِها * عَنِ السَّحَائِبِ مُنْحَلاًّ عَزَالِيها*

*كَأَنَّهَا حِينَ لَجَّتْ فِي تَدَفُّقِهَا * يَدُ الْخَلِيفَةِ لَمّا سَالَ وَادِيها*

*مَحْفُوفَةٌ بِرِيَاضٍ لاَ تَزَالُ تَرَى * رِيشَ الطَّوَاوِيِسِ تَحْكِيهِ وَتَحْكِيهَا*

هذه الأبيات من شعر البحتري بمثابة عقد منظوم من التشبيهات البديعة، فلا تكاد تجد بيتاً فيها إلاَّ معتمداً على وصْفٍ تشبيهي بديع، يسُرُّ أصحاب الأذواق الأدبيّة.

وما أجدني بحاجة إلى الشرح والتحليل، لوضوح التشبيهات الصريحة والضمنيّة فيها، ويُعِينُ في الحاشية على فهم ما قد يكون غامضاً منه.

والبحتري وصَّافٌ سَهْلُ العبارة واضح الأسلوب.

(2) ومن التشبيه الحسن قول القاضي أبي القاسم التَّنُوخِي:

*ولَيْلَةِ مُشْتَاقٍ كَأَنَّ نُجُومَهَا * قَدِ اغْتَصَبَتْ عَيْنَ الْكَرَى وَهْيَ نُوَّمُ*

*كَأَنَّ عُيُونَ السَّاهِرِينَ لِطُولِهَا * إِذَا شَخَصَتْ لِلأَنْجُمِ الزُّهْرِ أَنْجُمُ*

*كَأَنَ سَوَادَ اللَّيْلِ والْفَجْرُ ضَاحِكٌ * يَلُوحُ ويَخْفَى أَسْوَدٌ يَتَبَسَّمُ*

شبه عيون الساهرين في ليلة المشتاق الطويلة بالأنجم إذا شَخَصَتْ لْلأَنْجُم الزُّهْرِ في السماء.

وشبه صورة سواد اللّيل عند بدايات الفجر الذي يظهر ويخفى بإنسان ذي جسم أسود يتبسم.

(3) ومن التشبيه الضمنّي البديع قول أبي تمَّام:

*وَإِذَا أراد اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ * طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ*

*لَوْلاَ اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ * مَا كانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ*

عَرْفُ الْعُود: رائحة العود الذي يُتَبخَّرُ به.

(4) ومن التشبيه الصريح السَّهْلِ القريب ذي الطرافة، قولُ ابن الرومي يصف مُخْلِفاً بمواعيده في العطاء:

*يَذَلَ الْوَعْدَ لِلأَخِلاَّءِ سَمْحاً * وَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِ*

*فَغَدَا كالْخِلاَفِ يُورِقُ لِلْعَيْـ *ـنِ وَيَأْبَى الإِثْمَارَ كُلَّ الإِبَاءِ*

الخِلاَف: هو شجر الصَّفْصاف، له ورق، وظلُّ، ولَيس له ثمر.

(5) ومن التشبيه الذي جاء فيه المشبَّه مفرداً والمشبّه به مُرَكّباً، قول الصنوبري:

*وَكأنّ مُحْمَرَّ الشَّقِيـ * ـقِ إذا تَصَوَّبَ أَوْ تَصَعَّدْ*

*أَعْلاَمُ يَاقُوتٍ نُشِرْ * نَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدْ*

مُحْمَرَّ الشقيق: أي: الشقيق الْمُحْمَرّ، والمراد به شقائق النعمان، وهو وردٌ أحمر في وسطه سواد.

إِذَا تَصَوَّبَ: أي: إذا مال إلى أسْفل.

أو تَصَعَّدَ: أي: أو نَهَضَ إلى الأعْلَى مستقيماً.

شبّهَ شقائق النعمان تُحَرِّكُها الرّياح راكعةً ناهضة بأعلام من ياقوتٍ أحمر نُشِرْنَ على رِمَاحٍ من زبَرْجَدٍ أخضر.

(6) ومن التشبيه القريب المبتذل الذي رفع قيمته ما أضيف إليه من تتمَّات، قول أبي تمَّام يمدح الحسَنَ بن رجاء:

*سَتُصْبِحُ الْعِيسُ بي واللَّيْلُ عِنْدَ فَتىً * كَثِيرِ ذِكْرِ الرّضَا فِي سَاعَةِ الْغَضَبِ*

*صَدَفْتُ عَنْهُ وَلَمْ تَصْدِفْ مَوَاهِبُهُ * عَنِّي وَعَاوَدَهُ ظَنِّي فَلَمْ يَخِب*

*كالْغَيْثِ إنْ جئْتَهُ وَافَاكَ رَيِّقُهُ * وَإِنْ تَرَحَّلْتَ عَنْهُ لَجَّ فِي الطَّلَبِ*

صَدَفْتُ عَنْهُ: أي: أعْرَضْتُ عنه.

رَيّقُهُ: أفضلُه وأصْفاه.

لَجَّ في الطَّلُب: أي: لازمه وأبَى الانْصِرافَ عَنْه.

تشبيه ذي الجود بالغيث مكرور مبتذل، لكن أبا تمّام أضاف إليه ما رفع قيمة تشبيهه، فجعله داخلاً في درجات المرتبة العليا، بقوله: إنْ جِئتَهُ وافاك رَيّقُه، وإن تَرَحَّلْتَ عَنْهُ لَجَّ في طَلَبِكَ ليمنَحَكَ عطاياه، فهذه فكرةٌ طريفة بديعة، رفعت قيمة التشبيه بالغيث.

(7) ومن بديع التشبيه وصف ابْنِ الرُّمي عمَلَ خبّازٍ مرَّ به:

*مَا أَنْسَ لاَ أَنْسَ خَبَّازاً مَرَرْتُ بِهِ * يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بالْبَصَرِ*

*مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا في كَفِّهِ كُرَةً * وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالْقَمَرِ*

*إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ * فِي صَفْحَةِ الْمَاءِ تَرْمِي فِيهِ بالْحَجَرِ*

يَدْحُو: أي: يَبْسُط.

وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصر: أي: كَسُرْعَةِ اللَّمْحِ بالْبَصَر.

قَوْرَاءَ: أي: واسعةً منبسطةً مستديرة.

تَنْدَاح: أي: تعظم وتكْبُر وتتوسع.

(8) وقول ابن المعتز يصف غديراً تُشَكِّلُ الرّياح سطحه على شكل درعٍ مُذْهب، إذا كانت الشمسُ مُشْرِقَةً عليه:

*غَدِيرٌ تُرَجْرِجُ أَمْوَاجَهُ * هَبُوبُ الرِّياحِ وَمَرُّ الصَّبَا*

*إِذَا الشَّمْسُ مِنْ فَوْقِهِ أَشْرَقَتْ * تَوَهَّمْتَهُ جَوْشَناً مُذْهَباً*

هَبَوبُ الرّياح: أي: الرِّياحُ الْهَبُوبُ، وهي القويَّة الشديدة.

الصَّبَا: ريحٌ مَهَبُّهَا مِنَ الشَّرْقِ.

جَوْشَناً: أي: دِرْعاً.

(9) المقطوعة المنسوبة إلى الشاعرة الأندلسيّة: حَمْدَة "أو حَمْدُونة" بنت زياد:

*وَقَانَا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءِ وَادٍ * سَقَاهُ مُضَاعَفُ الْغَيْثِ الْعَميمِ*

*نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا * حُنُوَّ الْمُرْضِعَاتِ عَلَى الْفَطِيمِ*

*وَأَرْشَفَنَا عَلَى ظَمَأٍ زُلاَلاً * ألَذَّ مِنَ الْمُدَامَة لِلنَّدِيمِ*

*يَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيَةَ الْعَذَارَى * فَتَلْمَسُ جَانِبَ الْعِقْدِ النَّظيمِ*

في هذه المقطوعة من الإِبداع تشبيهُ ظلال الدوح بحنُوّ المرضعات على الطفل الفطيم. ومع أن تشبيه الحصَى بجواهر العقود تشبيه مكروه إلاَّ أنه اقترن هنا بما جعله رائعاً، هو توهُّمُ صباحة العقد من العذارى أن عقدها انقطع نظامه وتساقطت حبّاته في النهر، فهي تضع يدها عليه تتحسَّسُه.

 





دلَّت كلمة (نقد) في المعجمات العربية على تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها ، ولذلك شبه العرب الناقد بالصيرفي ؛ فكما يستطيع الصيرفي أن يميّز الدرهم الصحيح من الزائف كذلك يستطيع الناقد أن يميز النص الجيد من الرديء. وكان قدامة بن جعفر قد عرف النقد بأنه : ( علم تخليص جيد الشعر من رديئه ) . والنقد عند العرب صناعة وعلم لابد للناقد من التمكن من أدواته ؛ ولعل أول من أشار الى ذلك ابن سلَّام الجمحي عندما قال : (وللشعر صناعة يعرف أهل العلم بها كسائر أصناف العلم والصناعات ). وقد أوضح هذا المفهوم ابن رشيق القيرواني عندما قال : ( وقد يميّز الشعر من لا يقوله كالبزّاز يميز من الثياب ما لا ينسجه والصيرفي من الدنانير مالم يسبكه ولا ضَرَبه ) .


جاء في معجمات العربية دلالات عدة لكلمة ( عروُض ) .منها الطريق في عرض الجبل ، والناقة التي لم تروَّض ، وحاجز في الخيمة يعترض بين منزل الرجال ومنزل النساء، وقد وردت معان غير ما ذكرت في لغة هذه الكلمة ومشتقاتها . وإن أقرب التفسيرات لمصطلح (العروض) ما اعتمد قول الخليل نفسه : ( والعرُوض عروض الشعر لأن الشعر يعرض عليه ويجمع أعاريض وهو فواصل الأنصاف والعروض تؤنث والتذكير جائز ) .
وقد وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي للبيت الشعري خمسة عشر بحراً هي : (الطويل ، والبسيط ، والكامل ، والمديد ، والمضارع ، والمجتث ، والهزج ، والرجز ، والرمل ، والوافر ، والمقتضب ، والمنسرح ، والسريع ، والخفيف ، والمتقارب) . وتدارك الأخفش فيما بعد بحر (المتدارك) لتتم بذلك ستة عشر بحراً .


الحديث في السيّر والتراجم يتناول جانباً من الأدب العربي عامراً بالحياة، نابضاً بالقوة، وإن هذا اللون من الدراسة يصل أدبنا بتاريخ الحضارة العربية، وتيارات الفكر العربية والنفسية العربية، لأنه صورة للتجربة الصادقة الحية التي أخذنا نتلمس مظاهرها المختلفة في أدبنا عامة، وإننا من خلال تناول سيّر وتراجم الأدباء والشعراء والكتّاب نحاول أن ننفذ إلى جانب من تلك التجربة الحية، ونضع مفهوماً أوسع لمهمة الأدب؛ ذلك لأن الأشخاص الذين يصلوننا بأنفسهم وتجاربهم هم الذين ينيرون أمامنا الماضي والمستقبل.


علماء يكشفون عن روتين صباحي يمنع السرطان
التاريخ / 19 / 10 / 2020
طبيب روسي يقدم نصائح لتقليل مخاطر الإصابة بسرطان الجهاز الهضمي
التاريخ / 19 / 10 / 2020

على غرار عمل دماغ الإنسان... علماء روس يبتكرون أول كمبيوتر كيميائي عصبي في العالم
التاريخ / 19 / 10 / 2020

قسمُ ما بين الحرمَيْن الشريفَيْن يكرّم (2100) متطوّع اشتركوا في إسناد خطّته خلال زيارة الأربعين
إزاحة كسوة الحزن وعلامات السواد من العتبة العبّاسية المقدّسة
شعبةُ الرِّعايةِ المَعرفيَّةِ رافدٌ بحثيٌّ ينهلُ منه الباحثونَ والمهتمُّونَ بالشَّأنِ التُّراثيِّ
جامعةُ الكفيل تستذكر رحيل رسول الأمّة ونبيّ الرحمة (صلّى الله عليه وآله وسلم)