الطبيعة القانونية والفقهية للحضانة وشروط استحقاقها بعد التفريق
المؤلف:
حسن قحطان عبد الأمير صادق
المصدر:
التفريق القضائي للهجر واثره على الاسرة
الجزء والصفحة:
ص 128-130
2026-10-27
14
تعرف الحضانة في أنها حفظ الولد وتربيته في المدة المقررة قانونا ممن له الحق في تربيته ورعايته، وتثار في مسألة مهمة حول تكييف "الحضانة: هل هي حق للحاضنة (الأم)، أم حق للمحضون (الصغير)، أم هي حق مشترك بينهما وبين الأب؟ ويترتب على هذا التكييف تداعيات بالغة الأهمية عند وقوع التفريق للهجر؛ فإذا كيفنا الحضانة على أنها حق خالص للأم، فلا يجوز نزعها منها إلا بمسوغ ، صارم ، وإذا كيفناها على أنها حق للصغير، فإن مصلحته الفضلى هي التي تقدم وتدور معها الحضانة وجوداً وعدماً بغض النظر عن رغبات الأبوين (1). وبالنسبة للمشرع العراقي، ففي قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ينطلق المشرع من أصالة استحقاق الأم للحضانة بوصفها الأقدر طبيعياً وعاطفياً على رعاية الصغير، حيث نص على أن الأم أحق بحضانة الولد وتربيته حال قيام الزوجية وبعد الفرقة ما لم يتضرر المحضون من ذلك (2)، ويستفاد من هذا النص أن المشرع العراقي جعل الحضانة واجباً وحقاً للأم في آن واحد، ولكن القيد الجوهري هو عدم تضرر المحضون.
وعند تطبيق هذا الحكم على حالة التفريق للهجر، نجد أن الأم تكون قد باشرت الحضانة الفعلية بمفردها طيلة فترة هجر الزوج لها (المدة التي لا تقل عن سنتين)، مما يجعل الحكم بالحضانة للأم . عند توافر شروطها بعد الحكم بالتفريق القضائي، تثبيتاً لمركز قانوني قائم بالفعل؛ فالأب بهجره واختفائه قد تخلى طواعية عن مساهمته في الرعاية، مما يعزز أهلية الأم القانونية لاستمرار حضانتها للأطفال، شريطة استيفائها لشروط الحاضنة المتمثلة في البلوغ، والعقل، والأمانة والقدرة على تربية المحضون، ولا يسقط حق الام المطلقة في الحضانة حال زواجها برجل آخر، وتقرر المحكمة في هذه الحالة أحقية الأم أم الأب في حضانة الصغير(3)".
فقانون الأحوال الشخصية العراقي يمنح الأم حق حضانة الاطفال بعد الطلاق عن زوجها شرط تحقق مصلحة المحضون، فأن قضاء محكمة التمييز العراقية قد استقر على عدم احقية الام في الحضانة حال عدم احتفاظها بالشروط المقررة قانونا للحضانة (4) ، فالحضانة في قانون الأحوال الشخصية العراقي، حق مقترن بمصلحة المحضون ، ونصت محكمة التمييز الاتحادية في أحد قراراتها على أن الحضانة تدور وجودا وعدما مع مصلحة المحضون، سيما وأن الأم لاتزال محتفظة بشروط الحضانة ، ومصلحة الصغير بأن تكون الام هي الحاضن للطفلة كون عمر الطفلة يحتاج ذلك "(5).
ولا يسقط حق الام في الحضانة حال تزوج الام المطلقة برجل اخر ، شرط أن ترى المحكمة مصلحة المحضون في البقاء مع والدته بعد زواجها ، حيث استقر قضاء محكمة التمييز الاتحادية وعملا بأحكام المادة (57) من قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل على عدم حرمان الأم من حق الحضانة حال زواجها من رجل آخر بعد طلاقها من زوجها ، فتقوم المحكمة بإجراء التحقيقات اللازمة لبيان مصلحة المحضون ومن ثم الاستيضاح من زوجها الجديد في هل كونه مستعدا لرعاية المحضون ابن زوجته والاعتناء به من عدمه، من اجل الخلاصة الى قرار قضائي سليم يراعي مصلحة المحضون (6).
أما بالنسبة لمدونة الفقه الجعفري، فنجد أن المشرع العراقي قد منح الأم حق الحضانة للمحضون حتى سن السبع سنوات، ومن ثم تنتقل الحضانة للأب الى نهاية مدتها، فالأم هي الاصلح مع احتفاظها بشروط الحضانة في رعاية الصغير في هذا العمر، ومن بعدها فأن للأب حضانة الأطفال ، مع وجوب مراعاة مصلحة المحضون، ويسقط حق الأم بالحضانة وفق أحكام المدونة الجعفرية بزواجها من رجل آخر، فالأم حين زواجها من رجل آخر تفقد حقها في الحضانة حتى وان عادت وافترقت عن زوجها الثاني (7) ، وقد اكدت محكمة التمييز العراقية في احدث قراراتها على أن حق الأم في حضانة الاطفال يسقط في حال زواجها من رجل آخر إذا كان عقد زواجها الأول (مع طليقها)، ضمن احكام مدونة الفقه الجعفري، وبالتالي اسقاط الحضانة عن الأم وضم حضانتهم الى ابيهم (المدعي) وفق أحكام المادة (88) من مدونة الفقه الجعفري(8).
أما في القانون المصري، فإن النظرة التشريعية للحضانة مشابهة لما نص عليه قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل ترتكز بصورة شبه مطلقة على معيار المصلحة الفضلى للصغير"، وهو المعيار المستمد من فلسفة التشريعات الحديثة والاتفاقيات الدولية. وقد نظم المشرع المصري أحكام الحضانة وشروطها في المادة العشرين من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المستبدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 والمعدلة بالقانون رقم 4 لسنة 2005. وطبقاً لهذا التنظيم التشريعي، تقدم الأم على سائر أقارب الصغير في استحقاق الحضانة عند وقوع الطلاق أو التطليق القضائي للهجر والغيبة ، إنّ المشرع المصري توسع في تتبع أثر بيئة الحضانة، معتبراً أن زواج الأم بالأجنبي عن المحضون يعد سبباً مسقطاً لحضانتها، (بالاستناد الى المذهب الحنفي) وهو ما يفرض على المحكمة تدقيقاً بالغاً عند الحكم بالتطليق للهجر للتأكد من استمرار صلاحية الأم وتوافقها مع شروط الحضانة (9).
______________
1- محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1957، ص 424 .
2- ينظر، المادة ( 57 ) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
3- ينظر ، المادة (2/57) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
4- قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد (17790) لسنة 2023، هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
5- قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد (17568) لسنة 2023، هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
6- قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد (17651) لسنة 2023، هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
7- ينظر، المادة (83) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري.
8- قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد (15348) لسنة 2025 ، هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
9- ينظر ، المادة 20 من القانون رقم 25 لسنة 1929 المستبدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة