1. دلالة الآية على بعض شروط الإمامة
ينقل الشيخ الطوسي رحمه الله عن البلخي قوله إن الآية التي هي مورد البحث تصلح دليلاً على فساد القول بكون الإمامة وراثية؛ لأنّ الله قد رفض تعليل القائلين باستحقاقهم وعدم استحقاق طالوت لها، معتبراً أن المدار في استحقاق الإمامة هو العلم والقدرة لا الوراثة.
وهنا يعلق الشيخ على ذلك فيقول إنّ أصحابنا الإمامية يرون أن الآية تدل على أن شرط الإمامة هو أن يكون الإمام أعلم من الرعية وأفضل منهم جميعا لأن تعليل الله في مسألة تقديم طالوت على الآخرين، كان يستند إلى كونه هو الأعلم والأقوى[1].
وهنا لا بد من الالتفات إلى أنّ الإمامة لها شروط عديدة، أشير إلى البعض منها ولم تتم الإشارة إلى العنصر المحوري فيها. ولا شك في أن إنساناً كاملاً إذا نال ملكة العصمة، فمن المؤكد أنّ الله سيصطفيه، وسينال منه سبحانه رداء الإمامة مع كأس الولاية الكلية الإلهية لهداية المجتمع، كما نالها أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام.
وقال الفخر الرازي ضمن إنكاره كون الإمامة موروثة بأن (العالم القوي أفضل من النسيب الغني[2])، بمعنى أنّ طالوت الذي تفضّل الله عليـه بتعليمه علماً واسعاً، مثلما منحه قوة جسمية بدنية، يكون أصلح من ملأ بني إسرائيل الذين لا يستندون إلا إلى أنسابهم وانتسابهم إلى سبط المملكة وحيازتهم للأموال الطائلة.
2. استنكار التفكير الاستكباري: جاء في عدد من كتب التاريخ أن البعض قد اعترض على أمير المؤمنين علي عليه السلام بسبب عدم تمييزه بين العرب وغير العرب عند تقسيم بيت المال والغنائم الحربية، وسلوكه مع الجميع وفق ما تقتضيه موازين العدل والمساواة. وذكرت هذه الكتب أنه عليه السلام قد أجابهم بأن قبض قبضة من تراب الأرض بيده وقال: إن هذا التراب ذراته تكافئ بعضها بعضاً، وأبناء إسماعيل وإسحاق عليهما السلام كلاهما من تراب، وليست أمومة هاجر أو سارة سببا في تفاضل أبنائهما، فلو رجعتم قليلاً إلى مبدئها وجدتم كليهما من منبت واحد[3].
إن الذي يرفع من مكانة الإنسان ويسمو به بين أقرانه ليس هو ما يتمتع بـه من إمكانات مالية أو ما ينتسب إليه من عشيرة أو ما شابه ذلك؛ بل انتخاب الله له هو الذي يدلّ على لياقته ونزاهته، فتكون له السيادة والرفعة بالعطاء الإلهي.
3. زيادة الظرفية الوجودية بالعلم والمعرفة: منح الله سبحانه من انتخبه (طالوت) علماً واسعاً كي يمكنه من تحمل مختلف تبعات مسؤولية قيادة الجيش والعلم الواسع يزيد من الظرفية الوجودية للإنسان؛ لأنّ الظرف والمظروف الماديين يختلفان عن الظرف والمظروف المعنويين، لأن المظروف المادي يستغرق قدرة استيعاب ظرفه، فيضيق الخناق على الآخرين، في حين يكون المظروف المعنوي سبباً في اتساع ظرفية ذلك الظرف مما يفسح المجال لغيره من المطالب كي تجد مكانا لها فيه.
وقد قال أمير المؤمنين علي عليه السلام عن الصفة المعنوية للعلم: كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعا وعاء العلم؛ فإنّه يتسع به[4]. ومعنى هذا الكلام أن الشخص الذي له قدرة تعلم مائة مسألة علمية، سيكون تعلمه لهذه المسائل سبباً في ازدياد قابليته على تعلم المسائل إلى خمسمائة مسألة لأن من خصائص العلم أنه يجعل الروح منشرحة ومتسعة.
والدليل على ما ذكرناه هو الرواية المنقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) علمني ألف باب من العلم، يفتح كل باب ألف باب[5].
4. العلاقة بين العهدين والقرآن الكريم: لا بد من الالتفات إلى ملاحظتين عند الحديث عن تطابق أو اختلاف ما يذكره القرآن الكريم وما ورد في الكتب المقدّسة للعهدين والتوراة والإنجيل وهما:
1. أن التاريخ ليس علما أصليا بل هو أداة للوصول إلى بعض المعارف، وطريقة القرآن الكريم تقوم على الاستشهاد بالوقائع المهمة من التاريخ وأخذ العبرة منها، فهو لم يأتِ لسرد سيرة الأنبياء وبيان أُمورهم الاعتيادية واليومية. ومن هنا فإذا لم يتطرق القرآن الحكيم إلى بعض الأمور التاريخية في حياة الأنبياء، رغم الإشارة إليها في بعض الكتب الأخرى؛ فهذا لا يعد نقصاً في القرآن، ولا يصلح ذريعة لنقضه.
2. أن قيمة العهدين والكتب المقدّسة الأخرى تتوقف على مدى مطابقتها للقرآن الكريم؛ إذ لا شك في قداسة القرآن الكريم وإعجازه الخالد وعدم حصول التحريف فيه وانعدام إمكانية ذلك، في حين كان التحريف قد فعل فعله في الكتب السماوية الأُخرى.
والقرآن الكريم نفسه يذكر أنّ أهل الكتاب قد تعمدوا حذف بعض آيات التوراة والإنجيل، أو حرفوها: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) [المائدة: 13]، (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) [المائدة: 14].
وهذا يعني أن الكتب المحرّفة لا يمكن جعلها محكّاً لاختبار صحة مطالب القرآن الكريم، بل القرآن الكريم هو معيار صدق بقية الكتب.
ملاحظة: كانت الكتب المقدّسة في الماضي السحيق مكتوبة باللغات العبرية والبابلية واليونانية، ولم يكن الاطلاع عليها متاحاً لغير اليهود والنصارى، بـل كانوا يعتقدون بعدم جواز بيان مضامينها إلّا للخواص دون العوام. إلا أنه عند ظهور الفرقة الإنجيلية بين النصارى قامت بترجمة تلك الكتب إلى كل اللغات ونشرها في البلاد.
والجدير بالذكر أن تحريف الكتب المذكورة هو أقل من التحريفات الشائعة التي تتحدث عنها أفواه الناس والتي اعتادت ألسنة عوامهم على الحديث عنها[6].
[1] التبيان، ج 2، ص 291-292، بتصرف بسيط.
[2] التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 174.
[3] راجع: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 82؛ الغارات، ص 46-48.
[4] نهج البلاغة، الحكمة 205. وهذا الحديث يدلّ على تجرد الروح والعلم.
[5] الخصال، ص 572؛ بحار الأنوار، ج 22، ص 462 و470.
[6] آلاء الرحمن ج1 ص416-417 بتصرف بسيط