يُعد التعامل مع المراهقين فنا تربويا يحتاج إلى مهارات وأساليب متوازنة، تساهم في بناء علاقة قائمة على الفهم، والثقة، والتوجيه السليم. ومن خلال هذه المهارات، يتمكن المربي من تحقيق تواصل فعال، وتوجيه سلوك المراهق دون صدام أو قمع مما يساعد في تكوين شخصيته بشكل إيجابي ومتزن.
وهناك العديد من المهارات التي ينبغي إتقانها في هذا المجال نذكر منها الآتي:
ـ بِنَاءُ عِلَاقَةِ صَدَاقَةِ مَعَ المُرَاهِقِ
بناء علاقة صداقة مع المراهق يعني أن يكون الوالدان مصدر أمان واستماع له، وليس مجرد سلطة آمرة وناهية. فعندما يشعر المراهق أن والديه داعمان له، وليس فقط مصدرًا للعقاب والتوجيه، فإنه يكون أكثر انفتاحًا في مشاركتهم مشكلاته وأفكاره، مما يحميه من اللجوء إلى مؤثرات خارجية قد تكون سلبية.
إن للأصدقاء تأثير كبير في تشكّل شخصية المراهقين والشباب دينيا وأخلاقياً. فكثيرون انحرفوا بسبب رفقة السوء، ولم يدركوا خطأهم إلا بعد فوات الأوان، كما جاء في قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 28].
إذا نجح المربي الصالح في بناء علاقة صداقة متينة مع أبنائه، فسيتأثرون بدينه وأخلاقه، كما أخبرنا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما قال: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل))(1).
إن الآثار المترتبة على إتقان هذه المهارة عديدة، منها:
* يعزز الثقة بين المراهق وأسرته، فيصبح أكثر راحة في مشاركة أفكاره ومخاوفه.
* يساهم في حماية المراهق من اللجوء إلى أصدقاء غير مناسبين بحثا عن الدعم والاهتمام.
* يساعد الأهل في توجيهه بطريقة أكثر تأثيرًا، لأنه يرى فيهم مصدرا للفهم وليس للحكم عليه.
في حين يترتب على غياب هذه المهارة - أي فشل المربي في عقد صداقة مع ولده - آثار سلبية عديدة، منها:
* قد يشعر المراهق بالعزلة داخل أسرته، مما يدفعه للبحث عن أشخاص آخرين لملء هذا الفراغ.
* قد يخفي مشاكله عن والديه، خوفا من اللوم أو النقد، مما يجعله أكثر عرضة لاتخاذ قرارات خاطئة دون استشارة ناضجة.
* تتراجع العلاقة بين الأهل والمراهق، فيصبح التعامل معه قائما على الأوامر بدلا من الحوار، مما يؤدي إلى تصاعد التوتر والصدام.
أمثلة واقعية:
المثال الأول: سلمى، فتاة في السادسة عشرة، تشعر بالخذلان بعد أن تجنبتها صديقاتها في المدرسة. أرادت أن تفضفض لوالدتها، لكنها ترددت لأنها تعلم أن والدتها مشغولة بمتابعة مواقع التواصل، وستلومها قائلة: ((ألم أقل لكِ ألا تثقي بهن؟ أنتِ دائما تضعين نفسكِ في هذه المواقف!)).
لقد شعرت سلمى بأنها غير مفهومة، وقررت أن تكتم مشاعرها بدلا من مشاركة والدتها، مما زاد من إحساسها بالوحدة.
البديل الصحيح: لو كانت العلاقة بينهما قائمة على الصداقة لكانت الأم استمعت إليها بهدوء قائلة: ((أفهم أنكِ تشعرين بالحزن، أخبريني ماذا حدث؟))، مما يمنح سلمى شعورًا بالأمان، ويسمح للأم بتقديم نصيحة حكيمة دون أن تشعر ابنتها بالخوف من اللوم.
المثال الثاني: علي شاب في السابعة عشرة، وقع في مشكلة مع زملائه، لكنه شعر بالخوف من إخبار والده، لأنه يعلم أن ردة فعله ستكون الصراخ أو العقاب. فاختار أن يتعامل مع المشكلة وحده، مما أدى إلى تفاقمها. وأصبح علي يشعر أن والده ليس ملجأ له في الأوقات الصعبة، وبدأ يلجأ إلى أقرانه بدلا من أسرته.
البديل الصحيح: لو كان والده يتعامل معه كصديق، لقال له: ((إذا كنت تواجه مشكلة، فأنا هنا لأساعدك، مهما كان الأمر))، مما يمنحه الشعور بالثقة والراحة في مشاركة مشاكله دون خوف.
خلاصة المهارة: بناء علاقة صداقة مع المراهق لا يعني إلغاء سلطة الأهل، بل يعني أن يكونوا الملجأ الآمن له، بحيث يلجأ إليهم عند الحاجة بدلا من البحث عن حلول قد تكون مضرة له.
فكلما شعر المراهق بالقبول داخل أسرته، قلت احتمالية انحرافه أو وقوعه في قرارات خاطئة.
____________________
(1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج71 - ص 192.