يعتقد البعض أن مضمون الآية التي هي مورد البحث هو التقرير الخبري الصرف، دون اشتماله على أي شكل من أشكال الإنشاء، سواء من جهـة التأسيس أم الإمضاء.
وفي حالة خبرية الآية فستكون خلاصتها أن الرجال في الجاهلية كانوا قبل وفاتهم يوصون بأن يكون لنسائهم بعد موتهم حق النفقة والسكن في منازلهم لمدة سنة بعد الوفاة وأنهن إذا لم يرغبن في الاستفادة من هذا الحق وأردن أن يقررن مصيرهن بأنفسهن، فهن حرات في ذلك إلا أنهن لا يملكن الحق في الاستفادة من الإرث بأي شكل من الأشكال.
وفي أوائل صدر الإسلام كان الشائع بين الناس أيضاً هو عملهم بنفس هذه السنة الجاهلية القديمة، حتى برزت بالتدريج مسألة عدة الوفاة من جهة، وإرث الزوجة من جهة أُخرى، والدعوة إلى فكرة الوصية للوارث وغير الوارث. ولما كانت هذه الآية إخباراً صرفاً، فلا يمكن استفادة أي حكم شرعي منها، لا إثباتا ولا نفيا.
والشاهد على خبرية مضمون الآية هو أنه عند نزول حكم عدة الوفاة (أربعة أشهر وعشرة أيام) وإبداء بعض النساء امتعاضهن من طول مدتها، قال لهن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لقد كنتن تصبرن في الجاهلية سنة كاملة[1]، ولم يقل: إن الحكم السابق للإسلام كان سنة واحدة وقد تم تخفيفه الآن.
وعلى هذا فلو جاء في بعض الروايات كلام عن نسخ مضمون هذه الآية فالمراد منه هو النسخ اللغوي بمعنى إبطال أحد قوانين الجاهلية، لا النسخ المصطلح بمعنى رفع الحكم الشرعي الذي كان ثابتا قبل ذلك.
نعم يرى البعض -مّمن يعتقد أنّ مضمون الآية التي هي مورد البحث هـو حكم شرعي، وإن كان إمضائياً- أن آيتي عدة الوفاة والميراث يمكن أن تكونا ناسختين للحكم المذكور بالنسخ المصطلح[2].
ويجب الالتفات إلى أنّ اعتبار العنصر المحوري للآية هو مجرد تقرير خبري محض، وتوهّم خلوّه من أيّ شكل م من أشكال التحكيم والإثبات أو النفي؛ ليس بالأمر الصحيح ولا يتوافق مع أسلوب القرآن الحكيم. إن مضمون الآيـة هـو الإخبار بقصد الإنشاء، فهي تشتمل على حكم شرعي سواء كان هذا الحكم تقريراً لسنة جاهليّة، أم تأسيساً لجانب من السنة الإسلامية، حيث سيأتي أن ظاهر الآية التي هي مورد البحث هو بيان للحكم الحقوقي الشائع في الماضي وإمضائه، لا مجرد الإخبار عنه.
أما عن الحكم الشرعي في صدر الإسلام، فقد قيلت آراء متضاربة حوله، يمثل ما يلي بعضاً منها:
1. نفي الميراث، ووجوب النفقة والمسكن، الصبر سنة كاملة على ترك الزواج المجدّد، التخيير في الاعتداد بين البقاء في دار الزوج أو خارجها، انتفاء النفقة في حالة اختيار الالتزام بالعدّة خارج بيت الزوج، ووجوب الوصية على الزوج قبل وفاته.
2. عدة الوفاة سنة كاملة في حالة الاعتداد في بيت الزوج المتوفى وعدم خروج المرأة من البيت. وفي هذه الحالة يجب تأمين نفقتها ـ مثل المسكن ـ من مال الزوج المتوفى أما لو كان الاعتداد خارج بيت المتوفى فعند ذلك تتبدّل جميع الأحكام المذكورة، فتصبح مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام كما يسقط حق النفقة والمسكن.
ولو فسرت هاتان الآيتان بهذا الشكل، فحينئذ ينتفي التناقض بينهما ولا يبقى مجال للحديث عن النسخ. وهذا القول منسوب إلى مجاهد[3].
3. منى ما أوصى الرجل بتمتع المرأة لمدة سنة واحدة بالنفقة والمسكن، وجب العمل بهذه الوصية في الجاهلية، إلا أن الإسلام منح الموصى لـه ـ أو لهـا ـ الحق بالعمل بذلك أو عدم العمل به. وطبقاً لهذه النظرية لا يحق للورثة إخراج المرأة؛ لأن العمل بالوصية واجب عليهم، إلّا أنّ المرأة يمكنها أن تخرج من المنزل قبل انقضاء السنة الواحدة. وقد ارتفع هذا الحكم ـ أي وجوب الإيصاء الذي كانت تفرضه السنة الجاهلية. بلزوم عمل المرأة بالوصية، وهذا الارتفاع للحكم الجاهلي بسبب السنة الإسلامية، ليس هو النسخ المصطلح[4].
وهذا القول منسوب إلى أبي مسلم الأصفهاني، ودليلـه عـلى نفي النسخ المصطلح هو أن النسخ خلاف الأصل ويجب عدم الالتزام به قدر الإمكان. والناسخ يجب أن يكون متأخرا وآية عدة الوفاة متقدمة، والالتزام بحصول التبديل في مواضع الآيات. وإن كان بأمر رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله). هو إقرار بعدم انتظام كلام الله وفقدانه للانسجام. وعند الدوران بين التخصيص والنسخ فالتخصيص هو المقدم[5].
وقال الفخر الرازي بعد نقله للآراء المذكورة إن قول مجاهد يتمثل في أن كل واحدة من هاتين الآيتين المتحدّثتين عن عدة الوفاة تختص بحالة معينة خاصة، فينعدم النسخ بينهما أصلاً. إلّا أنّ كلام أبي مسلم هو الأظهر، وقوله في منتهى الصحة؛ لأنكم تقولون إن تقدير الآية في حالة كون (وَصِيَّةً) [البقرة: 240] مرفوعة هو فعليهم وصية لأزواجهم وفي حالة كونها منصوبة فليوصوا وصية لأزواجهم بينما ينسب أبو مسلم هذا الكلام إلى الزوج ويقول إن تقدير الآية في صورة الرفع هو ولهم وصيّةٌ لأزواجهم وفي حالة النصب وقد أوصوا وصية لأزواجهم. وعلى هذا تكون هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة شرطية واحدة، مضمونها هو أنّ الأزواج لو أوصوا بنفقة الزوجة وعدم إخراجهـا مـن المنزل، فالنساء مخيّرات، فإن اخترن الخروج فلا يحق لهن الانتفاع من النفقة والمسكن[6]؛ لأن الوصيّة تستلزم تكليف الوصتي والورثة من جهة، ومن جهة أُخرى توجب الحق للموصى له (لها).
[2] راجع: رحمة من الرحمن، ج 1، هامش الصفحة 361، مع بعض التصرف.
[3] راجع: التفسير الكبير، مج3، ج6، ص 159.
[5] راجع المصدر نفسه، ص 158-159.
[6] راجع: التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 159.