لا يعرف الناس معرفة كاملة العوامل التي توصلهم إلى السعادة الدائمية، ولا طريق أمامهم لمعرفة ذلك إلا عن طريق ما يوحيه الله العالم إليهم؛ لأنّ العقل وإن كان رسولاً باطنياً، إلا أنه لا قدرة لديه على إدراك. الحقائق، خصوصاً جميع حقائق الجزئيات: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] فيجب على الإنسان أن يستعين بنور الوحي والنبوة. وهذا المطلب السامي هو ما صرح به الله سبحانه عند ترسيم الخطوط الكلية لبرنامج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 151].
إذن، فالخطوط العامة للرسالة هي على التفصيل التالي:
1. تلاوة الآيات الإلهية، ويفهم منها وجوب تضمين برنامج الحياة اليومية فقرة قراءة القرآن بالطريقة الرسمية مع مراعاة الكمّيّة المطلوبة، وعدم الاكتفاء بمجرد الدراسة والبحث التفسيري.
2. التزكية، التي تمهد تلاوة الآيات أرضيتها.
3. تعليم الكتاب والحكمة، التي تهيئ التزكية مقدّماتها.
4. تعليم المسائل التي يعجز العقل الإنساني عن إدراكها بمفرده، مهما وصل العلم البشري إلى كماله النهائي؛ حيث إنّ الله سبحانه في الآية التـي هـي مورد البحث ـ وبعد طرحه لبعض أحكام العائلة ـ يذكر الناس بعلمه وجهلهم بهذه الأحكام: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 232].
إذن فالله يعلم كل شيء والإنسان الجاهل لا يستطيع أن يستقي برنامج حياته إلا عن طريق الوحي والنبوّة والعمل بتعاليم الوحي الإلهي، ويستحيل عليه أن يحصل بمساعيه العلمية والإمكانات والقوانين الجافة لمبادئ الحياة العائلية على هذا البرنامج.
وجدير بالذكر أن العالمين الذين بيّن الله لهم الحدود الإلهية والمشار إليهم في ذيل الآية (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 230][1]، هـم العلماء بعد البيان الإلهي، لا العلماء قبل البيان؛ لأنّ التبيين لا معنى له بالنسبة إلى الشخص الذي هو نفسه كان يعلم ذلك الشيء من قبل. إذن، فمعنى (يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 230] هو (يعلمون بعد البيان)؛ لا إنهم من قبل كانوا هم أنفسهم عالمون. وعلى هـذا فـلا تناقض بين العبارة المذكورة والآية التي هي مورد بحث (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ لأنّ الله سبق أن قال بإنّ البعض من العلماء قد صاروا علماء بتعليمنا، ولولا ذلك لم يكونوا عالمين.
[1] وكما مر سابقاً فإنّ هناك فرقاً بين العالمين و(لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 230] حيث إن الثانية تخبر عن القوم المتفكرين والمتمتعين بالعقل، بينما الأولى ليست هكذا.