إن الماديين ذهبوا إلى مقالة سخيفة وهي إنكار المبدأ المتعال معه أن هذه المقالة لا يساعدها دليل عقلي ولا دليل عقلائي، بل يدلان على خلافها ولا بأس بالإشارة إليها والجواب عنها هنا (1).
ولا يخفى عليك أنهم ذهبوا إلى ما ذهبوا، إما فرارا من التكليف فإن الاعتقاد بالمبدأ والمعاد يحدد الحرية الحمقاء، مع أن التحديد الإلهي يوجب الحرية الحقيقية ولكنهم يطلبون الراحة وعدم المسؤولية وإشباع الأهواء والميول النفسانية، ويزعمون أن الحرية في إطلاق النفس في هذه الأمور. وإما اشمئزازا من عمل بعض الداعين إلى الدين كأرباب الكنيسة في عهد رنسانس، مع أن العمل سيما عن بعض الداعين لا يلزم بطلان الدعوى. وأما من جهة أوهام وشبهات، مع أنهم لو رجعوا فيها إلى علماء الدين لما بقي لهم فيها شبهة، ولكنهم لم يرجعوا عنادا أو غرورا، أو رجعوا إلى من لم يكن أهلا لذلك " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (2).
وكيف كان فمن جملة شبهاتهم: أنهم يقولون كيف يمكن أن نعتقد بما لا يكون قابلا للادراك الحسي، مع أنه لا دليل على حصر الوجود في المحسوس بالادراكات الحسية كالسمع والبصر والشامة والذائقة واللامسة، لوجود أشياء من الماديات فضلا عن المجردات لا تدرك بتلك الادراكات، كبعض الأصوات التي لا تدرك إلا بآثارها، مثل الأمواج فوق الصوتية أو دونها التي لا نقدر على سماعها، والأنوار التي لا تحس إلا بآثارها كالأشعة غير المرئية مما يكون قبل اللون الأحمر ودونه، أو بعد البنفسجي وفوقه، هذا مضافا إلى النفس وأفعالها من الادراك والتصور وصفاتها وأحوالها من الخوف والرجاء والمحبة والعداوة والإرادة والترديد واليقين والظن والحزن والفرح والاقبال والادبار وغير ذلك مما نجدها في أنفسنا، ولا يمكن ادراكها بالادراكات الحسية ولا نعلم بها في غير أنفسنا إلا بآثارها.
ومما يشهد على وجود النفس وراء البدن هو إحضار الأرواح وإرسالها وتجريدها والمنافاة الصادقة وغيرها، وبالجملة فالله تعالى حقيقة غير محسوسة بالحواس، سئل مولانا علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - " كيف هو وأين هو؟ قال: ويلك، إن الذي ذهبت إليه غلط هو أين الأين وكيف الكيف بلا كيف، فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشئ فقال السائل الملحد: فإذا أنه لا شئ إذا لم يدرك بحاسة من الحواس. فقال أبو الحسن - عليه السلام -: ويلك لما عجزت حواسك عن ادراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا بخلاف شئ من الأشياء " (3) .
ومن جملة شبهاتهم: أنهم يقولون: أن الاعتقاد بالمبدأ ناش عن الوهم لا البرهان، فإن الموحدين لما رأوا بعض الحوادث ولم يعرفوا عللها الطبيعية اعتقدوا بأنها من ناحية الله، ولذا كلما كشفت العلل الطبيعية صار هذا الاعتقاد ضعيفا.
مع أنه فاسد، لأن كثيرا من المعتقدين عبر التاريخ لا سيما في عصرنا هذا، من العالمين بأسرار الطبيعة في الجملة، و مع ذلك اعتقدوا بالمبدأ المتعال، وازدادوا في الايمان والاعتقاد بازدياد كشف العلل المذكورة. فالاعتقاد بالمبدأ ليس ناشيا عن الجهل بالأسباب والعوامل، بل ناش عن النظم المشاهد في العالم أو الإمكان الذي لا يشذ عنه شئ مما سوى الله، سواء عرفت الأسباب أو لم تعرف، بل كلما ازدادت المعرفة بها زادتهم ايمانا، ولا وجه لنسبة استناد الايمان إلى الوهم في جميع المعتقدين والموحدين، ولو سلم ذلك في شرذمة من المعتقدين فلا يضر بصحة الاعتقاد بالمبدأ بعد كونه مبتنيا على أصول أصلية عقلية، أو عقلائية في جلهم.
ومن جملة شبهاتهم: أنهم يقولون: إن مقتضى كلية أصل العلية هو أن يكون للمبدأ أيضا علة أخرى، مع أن المعتقدين بالمبدأ يجعلونه العلة الأولى وينقضون بقولهم ذلك كلية الأصل المذكور، لتوقف العلية عندهم على المبدأ، ومع عدم كلية الأصل المذكور لا مجال للالتزام بانتهاء العلل والمعلولات إلى الواجب، لجواز توقف العلية على غيره أيضا بعد عدم كلية الأصل المذكور.
ولكنهم لم يتأملوا فيما ذكره الموحدون، وإلا لم يقعوا في هذه الشبهة، فإن الموحدين لا يقولون: بأن كل شئ يحتاج إلى علة حتى يلزم ذلك، بل يقولون:
إن كل معلول يحتاج إلى علة. ومن المعلوم ان المبدأ الواجب الوجود ليس بمعلول فهو غير مشمول للأصل المذكور، فلا يلزم من القول بكون المبدأ المتعال هو العلة الأولى للأشياء، نقض، للأصل المذكور كما لا يخفى.
ومن جملة شبهاتهم: أنهم يقولون: إن ما تنتهي إليه الكشفيات الجديدة في العلم الكيمياوي أن مقدار المادة ووزنها ثابتة ولا يزاد عليه في التبدلات والتحولات ولا ينقص، فلا يوجد شئ من العدم ولا يعدم شئ رأسا بعد وجوده. وعليه فلا حاجة إلى سبب خارجي مع أن الموحدين اعتقدوا بأن الأشياء مخلوقة من العدم.
وأجيب عنه: بأن قانون بقاء المادة على فرض صحته (4) أصل علمي وتجربي، فلا يعم بالنسبة إلى غير مورد التجربة من السابق واللاحق، فلا يمكن به حل مسألة فلسفية، وهي أن المادة هل تكون أزلية وأبدية أم لا؟ بل يحتاج فيه إلى العلوم العقلية، هذا مضافا إلى أن ثبات مقدار المادة والطاقة في التحولات والتغييرات لا يستلزم غناءها عن العلة بعد وجود ملاك الحاجة فيها وهو الإمكان وافتقارها الوجودي وهو أمر يدوم بدوامها، فالمادة مخلوقة وباقية بإذنه تعالى فهي محتاجة إليه تعالى في حدوثها وبقائها.
هذا مضافا إلى تجدد الحياة والشعور ونحوهما في كل لحظة مع أنها ليست من قبيل المادة والطاقة حتى ينافي ازديادها أو نقصانها مع أصل بقاء المادة والطاقة.
ثم إن الخلق باعتقاد الموحدين ليس ناشئا عن العدم، إذ العدم فقد، والفاقد لا يعطي شيئا، بل هو ناش من إيجاده تعالى وهو عين الوجود.
ومن جملة شبهاتهم: أنهم يقولون على قاعدة تطور الأنواع وخروج بعضها من بعض: إن كل نوع متولد من نوع آخر، فالإنسان متولد من الحيوان كما تشهد الآثار الحفرية على أنه متولد من القردة، مع أن الإلهيين اعتقدوا بأن الله خلق كل واحد من الأنواع على حدة.
وأجيب عنه: بأن فرضية التطور على فرض صحتها في مورد، لا دليل على عمومها وشمولها: لأن التجربة لا تقدر على إثبات القاعدة والقانون من دون ضميمة البراهين والعلوم العقلية، فدعوى تطور كل نوع من نوع آخر بمجرد تجربة تولد نوع من نوع، لا دليل عليها.
هذا مضافا إلى أن المكشوف بالآثار الحفرية هو التكامل والتطور في ناحية من النواحي كالأعضاء أو الصفات في نوع، لا تولد نوع من نوع، ولذلك قال العلامة الطباطبائي - قدس سره -: " ولم يعثر هذا الفحص والبحث على غزارته وطول زمانه على فرد نوع كامل متولد من فرد نوع آخر على أن يقف على نفس التولد دون الفرد والفرد وما وجد منها شاهدا على التغيير التدريجي فإنما هو تغيير في نوع واحد بالانتقال من صفة لها إلى صفة أخرى لا يخرج بذلك عن نوعيته والمدعى خلاف ذلك " (5).
وقال في موضع آخر: " إن التجارب لم يتناول فردا من أفراد هذه الأنواع تحول إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان، وإنما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصها ولوازمها وإعراضها - إلى أن قال -: فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعا مفصولا عن سائر الأنواع غير معارضة بشئ علمي " (6).
والأضعف منه هو دعوى منافاة قاعدة تطور الأنواع للاعتقاد بالمبدأ المتعال، فإن التطور والتكامل على فرض صحته في الأنواع يكون بنفسه آية لوجود المبدأ المتعال، لأنه يحتوي نظما وانسجاما خاصا لا يمكن أن يتحقق بدون وجود ناظم حكيم ذي شعور.
هذا مضافا إلى أن النظام المتطور أيضا من الممكنات التي يستحيل أن تكون موجودة بدون الانتهاء إلى الواجب المتعال، ويشهد له أن كثيرا من المعتقدين بفرضية تطور الأنواع كانوا من المعتقدين بالله تعالى.
ومن جملة شبهاتهم: أنهم يقولون: بأن المادة أزلية وأبدية وباصطلاح الموحدين هي واجب الوجود. فلا حاجة إلى سبب وعلة خارجية.
وأجيب عن ذلك:
أولا: بأن الدليل التجربي الذي لا يحكي إلا عن موارد التجربة لا يقدر على حل المسألة الفلسفية وهي أن المادة هل تكون أزلية وأبدية أم لا، لأن السابق واللاحق خارجان عن دائرة التجربة وحيطتها.
وثانيا: أن الثابت في العلوم الطبيعية هو إمكان تبديل العناصر الأولية البسيطة باصطلاح القوم بعضها إلى بعض كتحويل اليورانيوم إلى عنصر الراديوم ومنه إلى الرصاص، أو تبديل المادة إلى الطاقة والطاقة إلى المادة، وثبت أيضا أن من الممكن أن يتحول بعض أجزاء الذرة إلى جزء آخر كتحويل بروتون أثناء عملية الذرة إلى نيوترون وبالعكس (7) وهو أحسن شاهد على أن العناصر، بل المادة والطاقة بما هي عناصر ومادة وطاقة لا تكون ذاتية، وإلا فلم تتخلف. فهذه بالنسبة إلى المادة عوارض وحيث أن لكل صفة عارضة، علة خارجية، فلهذه العناصر والمادة والطاقة علة خارجية، فبان أن ذات المادة في كونها عناصر أو مادة أو طاقة تحتاج إلى سبب خارجي، فحديث غنى المادة عن العلة كذب محض (8).
وثالثا: أن خواص واجب الوجود من كونه عين الفعلية، فلا سبيل للقوة والاستعداد والإمكان إليه، ومن كونه بسيطا مطلقا فلا مجال لتوهم الأجزاء الخارجية والذهنية كالجنس والفصل له، ومن كونه غير مشوب بالعدم فلذا لا يمكن فرض عدمه لا في السابق ولا في اللاحق، وغير ذلك من خواصه لا توجد في المادة حتى تكون باصطلاح الموحدين واجب الوجود، فإن المادة إمكانات لا فعليات. ومن شواهده هو التبدل والتحول الدائم فيها فهي قبل التحول إلى شئ تكون بالنسبة إليه إمكانا استعداديا، ولا تكون هي بالفعل، وإنما صارت هي بعد اجتماع الشرائط والأسباب، وحيث إن القوة هي فقدان الفعلية فلا تجتمع قوة الشئ مع فعليته في آن واحد، فالمادة التي تكون قابلة للتحول لا تخلو عن القوة والاستعداد في حال من الأحوال.
وهكذا أن المادة مركبة، سواء كانت العناصر الأولية أربعة كما عن الأقدمين من اليونانيين: الماء والهواء والتراب والنار، أو سبعة بإضافة:
الكبريت والزئبق والملح كما عن بعض آخر غيرهم، أو أزيد إلى أن بلغت إلى اثنين وتسعين ذرة - أتم - كما انتهت إليه الفيزياء الحديثة في اليورانيوم وهو أثقل العناصر المستكشفة إلى الآن، فرقمه الذري -92- بمعنى أن نواته المركزية تشتمل على -92- وحدة، من وحدات الشحنة الموجبة، ويحيط بها ما يماثل هذا العدد من الألكترونات، أي من وحدات الشحنة السالبة (9).
هذا مضافا إلى أن نفس الذرة - أتم - أيضا مركب، لأنها لا تخلو عن الجهات الست، وما لا يخلو عن الجهات الست، ذو أبعاد ومركب، وإن لم يمكن تجزئتها بالآلات والأدوات المتعارفة، وتسميتها بالجزء البسيط الذي لا يتجزأ، أو الجوهر الفرد، مسامحة في الحقيقة ولعلها باعتبار الأدوات الميسورة. فالمادة أيما صغرت لا تخلو عن التركيب مطلقا، ومن المعلوم أن كل مركب محتاج إلى أجزائه وإلى مؤلف تلك الأجزاء، والواجب غني غن كل حاجة.
على أن كل جزء من أجزاء المركب مقدم عليه في الوجود، إذ المركب يتوقف على أجزائه في الوجود توقف الكل عليها، فالمركب يوجد بعد وجود أجزائه وليس له قبل وجود تلك الأجزاء وجود، مع أن الواجب تعالى ليس بمركب ولا مسبوق بالعدم، كما أنه ليس بمحدود. وبالجملة أوصاف المادة تتغاير مع أوصاف الواجب فلا تليق بأن تسمى واجب الوجود.
ورابعا: بأن المادة إذا كانت استعدادا لقبول التطورات وليست بفعليات، فسبب صيرورة القوة إلى الفعلية: إما عدم - وهو كما ترى - إذ العدم الذي هو لا شئ لا يصلح للتأثير. وإما هو نفسها، وهو أيضا فاسد، لأنها في حال كونها قوة فاقدة الفعليات، إذ يستحيل أن تجتمع قوة الأشياء مع فعليتها في حال واحد، فانحصر الأمر إلى أن السبب هو غير المادة وهو الله تعالى.
وخامسا: أن ملاك الحاجة إلى العلة موجود في المادة أيضا، فإنها ممكنة الزوال، إذ لا يلزم من فرض عدمها محال، وكل ما لا يلزم من فرض عدمه محال فهو ممكن الزوال، ومن المعلوم أن الشئ الذي يمكن زواله ليس بواجب، بل هو ممكن من الممكنات التي تحتاج في وجودها إلى الواجب تعالى.
" ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل " (10).
ومما ذكر يظهر أيضا سخافة ما ذهبت إليه الماركسية، فإن فرضياتهم مبتنية على أصول مخدوشة مر ضعف بعضها، كأزلية المادة. ولقد أفاد وأجاد في بيان وهن تلك الأصول، الشهيد الصدر - قدس سره - في فلسفتنا (11)، فلا دليل للماديين إلا الوهم والخرص، كما نص عليه في قوله عز وجل: " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " (12).
_________________
(1) راجع كتاب " فلسفتنا "، وكتاب " آموزش عقائد " وغيره من الكتب.
(2) النحل: 43.
(3) الأصول من الكافي: ج 1 ص 78.
(4) راجع دروس في أصول الدين: ص 33 - 37.
(5) الميزان: ج 16 ص 272.
(6) الميزان: ج 4 ص 154.
(7) راجع فلسفتنا: ص 320.
(8) راجع فلسفتنا: ص 100.
(9) راجع فلسفتنا: ص 317 - 319.
(10) الانعام: 102.
(11) راجع أيضا إلى كتاب: نقدي فشرده بر أصول ماركسيسم، وكتاب: پاسدارى از سنگرهاى ايدئولوژيك، وغير ذلك.
(12) الجاثية: 24.