0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث في بيان علّة خلق الكافر

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 393 ــ 404

2026-09-22

45

+

-

20

الحديث الثامن والأربعون: [تعليل خلق الكافر]

ما رويناه بأسانيدنا المتقدّمة عن الشيخ الصدوق في (التوحيد) عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق، عن محمّد بن أبي عبداللَّه الكوفيّ، عن محمّد ابن إسماعيل البرمكيّ، عن جعفر بن سليمان بن أيّوب الخزّاز، عن عبداللَّه بن الفضل الهاشميّ، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): لأيّ علّة جعل اللَّه تبارك وتعالى الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته الأعلى في أرفع محلّ؟ فقال (عليه السلام): «إنّ اللَّه تبارك وتعالى علم أنّ الأرواح في شرفها وعلوّها متى تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبيّة دونه (عزّ وجلّ)، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدّرها في ابتداء التقدير؛ نظراً لها ورحمة بها، وأحوج بعضها إلى بعض، ورفع بعضها فوق بعض درجات، وكفى بعضها ببعض، وبعث إليهم رسله، واتّخذ عليهم حججه، مبشّرين ومنذرين، يأمرونهم بتعاطي العبوديّة والتواضع لمعبودهم بالأنواع التي تعبّدهم بها، ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل، ومثوبات في الآجل؛ ليرغّبهم بذلك في الخير، ويزهّدهم في الشرّ ليذلّهم بطلب المعاش والمكاسب، فيعلمون بذلك أنّهم مربوبون وعباد مخلوقون، ويقبلوا على عبادته، فيستحقّوا بذلك نعيم الأبد وجنّة الخلد، ويأمنوا من النزوع إلى ما ليس لهم بحقّ». ثمّ قال (عليه السلام): «يا بن الفضل، إنّ اللَّه تبارك وتعالى أحسن نظراً لعباده منهم لأنفسهم، ألا ترى أنّك لا ترى منهم إلّا محبّاً فيهم للعلوّ على غيره، حتّى إنّ منهم لمن قد نزع إلى دعوى الربوبيّة، ومنهم من قد نزع إلى دعوى النبوّة بغير حقّها، ومنهم من قد نزع إلى دعوى الإمامة بغير حقّها، مع ما يرون في أنفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام المتناوبة عليهم، والموت الغالب لهم والقاهر لجميعهم. يا بن الفضل، إنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يفعل بعباده إلّا الأصلح بهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44] (1).

 

توضيح:

هذا الحديث الشريف يدلّ على أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لا يفعل بعباده إلّا ما هو الأصلح بهم، وأنّ فعل الأصلح على اللَّه واجب، بمعنى أنّه أوجبه على نفسه، وذلك ممّا اتّفقت عليه العدليّة ودلّت عليه جملة من الأخبار المعصوميّة، وقد عقد لها الصدوق في كتاب التوحيد باباً على حدة (2).

وهاهنا إشكال مشهور قد تحيّرت فيه العقول وحارت فيه الفضلاء الفحول، واضطربت فيه أفهام الأنام، وتدهّشت فيه أفكار حكماء الإسلام، وهو: أنّ الكافر الذي سبق علم اللَّه فيه أنّه لا يؤمن ولا يسلم باختياره، ويخلّد في النار في القيامة معذّباً بأشدّ العذاب ومعاقباً بأعظم العقاب، ما الحكمة والمصلحة في إيجاده وخلقه، سيّما إذا كان في الدنيا فقيراً مهاناً ذليلًا مبتلى بأنواع البلاء؟

ومثل هذا السؤال صدر عن إبليس اللعين مع الملائكة المقرّبين معترضاً به على ربّ العالمين بعد تسليم أنّه عدل أحكم الحاكمين، فأتاه الجواب بأنّك لو صدّقت في أنّي حكيم [لِمَ] سألتَ عن ذلك؟ وإنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يُسألون (3).

وهذا الجواب يقتضي أنّ هذا السؤال من غوامض القضاء والقدر الذي تعجز عنه عقول البشر، وتحيّر فيه أرباب النظر، وأنّ الأولى فيه الإيمان والتسليم إجمالًا، وعدم الفحص عن السبب والحكمة، فإنّ خفاء الحكمة لا يدلّ على عدمها، وكم من خبايا في زوايا عجزت عنها العقول، وتحيّرت فيها الفحول، وبقيت في قالب الإشكال والداء العضال، فكان السكوت عن هذه المسألة والبحث عنها أحقّ وأحرى وأسلم وأقوى، والخوض فيها من الفضول المنهيّ عنه.

وقد ورد في الحديث: «إنّ اللَّه سكت عن أشياء ولم يسكت عنها نسياناً ولا جهلًا، فلا تتكلّفوها» (4)، ولكن لشقاوتنا لم نزل نترك ما يجب علينا علمه ونخوض فيما نهينا عنه، والمستعان باللَّه على نفوسنا الأمّارة بالسوء.

وكيف كان، فللناس في التخرّج عن ذلك مذاهب وطرق عديدة:

أحدها: أنّه قد تقرّر في علم الكلام أنّ الأصلح واجب على العزيز العلّام.

ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، والقائل بأنّه تعالى لا يجب عليه شيء إنّما هو هرب عن لفظ الإيجاب هيبة من سطوة ربّ الأرباب،

وكان الأولى بالأدب والأحسن بالمهرب أن يقول: إنّه تعالى أوجب على نفسه ذلك، فيتحرّى أحسن المسالك.

والقول الفصل، والكلام الجزل في هذا المقام، وتحقيق هذا المرام: أنّ باني هذه الدار، الملك الحكيم القادر الجبّار، لم يخلق لداره ما هو شرّ مطلقاً؛ لأنّه مخالف لحكمته، ومنافٍ لعدله ورحمته، والإنسان مع كونه جاهلًا عاجزاً يبني لنفسه داراً ويرفع جداراً، ويعيّن خلوة لخاصّته، ورواقاً لأهل صحبته وغرفة لندمائه، وحجرة لزوجته، وأخرى لإمائه، ومخزناً لجواهره الغالية الشريفة، وملابسه الثمينة النظيفة، وبيتاً للروائح العطرة والأشربة الطيّبة المطهّرة، ومحرزاً للأدوية المرّة، وموضعاً للكنيف، ومخبزاً للرغيف، ومطبخاً للطبخ، ومسلخاً للسلخ، ومبرزاً للفضلات، وبالوعة لصبّ الغسالات، ومطرحاً لإلقاء القمامات، ومستحمّاً للغسل، واصطبلًا للدوابّ، ومكاناً لغسل الأواني والثياب.

ويعيّن بعض غلمانه لملازمته ومرافقته ومجالسته ومنادمته، وبعضاً لصيانة أمتعته المرغوبة، وآخر لأطعمته وأشربته وحوائجه المطلوبة، وبعضاً للطحن والخبز والطبخ، وبعضاً للكنس والفرش والسلخ، وبعضاً لخدمة الفرس والحمار، وبعضاً لحراسة ما في الدار.

ولو اعترض عليه أحد بأنّك لِمَ بنيت هذا المقام للجلوس والمنام؟ وهذا المكان مطبخاً للطعام؟ وهذا الموضع مصبّاً للقاذورات؟ وهذا البيت محرزاً للأدوية والمكروهات؟ وهلّا جعلت كلّ بيوت الدار مفروشاً نظيفاً مطيّباً بالروائح الطيّبة رشيقاً؟ ولِمَ جعلت غلامك الفلانيّ للكنس وخدمة الدوابّ؟ ولِمَ ألبست ذلك العبد فاخر الثياب؟ وذاك الثياب الغليظة القذرة؟ وجعلت ذلك لتنظيف الدار من العذرة؟ وهلّا جعلت الكلّ للمنادمة والمجالسة والمصاحبة والمؤانسة؟ لضحك صاحب الدار من سخافة عقله، وسفاهة رأيه، وغفلته عمّا لاحظه هو وقصده في ترتيب الدار، وإنّما استعمل غلمانه فيما هو الأليق باستعدادهم، والأوفق بنظام حال الدار وما أحاط به الجدار، والأصلح بحالهم وبعمارة الدار على ما يقتضيه صلاح الجميع ونظام الكلّ من حيث هو كلّ، لا بخصوص فرد فرد من الشريف والوضيع، وهذا هو مطمح نظر الحكيم الحقّ والعظيم المطلق. وبالجملة، الغاية الأزليّة متعلّقة بتدبير الكلّ من حيث هو كلّ أوّلًا وبالذات، وبتدبير الجزء ثانياً بالعرض لا بالذات، ولا يمكن أن يكون نظام الكلّ أحسن من نظام الواقع وإن أمكن لكلّ فرد فرد ما هو أكمل منه بالنظر إلى خصوصيّته في الواقع، لكنّه حينئذٍ يكون مخلّاً بحسن نظام الكلّ وإن خفي علينا وجهه، فتعالى الخالق الصانع.

وقد عرفت أنّ المعمار الباني للدار إذا طرح نقش عمارة فربّما كان الأحسن لتلك العمارة من حيث الكلّ أن يكون بعض أطرافه مبرزاً، والطرف الآخر مَخبَزاً، والبعض الآخر مجلساً، والآخر مطبخاً، والجانب الآخر مخزناً، والآخر مسلخاً، بحيث لو غيّر هذا الوضع لاختلّ مجموع نظم العمارة، وانحطّ عن مرتبة الجمال والنضارة، وإن كان الأحسن نظراً إلى خصوصيّة كلّ فرد من الأجزاء أن يكون مجلساً مثلًا ومكاناً نظيفاً مرغوباً للجالسين وغرفة لا يبغون عنها حولًا.

فكلّنا بنظام الكلّ مربوط *** والكلّ بالكلّ ممزوج ومخلوط

لكن تفاوتت الأقدار من سبب *** فبعضنا غابط والبعض مغبوط

وبتقرير آخر هو: أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لو اقتصر على الممكن الأشرف في الإيجاد لبقيت كلّ الموجودات طبقة واحدة، بل انحصرت في أوّل المخلوقات الذي هو العقل الأوّل، أو النور المحمّديّ، أو العرش، أو غير ذلك على اختلاف الآراء، ولبقيت المراتب الباقية في كتم العدم مع إمكان وجودها، فكان حيفاً عليها وجوراً لا عدلًا وقسطاً.

فالعناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن، فلو أمكن أحسن ممّا هو عليه الآن لوجد من وجود الواهب المنّان، ولو تساوت الموجودات في الشرف والكمال والنقص والتمام لفات الحسن في ترتيب النظام وارتفع الصلاح، ولو لم توجد النفوس الشقيّة والطبائع الغليظة لكانت لا تتمشّى أمورهم ولا تتهيّأ مصالحهم، ولبقي الاحتياج إليها في العالم مع فقدها.

كما لو كان البصل زعفراناً، والدّقلي (5) أقحواناً (6)، أو لو لم يوجد البصل والدقلي أصلًا لحُرم الناس من منافعها وتضرّروا في فقدها مع إمكان وجودها، وكما لا يختلج في صدرك أنّ البصل لِمَ لم يكن زعفراناً، والقيصوم (7) ضيمراناً (8)، والكلب أسداً، والوهم عقلًا، فيجب أن لا ينقدح في قلبك وبالك إذن أنّ باقلًا (9) لِمَ لم يكن سحباناً، والفقير سلطاناً، والشقيّ سعيداً، والجاهل الشرّير عالماً خيّراً، إذ لو كان كذلك لاضطرّ السلطان إلى صنعة الكنس، والحكيم المتألّه إلى مباشرة الرجس. ولم يبقَ التناسل على تقدير التماثل وبطل النظام ووقع الهرج والمرج بالتمام فلم يكن ذلك عدلًا بل كان ظلماً وجوراً.

ثمّ إنّ الدنيّ لا يتألّم من دناءته، والخسيس لا يتضرّر من خساسته، والجاهل جهلًا بسيطاً لا يتعذّب لجهله، والعامي الأعمى البصيرة لا يشقى بعماه الأصليّ؛ لكون كلّ منها لم يغيّر عمّا هو عليه ليتألّم بفقر كماله ويتعذّب بضدّ حاله، بل كان كلّ أحد يعشق ذاته ويحبّ نفسه وإن كان خسيساً دنيّاً، وفي المثل السائر: غثّك خير من سمين غيرك؛ فمن أساء في عمله وأخطأ في اعتقاده فإنّما ظلم نفسه بظلمه جوهره وسوء استعداده، وكان أهلًا للشقاوة، وينادى على لسان المالك: مهلًا، فيداك كسبتا وفوك نفخ (10)، وإنّما قصر استعداده واظلم جوهره لعدم إمكانه (11) كونه أخسّ ممّا وجد كما لا يمكن أن يلد القرد إنساناً في أحسن صورة وأكمل سيرة ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ** إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119].

وبالجملة، تفاوت الخلق في الكمال والنقص والسعادة والشقاوة إمّا بأمور ذاتيّة جوهريّة، وإمّا بأمور عارضة كسبيّة بواسطة الأعمال والأفعال: فالاختلاف بحسب الأمور الذاتيّة بمحض العناية الإلهيّة المتقضّية لحسن الترتيب وفضيلة النظام، وليس منشأً لإشكالٍ أصلًا كما علمت.

وأمّا بحسب العوارض اللاحقة فهي من اللوازم والتوابع الحاصلة بمصادفات الأسباب، فكلّ آفة وشرّ تلحق الشيء بسبب أمر خارج اتّفاقيّ فليس ممّا يدوم عليه، بل يزول بزوال سببه، وسيعود الشيء إلى ما كان عليه أوّلًا من طبيعته الأصليّة؛ إذ الأسباب الاتفاقيّة غير دائمة ولا أكثريّة في الوجود، اللّهمّ إلّا أن تنقل طبيعة الشيء إلى طبيعة أخرى، فتكون هذه الثانية طبيعة أصليّة، والكلام فيها عائد من أنّ ما يكون عارضاً غريباً لها يزول عنها بسرعة، فعلم أنّ أكثر أحوال الشيء الخير والسلامة، والآفة والشرّ من النوادر الاتّفاقيّة.

وبتقرير آخر: إنّ هذا العالم بهذا الصنع الحسن وذاك النمط المتقن الموضوع على نمط غريب وطرز عجيب، تحيّر فيه العقول، وتذعن له أولوا الألباب من الفحول، مرتبط بعضه ببعض كمال الارتباط، ومحتاج بعضه إلى بعض كمال الاحتياج، فهو كالإنسان الذي له أعضاء وجوارح وحواس ظاهرة وباطنة، مرتبط بعضها ببعض، ومحتاج بعضها إلى بعض.

وقد ورد في الأخبار أنّه لمّا قال قائل بحضور أحد المعصومين الأطهار: (اللّهمّ أغنني عن خلقك) نهاه (عليه السلام) عن ذلك وزجره عمّا هنالك، وقال: «لا تقل هكذا، فإنّ الخلق كالأعضاء يحتاج بعضها إلى بعض »، وفي خبرٍ: « كالأصابع مرتبط بعضها ببعض»، قل: اللّهمّ أغنني عن شرار خلقك» (12)، وحينئذٍ فكما أنّ الإنسان لا تتحقّق فيه الإنسانيّة، ولا يتمكّن إلّا بخلق أعضاء رئيسيّة، وأعضاء خادمة لتلك الرئيسيّة، وأعضاء علويّة وأعضاء سفليّة، بدون ذلك لا يكون إنساناً على نمط حسن وطرز متقن، فكذا هذا العالم لا يمكن إيجاده إلّا على هذا النحو بأن يكون فيه إنسان رئيس وآخر خسيس، وهكذا.

فكما في الإنسان لا ينسب إليه الظلم ولا يقال: لِمَ جعلت الرجل أسفل والرأس أعلى والأعضاء والجوارح خادمة للقلب؟ ولِمَ لم تجعل كلّها رئيسيّة، فكذا هنا لا يمكن أن يقال ذلك بعينه من دون تفاوت أصلًا، فإنّ الإنسان عالَم صغير وهو أنموذج للعالم الكبير، وكما لا يخفى على المحقّق الخبير، والناقد البصير، ولا ينبّئك مثل خبير.

ثانيها: أن يقال: إنّه قد ثبت في موضعه أنّ الماهيّات ليست بجعل جاعل، وحينئذٍ فبعد ما ثبت أنّ الكافر مستحقّ للعقاب فالعقل يحكم بأنّ إيجاده لا فساد فيه أصلًا، بعد أن لم يجعل اللَّه ذاته كذلك، وإن علم موجده أنّه يصدر عنه أمور يستحقّ بها العذاب الدائميّ؛ لأنّ صدور هذه الأمور قد فرض أنّه باختياره، فيستحقّ العقاب والذمّ عليه.

ثالثها: أن يقال: إنّ نعمة الوجود لا توازيها نعمة، فمن كان مبتلى بالعذاب الدائميّ، فنعمة الوجود راجحة عليه ومأثورة عند العقلاء.

وبالجملة، فالوجود أشرف من العدم مطلقاً، والدليل على ذلك أنّه قد شوهد بعض الناس يحترق بالنار ويصطلي فيها فيدعوه بعض من هو خارج عنها بأن يأتي قريباً منه ليضرب عنقه ويخلّصه من النار، فلمّا يروم ضرب رقبته يفرّ منه إليها، وما ذلك إلّا لإيثار ساعة من الوجود الكذائيّ على العدم.

رابعها: ما عليه جماعة من الصوفيّة، وحاصله: أنّ للَّه ‌تعالى صفات وأسماءً متقابلة هي من أوصاف الكمال ونعوت الجلال، ولها مظاهر متباينة بها يظهر أثر تلك الأسماء، فكلّ من الأسماء يوجب تعلّق إرادته سبحانه وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدلّ عليه من حيث اتّصافه بتلك الصفة، فلذلك اقتضت رحمة اللَّه عزّوجلّ إيجاد المخلوقات كلّها لتكون مظاهراً لأسمائه الحسنى، ومجالي لصفاته العليا.

مثلًا: لمّا كان قهّاراً أوجد المظاهر القهريّة التي لا يترتّب عليها إلّا أثر القهر من الجحيم وساكنيه، والزقّوم ومتناوليه، ولمّا كان عفوّاً غفوراً أوجد مجالي للعفو والغفران، يظهر فيها آثار رحمة اللَّه، وقس على هذا، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار وأهل الجنّة مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار وأهل النار مظاهر القهر.

ومن هذا يظهر وجه اختلاف الناس في السعادة والشقاوة فمنهم شقيّ وسعيد، فظهر أن لا وجه لإسناد الظلم والقبائح إلى اللَّه تعالى؛ لأنّ هذا الترتيب والتمييز من وقوع فريق في طريق اللطف، وآخر في طريق القهر من ضروريّات الوجود والإيجاد، ومن مقتضيات الحكمة والعدالة.

ومن هنا قال بعض العلماء: ليت شعري لِمَ لا ينسب الظلم إلى الملك المجازيّ، حيث يجعل بعض من تحت تصرّفه وزيراً قريباً، وبعضهم كنّاساً بعيداً؛ لأنّ كلّاً منهما من ضروريّات مملكته، وينسب الظلم إلى اللَّه تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص، مع أنّ كلّاً منهما ضروريّ في مقامه هذا.

وهذه الأجوبة كلّها لا تخلو من نظر.

أمّا الأوّل: فلإباء العقل السليم، والفهم المستقيم من أن يحسن إيلام شخص ليكون غيره في راحة وسرور، وكيف يجوز أن يكون ذات الواجب تعالى مع كونه محض الوجود عندهم وبحت الخير مستلزماً لمثل هذا الأمر؟ ولو جاز مثل هذا لجاز أن تكون ذاته تعالى مستلزمة لشرور كثيرة إمّا مساوية للخيرات أو أزيد منها من دون تفرقة أصلًا، والفرق بين الشرّ القليل والكثير فيما نحن فيه لا وجه له قطعاً.

وأمّا الجواب الثاني: ففيه كلام طويل وأبحاث دقيقة مذكورة في محلّها، ذكرها يوجب التطويل، ويفهم بعضها ممّا تقدّم في مسألة الجبر والاختيار.

وأمّا الثالث: فلأنّ العقل السليم يحكم حكماً قطعيّاً ويجزم جزماً بديهيّاً بأنّ العدم البحت خير من مثل هذا الوجود بالنسبة إلى ذلك المعذّب بأنواع العذاب، ولهذا ورد أنّ أهل جهنّم يتمنّون الموت (13)، وورد في بعض الأدعية: «ليت أمّي لم تلدني» (14)، وفي الآية: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40]، وأمّا الطريق الأخير فهو واضح الفساد؛ إذ لا يرجع محصّله إلّا إلى ذاته تعالى باعتبار بعض صفاته العليّة تستلزم عذاب شخص وبقاءه في العقاب الشديد دائماً، وهذا ممّا لا ينبغي أن يتفوّه به جاهل فضلًا عن عاقل، تعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، ولعلّهم أرادوا بذلك غير ظاهره فيحالوا إلى باطنهم.

وبالجملة، فالاعتراف بالعجز والقصور، والإذعان والتسليم أولى من الخوض في ارتكاب هذه الأجوبة الركيكة. وهذه المسألة من غوامض القدر المنهي عن الخوض فيه، فنكل علمها إلى اللَّه سبحانه وأوليائه.

واعلم أنّ المحدّث الحرّ العامليّ قد ألّف رسالة طويلة الذيل في تعليل خلق الكافر (15)، ولم يأتِ فيها بشيء تطمئنّ النفس إليه ويعوّل العقل عليه.

وحاصل ما فيها بعد بطلان الجبر وثبوت الاختيار، وذكر جواباً إجماليّاً وهو: أنّه قد ثبت بالأدلّة العقليّة والنقليّة أنّ اللَّه عدل حكيم لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب، وأنّه منزّه عن الظلم والعبث والنقص والجهل، فوجب أن نَجْزم بأنّ جميع أفعاله موافقة للمصلحة والحكمة وإن لم يظهر لنا وجهها، ثمّ ذكر اثني عشر علّة تفصيليّة:

الأولى: إرادة وقوع العبادة منه باختياره أو تكليفه بالعبادة، كما أنّ هذه العلّة في خلق المؤمن، وهذه العلّة مستفادة من جملة من الآيات أوضحها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فإنّ الجمع بين الجنّ والإنس، وحصر علّة خلقهم في العبادة شامل للمؤمن والكافر، خصوصاً مع ملاحظة قلّة المؤمن جدّاً بالنسبة إلى الكفّار، فإنّ أكثرهم كفّار، والحصر إضافيّ بالنسبة إلى الرزق ونحوه، أو باعتبار الأظهريّة والأكمليّة.

الثانية: إرادة كونه دليلًا من جملة الأدلّة على معرفة الخالق ووجوده ووفور كرمه وجوده كما يستفاد من الحديث القدسيّ: «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لكي أعرَف» (16).

الثالثة: إظهار القدرة الكاملة والحكمة الباهرة من حيث إنّ اللَّه قد خلق المؤمن والكافر، وما حكمته ظاهرة وما حكمته خفيّة، وما تميل إليه الطباع وتنفر عنه، وخلق أصناف المخلوقات مع اختلاف أقسامهم وألوانهم، وطبائعهم وألسنتهم، وأحوالهم وموادّهم، وعناصرهم وشهوتهم، ولو خلقهم على وجه واحد لظنّ بعض القاصرين عجزه تعالى عن ذلك وأنّه تعالى موجَب غير مختار.

الرابعة: الإشارة والإيماء إلى بطلان الجبر والإلجاء، فإنّ وجود المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والخير والشرّ، وكون المؤمن قد يكفر، والكافر قد يؤمن، والعادل قد يفسق، والفاسق قد يتوب، يدلّ على بطلان الجبر، فإنّه لو كان جائزاً أو لازماً لكان المناسب لحكمة اللَّه تعالى أن يجبر الإنسان على الخير والإيمان والطاعة لا على أضدادها.

الخامسة: إظهار تمام الحلم وكمال الرحمة والبعد عن الظلم بإمهال الظالم والعاصي، وإنظار من صدر منه أكبر الكبائر وأعظم المعاصي؛ ليتوب من تاب وينيب إليه من أناب.

السادسة: إرادة حصول نفع دنيويّ من الكافر للمؤمنين، كما يشاهد عياناً من أنّ جملة من الكفّار قائمون بخدمة المسلمين وأعمالهم، ومُعينون لهم على إقامة نظام معايشهم، وفي الصناعات والزراعات والتجارات والجهاد والقتال، وحينئذٍ فخلق الكافر كخلق الدابّة لما فيها من عظيم المنفعة، بل منفعة الكافر أعظم غالباً.

السابعة: إرادة إظهار حسن الإيمان أو زيادة حسنه عند ظهور قبح الكفر، وكذا إظهار قدر نعمة الإيمان والهداية ومنّة اللطف والتوفيق والعناية، فإنّ الأشياء تتبيّن بأضدادها، والنعمة يعرف قدرها عند فقدها أو رؤية فاقدها، ولهذا قيل: أربعة لا يعرف قدرها إلّا أربعة: الشباب لا يعرف قدره إلّا الشيوخ، والعافية لا يعرف قدرها إلّا أهل البلاء، والصحّة لا يعرف قدرها إلّا المرضى، والحياة لا يعرف قدرها إلّا الموتى؛ فكان خلق الكافر لطفاً للمؤمنين وموجباً لثباتهم على الدين.

الثامنة: إرادة كون المؤمن في الدنيا خائفاً وجلًا عاملًا بالتقيّة، فإنّ ذلك لطف عظيم، وقد روى الصدوق في الأمالي: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان أحبّ الأشياء إليه أن يُرى خائفاً جائعاً.

التاسعة: إرادة المنع من القول بالغلوّ في الأنبياء والمرسلين والأئمّة الطاهرين، فإنّه حيث كان لهم أعداء وأضداد وأنداد يقتلونهم ويؤذونهم، وكانوا تارة غالبين وتارة مغلوبين ظهر بطلان قول من ادّعى الإلوهيّة فيهم، ولولا ذلك لأعتقد كثير من الناس ذلك.

العاشرة: إظهار وفور الجود والكرم وكثرة الإحسان والنعم، وبيان أنّ اللَّه أكرم الأكرمين وخير الرازقين، حيث إنّه ينعم على المستحقّين وغيرهم ويرزق المطيعين وغيرهم، فيحصل الاعتبار ويدعو إلى ترك القنوط عن رحمة اللَّه والاعتماد على غيره، وهو لطف عظيم.

الحادية عشرة: إظهار حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة، فيكون ذلك داعياً إلى الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة كما قال (عليه السلام): «لو كانت الدنيا تساوي عند اللَّه جناح بعوضة لما سقى اللَّه الكافر منها شربة ماء» (17).

الثانية عشرة: إرادة تكثير الأنواع السفليّة وتكثير النسل وتعريض نسل الكافر للإسلام.

ثمّ أورد جملة من الأحاديث تدلّ على أنّ أكثر هذه العلل التي ذكرها في سبب إيجاد الخلق وعلّة وجودهم لا خصوص الكافر، وأنت خبير بأنّ هذه المصالح والحِكَم وإن كانت حقّاً إلّا أنّ منافعها وفوائدها إنّما ترجع في الكافر إلى غيره كما عرفت سابقاً؛ فتبقى المسألة في قالب الإشكال، واللَّه العالم بحقائق الأحوال.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوحيد، ص 402، باب أنّ اللَّه لا يفعل بعباده إلّا الأصلح لهم، ح 9؛ علل الشرائع، ج 1، ص 15، ح 1؛ بحار الأنوار، ج 58، ص 133، ح 6.

(2) التوحيد، ص 398؛ باب أنّ اللَّه تعالى لا يفعل بعباده إلّا الأصلح لهم.

(3) لم نظفر به.

(4) وسائل الشيعة، ج 15، ص 260، ح 20452 مع اختلاف في العبارة.

(5) الدقل بالتحريك: أردى التمر. كتاب العين، ج 5، ص 116 (دقل).

(6) الأقحوان: نبات له زهرة صفراء صغيرة في الوسط، تحيط بها أوراق من الزهر الأبيض الصغير يشبّه الشعراء بها الأسنان. انظر: لسان العرب، ج 15، ص 171 (قحو).

(7) القيصوم: نبت طيّب الرائحة، وهو من نبات السهل. لسان العرب، ج 12، ص 487 (قصم).

(8) الضيمران: ريحان البرّ أو الريحان الفارسيّ. لسان العرب، ج 4، ص 493 (ضمر).

(9) باقل: اسم رجل من ربيعة وكان عيّياً، وبلغ من عيّه أنّه كان اشترى ظبياً بأحد عشر درهماً، فقيل له: بكم ‌اشتريت الظبي؟ ففتح كفّيه وفرّق أصابعه وأخرج لسانه يشير بذلك إلى أحد عشر، فانفلت الظبي وذهب، فضربوا به المثل: أعيا عن باقل. انظر: لسان العرب، ج 11، ص 62 (بقل). وسحبان أيضاً رجل من وائل، وكان لَسِناً بليغاً، يضرب به المثل في البيان والفصاحة. لسان العرب، ج 1، ص 461 (سحب).

(10) أصل المثل: يداك أوكتا وفوك نفخ. يقال في التوبيخ، أصله: أنّ رجلًا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه، فلم يُحسن إحكامه حتى إذا توسّط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلمّا غشيه الموت استغاث برجل فقال له: يداك أوكتا (سدّتا الزق) وفوك نفخ. مجمع الأمثال، ج 2، ص 335.

(11) في «ث»: «بعد إمكانه».

(12). انظر: بحار الأنوار، ج 75، ص 135؛ مستدرك الوسائل، ج 5، ص 262، ج 5830.

(13) فمنه ما ورد عن عليّ (عليه السلام) في قوله تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]، فيقول مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] راجع: تفسير القمي، ج 2، ص 289.

(14) الصحيفة السجّاديّة، ص 404.

(15) انظر: الذريعة، ج 7، ص 246.

(16) انظر: بحار الأنوار، ج 84، ص 198.

(17) انظر: من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 362، ح 5762؛ وسائل الشيعة، ج 16، ص 17 - 18، ح 20846.

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد