خلال العقود السابقة، كان هناك أيضًا الكثير من المناقشات بين علماء الآثار ومؤرخي التاريخ القديم فيما يتعلق بالهجرات المُحتمَلة، و/أو استعمار اليونانيين للجزيرة في أعقاب الانهيار. وقد اجتذبَت قطعةٌ واحدة على وجه الخصوص، وهي سيخ برونزي (سيخ شواء في الأساس)، قدْرًا كبيرًا من الاهتمام في هذا الصدد؛ لأنها تحمل أقدم اسمٍ يوناني معروف عُثِر عليه في الجزيرة؛ «أوفيلتاس». وهو اسم رجُل، مكتوب باستخدام خمس علاماتٍ مقطعية قبرصية مينوية، باللهجة الأركادية القبرصية اليونانية، وفي حالة الإضافة (بمعنى «مِلك»، أو «ينتمي إلى» أوفيلتاس). لذلك، عادةً ما يُفَسَّر على أنه اسم مالك سيخ الشواء.
عُثِر عليه في القبر رقم 49 داخل مقبرة سكاليس في باليبافوس («بافوس القديمة»). وهو قبرٌ ثري جدًّا يعود تاريخه إلى النصف الثاني من القرن الحادي عشر قبل الميلاد. اكتشفه عالِم الآثار القبرصي الشهير فاسوس كاراجورجيس، الذي عمل لعقودٍ من الزمن مديرًا لهيئة الآثار في الجزيرة. داخل القبر، الذي احتوى على «هيكلَين بشريَّين سليمَين تقريبًا» مُلقَيَين على الأرض، مع شظايا من جمجمةٍ ثالثة عُثِر عليها في مكانٍ قريب، كان هناك ثلاث أمفورات كبيرة (الأمفورة هي جرَّةٌ خزفية ذات حامل من الجانبَين كان اليونان القدامى يستعملونها)، ومصفاة برونزية كبيرة، ووعاء برونزي كبير، وأربعة أوعية برونزية أصغر، وحامل برونزي ثلاثي القوائم، ورأس حربة برونزي، وثلاثة أسياخ برونزية، من بينها سيخ أوفيلتاس المنقوش (1).
ورغم أن هذا قد يبدو ملاحظةً جانبية غير ذات صلة، فمن المناسب أن نلاحظ في هذه المرحلة أن العديد من أساطير تأسيس مدن العصر الحديدي في قبرص، وخاصة بافوس وسالاميس، شملَت بعض الأبطال الأقل شهرةً من حرب طروادة، وكذلك الفينيقيين. على سبيل المثال، تَنسِب قصة تأسيس بافوس الفضلَ إلى أغابينور، الذي كان ملك تيجيا في أركاديا في البر الرئيسي لليونان. في حين أن مثل هذه القصص عن التأسيس لا أساس لها من الصحة في العادة؛ فعلى سبيل المثال، كانت بافوس موجودةً بالفعل منذ فترةٍ طويلة قبل هذه الفترة؛ فمن المؤكَّد أن هذه معلومةٌ مُثيرة للاهتمام، نظرًا لاستخدام اللهجة الأركادية القبرصية لكتابة اسم أوفيلتاس على السيخ البرونزي الذي عُثِر عليه في مقبرة باليبافوس-سكاليس (بمعنى أنه كان هناك بعض الاتصال بين أركاديا وقبرص في هذا الوقت تقريبًا، ولو بشكلٍ غير مباشر فقط).
وعلى نحوٍ مُماثل، يُفترَض أن مدينة سالاميس في قبرص أسسها تيوكر (توكر)، الذي وُصِف في «الإلياذة» لهوميروس بأنه رامي سِهام أسطوري. لم يكن الأخ غير الشقيق لآياس فحسب، بل كان أيضًا ابن تيلامون، الذي كان ملك جزيرة سالاميس في اليونان، وهو ما قد يُفسر تشابُه الأسماء. كما يُخبرنا فيرجيل في «الإنيادة» (الكتاب الأول، الأبيات من 619 إلى 626) أن تيوكر حصل على مساعدةٍ من ملكٍ لصيدا يدعى بيلوس، أي، فينيقي لا نعرف اسمه لولا ذلك (2). مرة أخرى، لا يُمكننا أن نأخذ هذه الأمور على ظاهرها، ولكنْ من المُثير للاهتمام أن نرى انعكاس الفينيقيين واليونانيين والقبارصة في هذه القصص.
ومع ذلك، فإن المقبرة مع سيخ الشواء البرونزي لأوفيلتاس غير عادية أيضًا من جانبٍ آخر؛ لأنها تُعَد من بين ما يُسمَّى بمقابر المحاربين التي عُثِر عليها في قبرص وكريت والبر الرئيسي لليونان في هذا الوقت، والتي يرجع تاريخها إلى الفترة من مُنتصف القرن الحادي عشر إلى أوائل القرن العاشر قبل الميلاد. كانت هذه المقابر تحتوي دائمًا تقريبًا على هدايا غالية الثمَن، مدفونة مع الميت، الذي غالبًا ما تكون جثته قد أُحرِقَت. ومن بين الأغراض الجنائزية في هذه المدافن أسلحة وأوانٍ معدنية وحوامل ثلاثية القوائم وأسياخ، كلها مصنوعة من البرونز أو الحديد. في كثير من الأحيان يكون هناك أيضًا امرأة مدفونة مع المحارب، على الرغم من أنه في معظم الحالات لا تكون جثتها مُحترقة، وعلاقتها بالرجُل ليست واضحة دائمًا (3).
وفي قبرص، عُثر على مثل هذه القبور في مقابر في باليبافوس-سكاليس، وسالاميس، ولابيثوس-كاستروس، وكوريون-كالوريزيكي، وأماثوس. وفي جزيرة كريت، عُثر عليها في المقبرة الشمالية في كنوسوس، وكذلك في أماري، حيث احتوت باطِيَة أمفورية برونزية على رمادٍ من حرق جثث. وفي البَر الرئيسي لليونان، قد يكون هناك أحد هذه القبور في تيرنز، إضافةً إلى قبرٍ معروف جدًّا في ليفكاندي في جزيرة وابية. وسنعود إلى هذه القبور في منطقة بحر إيجه في الفصل الخامس (4).
•••
عمومًا، يبدو أن دور قبرص كقائدة في التجارة الدولية استمر خلال هذا القرن. وكما ذكرَت نوتا كورو من جامعة أثينا، وهي مُتخصصة في الاتصالات الفينيقية مع منطقة بحر إيجه، سبق أن ذكرتُها: «ظلَّت الشبكات البحرية القديمة في البحر الأبيض المتوسط نشِطةً في أيدي القبارصة، الذين واصلوا خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد حتى رحلاتهم الطويلة إلى الخارج، وإن كان على نطاق أصغر بكثير من ذي قبل» (5).
وبحلول هذا الوقت، كان القبارصة يُصَدِّرون بجدية أغراضًا حديدية، وخاصة السكاكين والسيوف. ورغم ظهور مثل هذه الأسلحة الحديدية لأول مرة في قُبرص في القرن الثاني عشر، كما ذُكِر أعلاه، فالسكاكين الحديدية موجودة الآن بكمياتٍ أكبر بكثيرٍ في جزيرة كريت، والبر الرئيسي اليوناني، وسوريا، وجنوب بلاد الشام، في سياقاتٍ ترجع إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد (6).
إضافةً إلى الأسلحة والأدوات الحديدية، عُثِر على أغراضٍ برونزية قبرصية مُكتملة، مثل الأوعية والحوامل في سياقاتِ القرن الحادي عشر قبل الميلاد في منطقة بحر إيجه، وخاصة في جزيرة كريت. وتشمل هذه الأغراض باطِيَة أمفورية برونزية وأشياءَ أخرى مُستمدة من قُبرص في قبرٍ في موقع أماري، المذكور أعلاه؛ وحاملًا برونزيًّا في المقبرة الشمالية في كنوسوس؛ وأشياءَ أخرى مثل أوعية برونزية ذات مقابض على شكل زهرة اللوتس. كما عُثرَ على أغراضٍ قبرصية من هذا التاريخ في أماكن بعيدة مثل سردينيا وصقلية ومنطقة وَلْبَة في إيبيريا (7).
وعلى هذا المنوال نفسه، اقترح جان بول كرييلارد، عالِم الآثار بجامعة أمستردام، في عام 1998 أن «أعضاء النخبة القبرصية كانوا على اتصالٍ بأفراد رفيعي المستوى في سردينيا ومن خلالهم كانوا على صلةٍ بمناطق بعيدة في أماكن أخرى في الغرب» وأن شبكة التجارة الدولية على مستوى البحر الأبيض المتوسط بدأت بالفعل في التبلور مرةً أخرى، على الأقل على مستوى النخبة، بهدف الحصول على «سلعٍ غريبة ذات قيمة جوهرية ورمزية عالية» (8).
ولكنْ، ماذا عن القبارصة الذين لا ينتمون إلى النخبة؟ وكيف كان حال سكان قبرص العاديين في هذا الوقت، أي المزارِعين والتجَّار والحدَّادين وعمَّال المناجم وغيرهم ممَّن شكَّلوا الطبقتَين الوسطى والدنيا؟ من الصعب بكل صراحةٍ أن نقول أي شيءٍ عنهم خلال تلك الفترة؛ لأننا ببساطة لا نملك أدلةً كافية في هذا الوقت للتعليق بطريقة أو بأخرى، ولكنْ على أقل تقدير، من المُحتمَل جدًّا أن الناس الذين يعيشون في مستوطناتٍ أصغر، بعيدًا عن مراكز المدن، ربما لم يلاحظوا الكثير من التغيير، على الأقل من حيث البنية السياسية، على الرغم من أنهم ربما يكونون قد اضطُروا إلى التعامُل مع ظروفٍ أكثر جفافًا (9). وفيما يتعلق بأولئك الذين يعيشون في المناطق الحضَريَّة، وخاصةً في المراكز الجديدة التي تأسَّست في هذا الوقت، وفيما يتعلَّق بالنخبة، ربما بدا الأمر في الواقع وكأنَّ الجزيرة كانت مُستمرَّةً في إظهار المرونة والتحوُّل في مواجهة الظروف المُعاكِسة. وأيًّا كان ما نعتقِده بشأن «مقابر المحاربين» التي عُثِر عليها في قبرص وفي منطقة بحر إيجه؛ فإن البضائع القبرصية التي صُدِّرَت شرقًا وغربًا في هذا الوقت تُشير إلى أنَّ القبارصة ظلُّوا قوةً فعَّالة على طُرق التجارة الدولية وأنهم استمروا في الازدهار في أعقاب الانهيار.
...........................................
(1) Karageorghis 1983: 59–76, see also app. 4. For subsequent discussions, see, e.g., Sherratt 1992: 329; Deger-Jalkotzy 1994: 11; Iacovou 2006b: 38, 2008: 633; Voskos and Knapp 2008: 674-75; Satraki 2012: 268; Janes 2013: 146-47; Knapp 2014: 41; Kearns 2015: 29, fig. 1.4; Georgiou and Iacovou 2020: 1147; Steele 2020: 256-57 and fig. 2.6.2; López-Ruiz 2021: 252-53, 270-71.
(2) On these foundation myths, see esp. Iacovou 2006a: 328, 2006b: 44–46, 2007: 467; also Kearns 2015: 29, with references.
(3) H. W. Catling 1993: 91-92; Crielaard 1998: 187–91, 198-99; Kourou 2008a: 364; Iacovou 2012: 214; Muhly and Kassianidou 2012: 124-25; Georgiou and Iacovou 2020: 1145-46.
(4) Popham, Touloupa, and Sackett 1982; H. W. Catling 1993, 1995, 1996; I. Morris 1996: 3; Crielaard 1998: 187–90, 198; Kourou 2008a: 363–65, 2016: 54-55; Muhly and Kassianidou 2012: 124-25; Iacovou 2012: 214; Georgiou and Iacovou 2020: 1145-46; S. P. Morris 2022: 104. Note that Kourou 2008a: 363-64 says “the Amari tomb suggests that apparently some kind of direct contact existed in the 11th century B.C.E. between Crete and Cyprus.”
(5) Kourou 2008a: 364.
(6) Muhly and Kassianidou 2012: 125-26, 134-35; see also Iacovou 2014c: 799, 801. See Sherratt 1994: 73–75, as well as the additional entries in the catalog compiled on 88–92, updating the original catalogs in Waldbaum 1978, 1982.
(7) Crielaard 1998: 187, 192-93, 196; Iacovou 2008: 641-42; Kourou 2008a: 363-64, 2012: 38, 2016: 53–55, 2019: 77-78; Satraki 2012: 265-66; Arruda 2015: 273-74; Pappa 2020; S. P. Morris 2022: 104.
(8) Crielaard 1998: 193-94, 197-98.
(9) Kearns (pers. comm., March 2, 2023); see now Kearns 2022: 130–54 for a current overview.