أحد الايام وانا اسير شاهدت امامي منظراً عجيباً يندهش فيه الانسان، اب يضرب ابنه ضرباً مبرحاً وهو ينعته بصفات ما عهدتها عند غيره ابداً، هدأ قليلاً وقال: انا عصبي ولا يمكن لأي شخص ان يهدئني حتى لو كان أقرب الناس مني، قلت في نفسي: لماذا لا يتدخل هؤلاء الذين يتفرجون؟ وانا أسأل نفسي هذه الاسئلة وإذا بأحدهم يقول لصاحبه: هذا شخص لا يمكن ان يعيش معه انسان، كان الله بعون أهله فحتماً انهم يرون منه كل يوم أشد انواع التهم والتنكيل وبيتهم نار مشتعلة إذا حضر، كان ذلك الموقف رهيباً اذ ترى براءة الطفل ونار غضب الاب وهو يصفع به يميناً ويساراً، ويركله برجله، تألمت كثيراً وعندما حركت قدمي للذهاب سمعت السبب الذي جعل الاب بهذه القسوة على ولده، ويا ليتني لم أسمعه، فكان من التفاهة ما لا يمكنني ان اذكره هنا، ماذا جنى الاب من هذه الحادثة؟ اي أثر نفسي تركه في الولد امام الناس؟ هل كان هم الاب تأديب ابنه؟
يقول بعض علماء النفس التشخيص اولاً ومن ثم الحكم والعلاج، فلا يمكننك ان تحكم على اي حالة دون ان تدرك كافة ابعادها، فمثل هذه الحالة متوفرة امامك ابعادها فهي تتألف من:
الاب المتوتر + الابن المذنب = انفعال الاب على ابنه وما يرافقه من ضرب وسب، والشاهد انت لم تنقل لك حتى تذهب بعض تفاصيلها، وعرفت سبب الانفعال + انهيار الاب امام ابسط الاشياء.
الحكم:
يمكن لنا ان نحكم على شخصية هذا الاب بـ :ـ
1ـ شخصية متوترة لا يمكن ان تتعامل معها دائماً.
2ـ لا يرافقه سوى النوادر الذين يتمكنون من تهدئته.
3ـ لا يهتم بنقد الآخرين ولا يهمه سوى تفريغ غضبه في اي شخص يثيره.
4ـ قليل الفكاهة كثير العبوس، لا يحب ولا يجالس. وغيرها من الأوصاف.
على حافة التوتر
التوتر هو ارتفاع في درجة حرارة الهدوء، او هو انخفاض في مستوى الهدوء او هو انهيار يصيب الانسان جراء موقف ما، عرفه ما شئت وباي صورة، فقد لا يتكفل هذا البحث بإيراد التعريفات ورسم الحدود والاشتباكات اللفظية بقدر ما يعالج او يشرح الموضوع.
لم يصنع لنا التوتر اي تقدم ولم يأت لنا بجديد ينفعنا، هل حقن الدماء يوماً؟ هل قضى على مشكلة ما؟ هل جنينا الفوائد الجمة من الغضب؟ هل مدحه الدين؟ هل كان خلقاً أمرنا ربنا الحكيم ان نتمسك به؟ فلماذا يفتخر بعض الناس عندما يقال له انك متوتر ويحسبها شيئاً كبيراً وعظيماً، مهلا ايها المتوتر كلنا نستطيع ان نغضب ونتوتر، فالكلمات مجانية لا تباع ولنا حناجر قوية ولسان مبين، لكن عقولنا هي من منعتنا من ذلك ديننا له الفضل كذلك، اتحسب انك بلغت المقام بتوترك انك لن تخرق الجبال ولم تحصد الثمار ولم ترتفع شبراً بل هبطت وتدنيت، واذا قيل لك يوماً: انك كذا وكذا لا تعتبرها شتيمة او تعدياً بغير حق، فمن يضع نفسه في هذه المواضع فلا يلومن الا نفسه، الناس تشاهد اللون الاحمر تقول: هذا لون أحمر فهل يمكن ان يأتي شخص يغير الحقائق؟
لم يجلب التوتر لنا اي فائدة بل كثيراً ما جعل كل علاقتنا تنتهي بالخلاف فهو مرض ينتشر في جميع مفاصل الحياة، ويختلف شدة وضعفاً حسب السيطرة وقوة الشخصية، فكلما كان الانسان تابعاً لهواه ونفسه ولا يهمه اي شيء آخر كان التوتر هو سيد مواقفه، فغليان الدم ليس الا مشكلة لم نتمكن من معالجتها إلى الآن، ولم تكن ثمة اشياء تستحق الغضب او التوتر، ورغم ذلك اننا نجد الكثير يقلب الموازين ويرتكب الاخطاء وينال من هذا وذاك لأجل اسباب بسيطة جداً، هو لا يشعر بما يفعله احياناً، لان المتوتر فاقد العقل في كثير من الاحيان، وحياته مبنية على المزاجية العصبية التي تنسف كل شيء، بعضنا لم تكن له اي علاقة بالتوتر والغضب، كان هادئاً معتدلاً لا يميل الى التعصب ابداً لكن موقفاً ما جعله يعتاد على الغضب هو لا يحبه ولا يرضى به صفة الا انه ما يزال متصفاً بالتوتر، نحن على حافة التوتر، هل من علاج؟
ماذا تريد؟
انت في هذه اللحظة تطلب مني ان أقدم لك حلاً او اضع بين يديك علاجاً للتخلص من التوتر، وستجيب بنعم، انا اريد ان أسألك عدة اسئلة وارجو ان تسمح لي بذلك:
ـ هل أنت مستعد تماماً للخروج من مأزق التوتر او الغضب؟
....................................................................
ـ لماذا تهرب من التوتر وتبحث عن الحل او العلاج؟ هل تكونت في ذهنك صورة مزعجة عن التوتر؟
.............................................................................................
ـ هل هنالك مواقف سلبية تتذكرها كان التوتر سبباً في وجودها؟ اذكرها مختصر او معبرا عنها برموز.
.............................................................................................
ـ هل سبب لك التوتر خسارة كبيرة يوماً ما او لم تحصل على شيء كان في متناولك؟
.............................................................................................
ـ ماذا عنك في البيت هل توصف بالعصبي؟ وكذلك في الخارج مع اصدقائك؟
.........................................................................................
ـ هل يراودك شعور قديم للتخلص من الغضب أم لا؟ وهل انت مقتنع به نوعاً ما؟. قبل الاجابة على هذه النقطة اعلم أنك ان اجبت بـ (نعم) فاستمر معنا في الاجابة على بقية النقاط، وان كانت اجابتك بـ (كلا)، فعليك اعادة قراءة التوتر واضراره بشكل دقيق كي تركز أثره السلبي لديك لان قناعتك بسلبيته لم تكن بدرجة عالية تؤهلك للتخلص منه بشكل يوافق من كانت اجابته بنعم.
.............................................................................................
ـ هل شعرت يوماً ان شخصيتك ساذجة بنظر الآخرين بسبب صفة التوتر او الغضب؟
.............................................................................................
ـ هل تستطيع ان تعرف مدى تأثيرك على الآخرين سواء كانت نصيحة او طلباً؟
.............................................................................................
ـ وهل تعزو سبب ضعف شخصيتك الى التوتر؟
.......................................................
ـ هل وجدت التوتر وسيلتك الوحيدة في بعض الاحيان للدفاع عن نفسك؟
................................................................................
ـ ان كانت اجابتك بنعم فعليك بالتأمل لدقيقة واعد تلك المشاهد التي ترى نفسك فيها متوتراً، وان كانت اجابتك كلا، فاستمر بمتابعة الاسئلة.
.............................................................................................
ـ تشعر بعض الاحيان بهروب الكثير ممن حولك من مواجهتك، هل تظن انها مكسب لك؟ ام ماذا؟
..........................................................................................
ـ أتشعر ان أحد افراد عائلتك لا يحبك؟ ستنزعج لكنها حقيقة، انا لا اطلب منك ان تنهار إذا قلت لك انهم لا يريدونك ان تأتي لهم؟ هل لديك وجهة نظر، سجلها هنا قبل ان تغضب من الكاتب، انت الان ابتسمت في داخلك ان كنت منتبها وإذا لم تبتسم من اول قراءة فعليك إعادة قراءة ثلاثة اسئلة قبل هذا.
.............................................................................................
ـ هل تنفست الان واخذت قسطاً من الراحة وحصل لديك تغيير؟
......................................................................
ـ هل راودك السؤال التالي: انا اجيب على هذه الاسئلة والكاتب لا يعلم بالإجابة، كيف له ان يقيم اجابتي او يخصص لي العلاج؟
..........................................................................................
انا لم أكن بجانبك صحيح، لكن معك في اجاباتك واحاسيسك ومشاعرك، لأنك تشعر بأنني اتحدث معك وانت تجيبني، تسألني ما فائدة اجابتي على هذه الاسئلة؟
ج / اننا نعرف بعض مشاكلنا لكننا لم نكتبها يوماً ولم نسجلها في دفتر ولم نرها حبراً على ورق ولم تكن لدينا رؤية كاملة عن مشاريعنا في تغيير نفوسنا، فان تسجيل المشاكل او السلبيات على الورق ومراجعتها كل يوم سيجعلنا نتذكرها كل وقت وستصبح امامنا متى ما شئنا ولا يمكن لنا نسيانها، فكل شيء لم يكتب قد يتعرض للنسيان وبذلك يبقى معنا ونحن لا نشعر به.
انا اشعر أنك الان قادر على معرفة شخصيتك المتوترة واصبحت جاهزاً لان تتلقى اي تعليمات ونشاطات تخص حالتك وبدورك تبحث عن علاج للتخلص من هذا المرض الخطير، وقد سجلنا في هذا الاختبار ملاحظات عدة من قبل بعض الاخوان الذين عرض عليهم هذا الاختبار ووفقاً لتلك النتائج تولد حافز مهم في ابقاء هذا الاختبار في هذا البحث أملاً في ان تكون فيه الفائدة لثلة محترمة من القرّاء الكرام.
ارشادات وکلمات
قبل كل شيء هل يمكن للشخصية المتوترة ان تتخلص من التوتر وتصبح شخصية هادئة؟
عند تتبعنا كثيراً من الاشخاص وجدناهم كانوا سابقاً في قمة التوتر والآن هم في قمة الهدوء، فقد حصل العكس تماماً، نحن لا نبحث عن الاسباب والقابليات فقط، وانما مدى صحة قولهم، فهل المسألة ممكنة ام لا؟
يحق لنا ان نجزم ان الانسان قادر على تغيير حاله، سواء اكان التغيير جذرياً ام نسبياً وبطيئاً، فاذا تكلم القرآن وقال ان الانسان قادر على التغيير وكذلك الواقع يشهد له، هل بإمكان أحد ان ينكر ذلك؟
ـ لا يوجد أحد يفهمك كما أنت، فأقرب الناس فهماً لواقعك هو أنت فاعرف نفسك جيداً واعلم ان كل شيء يغير شخصيتك بيدك، واحرص كل الحرص على الاهتمام بنفسك واحترمها جيداً، فاذا كانت كذلك اصبحت لك القدرة الكبيرة والرغبة الشديدة للتخلص من عيوبها ونواقصها.
ـ التوتر عالم الفوضى في الحياة، فلا استقرار ولا هدوء، هو ضد كل نجاح ومع كل فشل، فأول خطوة تخطوها ان تسفه الغضب والتوتر في داخلك وان تنظر للسلبيات التي تركها في نفسك وان تعرف جيداً خطورته على مستقبلك.
ـ عليك ان تعيش هم التخلص من التوتر، وتردد دائماً: انا لست متوتراً حتى وان طالت المدة، فان هذا الشعور سيترك في نفسك قوة تكره التوتر ولا تحبذه اطلاقاً وخلال مدة يسيرة تصبح شخصاً طبيعياً لا توصف بالمتوتر.
ـ حدد الأوقات التي تكون فيها متوتراً، وكذلك الموضوعات التي تثير التوتر لديك، اعرفها جيداً وسجلها لديك، ولكل شخص طريقة تعامل وكذلك معرفة كل الاسباب التي تؤدي الى توترك وانفعالك.
ـ هنالك اوقات يحصل فيها التوتر وليس للإنسان دور كبير فيها، وغالباً ما يعبر عنها بالصدمة فقد يثار الانسان لأجل شيء لم يعتد عليه يوماً ما، في هذه الحالة لا يوصف الشخص بالمتوتر وبالتالي تؤخذ عليه سلبية تضاف اليه، لان الانسان يتفاعل مع الاحداث المختلفة، وله عواطف وشجون يبديها تجاه الكثير من العوارض في حياته.
ـ سجل في نفسك التفاؤل، فخذها بين يديك ان لم تكن متفائلاً سيكون من الصعب ان تنجح في كل شيء، لذلك ورد عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله): (تفاءلوا بالخير تجدوه)، فاذا لم تكن لك ثقة للتغلب على التوتر فانه سيبقى حتماً، لأنه سيشكل عندك تراكماً ليس سهلاً ان تتخلص منه.
ـ معرفة اضرار التوتر وخطورتها على الانسان وشخصيته تشكل حافزاً ودافعاً في النفس للتخلص من التوتر، فان كل نفس تحب الكمال وتبغض النقص وتهرب منه، والغضب نقص تسعى النفس لان تتخلص منه متى ما حصلت الفرصة.
ـ من اهم الاسباب التي تدفعك للتخلص من التوتر هي تذكرك لموقف مؤلم حصل لك بسبب لحظة غضب لم تكن مدروسة فلقد خسرت اشياء ثمينة جراء كلمات خاطئة صدرت مني وانا غاضب.
ـ هنالك علاجات كثيرة تنتشر في المواقع والصحف وبعض الكتب، وبعضها مهم ومجرب كالرياضة والاسترخاء والتغذية الجيدة لان الطعام له مدخلية في تعديل المزاج، فالجائع قد يصاب بالتوتر احياناً.
ـ البيئة التي تعيش فيها عامل مهم في حصول التوتر او عدمه، ونحن في بلداننا العربية نشعر بذلك ونراه بكل وضوح حيث الاوضاع الامنية وترديها والمشاكل الصحية والنفسية وما يرافقها من اشياء أخرى كلها مساعدات ومنشطات للغضب، بينما إذا كانت البيئة جيدة يخف الضغط وتتغير اشياء كثيرة، ولكن هل هذا يرخي لنا حبل المسؤولية ويشكل امامنا عائقاً؟ كلا إذا عرفنا سبب ذلك فأننا نسعى ان نتخلص من هذا المرض.
ـ ان تحديد الهدف مهم جداً، فاجعل التخلص من التوتر هدفاً اساسياً في حياتك وبناء شخصيتك، فهنالك عدد من الاشخاص يسعون بكل جد للتخلص من التوتر لكنهم يفشلون والسبب انهم لم يجعلوا التخلص من التوتر همهم الاول ولم يحددوه كهدف اساسي، فجرب ذلك العمل على اي شيء سترى أثر هذه القاعدة بكل جلاء.
ـ ليكن همك التخلص من التوتر ولا تجعل في ذهنك وتصورك أنك غير قادر بل عليك ان تعكس الامر.