عندما أصبح شلمنصر الثالث ملِكًا، زاد حجم الجيش الآشوري زيادةً كبيرة واستمرَّ في الحملات المُستمرة بلا هوادة التي بدأها والده. وفي نقوشه، وَصفَ شلمنصر نفسه بأنه «ملكٌ عظيم، ملكٌ قوي، ملكُ الكون، ملكٌ لا مثيل له، تنِّين، السلاح الذي يُدمِّر كلَّ الجهات» (1). ولم يكن يبالغ.
من أجل توسيع إمبراطوريته، شنَّ شلمنصر حملات عسكرية كل عام طوال فترة حُكمه التي امتدَّت لأربعةٍ وثلاثين عامًا، وهاجَمَ كل منطقة تقريبًا وكلَّ ملك كبير أو صغير يقع في نطاقه. وفي نهاية أحد النقوش الطويلة، قدَّم ملخصًا عدديًّا لعدد الرجال الذين قتلَهم جيشُه أو أسَرَهم، فضلًا عن الحيوانات التي استولى عليها كغنائم، على مدار العشرين عامًا الأولى من حملته العسكرية: «110610 أسرى؛ و82600 قتيل؛ و9920 حصانًا (و) بغلًا؛ و35565 ثورًا؛ و19690 حمارًا؛ (و) 184755 شاةً» (2). هذه الأعداد، إن كان من الممكن تصديقها، مُذهِلة.
ومع ذلك، فقد خرج أيضًا لمساعدة ملك بابل الذي تولى الحكم حديثًا ويُدعى مردوخ-زكير-شومي (الذي حكم من حوالي 855 إلى 819 قبل الميلاد)، والذي تمرد شقيقه الأصغر عليه. هزم شلمنصر الأخ وأقام علاقات طيبة مع البابليين. ورُدَّ هذا العون لاحقًا عندما ساعد الملك البابلي نفسه ابنَ شلمنصر، شمشي أداد الخامس، في إخماد تمرُّد في آشور بعد بضع سنوات (3).
خلال حملاته العديدة، وكثير منها على أورارتو في أقصى الشمال، خاض شلمنصر أيضًا معارك في جبال الأمانوس، فيما يُعرف الآن بجنوب شرق تركيا، و«قطَعَ أخشاب الأرز» (المعروفة أيضًا باسم «أرز لبنان») وعوارض العرعر. كما مضى جهة الجنوب الغربي إلى المنطقة التي تُعرَف في عصرنا الحالي بلبنان، ومن المُرجَّح أنَّ تلك كانت المناسبات التي جمع فيها بعضَ الجزية الموضحة على بوابات بَلاوات. صُوِّرَت إحدى هذه الوقائع على الشريط الثالث من البوابة التي أقامها في بَلاوات. وفيما يلي نصُّ النقش الموجود على السجلِّ العلوي: «الجزية التي تلقيتُها من سفن رجال صور وصيدا». ويُصاحب ذلك مشهدٌ يُصوِّر قوارب تُبحر من مدينة صور البحرية وبضائع يجري تفريغها إلى البَر الرئيسي (4).
وهناك شريط مجزأ آخَر، وهو أحد تلك التي أُرسلت في الأصل إلى رسَّام على سبيل الهدية وهو الآن في متحف والترز للفنون في بالتيمور، يُظهِر مثالًا ثانيًا للجزية التي تلقَّاها شلمنصر من المدن الفينيقية. وينص النقش المصاحِب على ما يلي: «تلقَّيتُ جزيةً من مدينتَي قوم صور وصيدا: فضةً وذهبًا وقصديرًا وبرونزًا وصوفًا ولازوردَ وعقيقًا.» وتؤكِّد هذه النقوش والمَشاهد الروايةَ الواردة في نقش شلمنصر على النصب؛ حيث تنصُّ على ما يلي: «تلقَّيتُ الجزية من ملوك ساحل البحر. على ساحل البحر الواسع سرتُ بِبِرٍّ ونصر» (5). كما تؤكِّد ما نعرفه عن الجزية التي طالَبَ بها شلمنصر وغيره من ملوك الآشوريين الجُدد من صور وصيدا والمدن الأخرى على الساحل الفينيقي.

شكل 1: شلمنصر الثالث في صور (لاحظ القوارب في السجل العلوي)، من الشريط الثالث من بوابات بَلاوات. المتحف البريطاني رقم 124661. الصورة بإذنٍ من المتحف البريطاني.
كما حارب شلمنصر عدَّةَ مرَّات الآراميين، الذين كانوا قد استقرُّوا بحلول ذلك الوقت في دويلات مدنٍ صغيرة، مختلفة، تقع بشكلٍ أساسي في أجزاء ممَّا يُعرَف حاليًّا باسم لبنان وسوريا والعراق. كان للكثير من هذه الممالك الصغيرة أسماء تبدأ ﺑ «بِت» (والتي تعني «بيت …»، مثل Beit في العبرية؛ مما يعكس الأصول القبَلية في كل حالة)؛ على سبيل المثال، بت أديني، وبت زماني، وبت أجوشي، وهكذا. ومن عجيب المفارقات أنَّ شلمنصر والآشوريين هم الذين ساعدوا اللغة الآرامية على الازدهار والانتشار خلال القرن التاسع وما بعده؛ لأنه بعدما غزا الآراميين، بدأ في توظيف الكتَبة الذين يمكنهم التحدُّث والكتابة بالآرامية وجعلهم جزءًا من النظام الإداري المُصمَّم للمساعدة في حكم المناطق التي استولى عليها حديثًا. وبدأ الآراميون الآخرون في العمل في أدوارٍ إضافية داخل البيروقراطية الآشورية (6).
كانت إمبراطورية شلمنصر شاسعةً لدرجة أنه أسَّس أيضًا آليةً جديدة لضمان إمكانية إجراء الاتصالات في حينها. وأفضل وصفٍ يمكن أن يُطلَق على هذا النظام هو أنه أشبَه بنظام «بوني إكسبرس» الذي كان مُستخدَمًا في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، إلَّا أن الآشوريين استخدموا البِغال بدلًا من الخيول. وكان هذا بديلًا لرسولٍ واحدٍ يحمل رسالةً أو مرسومًا طوال رحلة، كما كان يحدث في السابق. الآن، أنشأ الآشوريون نظامَ تتابُع على امتدادِ ما كان يُعرف باسم «طريق الملك»، حيث يسافر الراكب مسافةً مُحددة ثم يسلِّم الرسالة أو المُكاتَبة إلى الراكب التالي، الذي ينتقل إلى النقطة التالية على الطريق ويسلِّمها إلى الراكب التالي، وهكذا حتى تصِل إلى وِجهتها. من الواضح أن هذا كان أسرعَ بكثيرٍ ولكنَّه ليس آمنًا مثل إرسال رسولٍ خاص واحد. وقد استخدم الآشوريون هذه الطريقة في الاتصال السريع خلال القرون القليلة التالية (7).
...................................
(1) Grayson 1996: 98 (A.0.102.25); Radner 2014b: 106; Frahm 2017: 170-71. See also King 1915: 17–20 and Grayson 1996: 27–32 (A.0.102.5) for the long inscription accompanying the reliefs on the Balawat gates.
(2) See again, e.g., Kuhrt 1995: 488-89. On the summation, with the numerical figures given, see Grayson 1996: 55 (A.0.102.10).
(3) Brinkman 1968: 191–200; 204-5; Grayson [1975] 2000: 167 (no. 21 iii, lines 22–34), 2005; Oates 1979: 109-10; Bryce 2012: 218–44; see also Kuhrt 1995: 487–89, 577; Frahm 2017: 171, 2023: 110-11.
(4) Rassam 1897: 214; Kuhrt 1995: 487; Grayson 2005. Regarding Band III, in the British Museum, see King 1915: 23, pls. 13–18; Grayson 1996: 141 (A.0.102.66). On the scene of Tyre and the mention of both Tyre and Sidon, see also Aubet 2001: 51, 55, 2008: 183-84; Abulafia 2011: 69; Fales 2017: 226; Elayi 2018: 134-35; Bunnens 2019b: 59, 62, 66; Garnand 2020: 146. Note that some (e.g., Aubet 2001: 51; Abulafia 2011: 69) state specifically that King Ethobaal (or Ithobaal) of Tyre is pictured, but that is wishful thinking; he is not mentioned in the inscription, and it is not clear who the specific figures are.
(5) On the fragment in the Walters Art Gallery, see Grayson 1996: 147 (A.0.102.84). On the Monolith Inscription, see Grayson 1996: 17 (A.0.102.2). See also the references just mentioned in the previous note, e.g., Rassam 1897: 214; Aubet 2001: 55, 2008: 183-84; Fales 2017: 226; Bunnens 2019b: 59, 62, 66; Garnand 2020: 146.
(6) See, e.g., Fales 2011: 12 and Bryce 2012: 163–65 on some of these settlements. Also Grayson 2005; Radner 2014a: 84. See, e.g., Grayson 1996: 11–24 (A.0.102.2) for mentions of the various Aramaean city-states against whom he campaigned. See now also Younger 2016; Düring 2020: 148.
(7) Radner 2014a: 71, 74; see also p. 6 in the same volume.