وليس في درج الدروج في جِرار مُعينة ما يُثير الدهشة والاستغراب؛ فالبابليون ومن جاورهم حفظوا لوحاتهم الكتابية في جِرار في الألف الثالث قبل الميلاد. والنبي أرميا أوصى تلميذه باروك في السنة 588 قبل الميلاد قائلًا (32: 14): «خذ هذين الصكين: صك الابتياع المختوم، والصك المفتوح، واجعلهما في إناءٍ من خزف ليدوما أيامًا كثيرة.» وجاء في نصٍّ يعود إلى أيام رعمسيس الثالث (1198–1166) قبل الميلاد ما يُشير إلى مثل هذا. ويقول القديس أبيفانيوس أسقف سلامينة في قبرص في القرن الرابع بعد الميلاد أن نص العهد القديم اليوناني الخامس وُجد في جَرة بالقرب من أريحا في السنة 217 بعد الميلاد، وإن النص اليوناني السادس وُجد في جرة في نيكوبوليس على شاطئ بلاد اليونان الغربي (1). وتيموثاوس الأول بطريرك النساطرة (780–823) كتب إلى سرجيوس أسقف عيلام من سلفكية طيسفون يقول: إن بعض المهتدين من اليهود الذين وثق بكلامهم أخبروه أن كُتبًا وُجدت بالقرب من أريحا في كهف في الصخور، وأن راعيًا عربيًّا شاهد كلبه يدخل إلى هذا الكهف ولا يخرج منه، فتبعه إليه فإذا به أمام مجموعة من الكتب، فصعد إلى أوروشليم وأخبر اليهود فيها، فنزل كثيرون منهم إلى الكهف فوجدوا كُتبًا من العهد القديم وغيرها، وأكدَّ المهتدون اليهود أنه وُجد بين هذه الكتب ما يؤيد موقف النصارى من نصوص العهد القديم في جدلهم مع اليهود (2).
واهتم المُسورون في القرن التاسع لأمر الأسفار الخمسة التي وُجدت في أريحا. ولعلها وُجدت في كهف من الكهوف في هذه المنطقة نفسها التي نبحث، والجدير بالذكر لهذه المناسبة أننا لا نجد اعتراضًا مدوَّنًا في اعتماد هذه النسخة في عمل التسوير والضبط.
ويذكر المؤرخ اليهودي القرقساني، وهو من أعيان القرن العاشر، في كتابه تاريخ الفرق اليهودية «المغايرة» فيقول: إنهم عُرفوا بهذا الاسم لأنهم وجدوا كتبهم في مغارة. ويُضيف أنهم وجدوا الأسفار الإسكندرية وكتاب المعارف، وأن الباقي لم يكن ذا أهمية. وكان قد سبقه إلى ذكر المغايرة بهذا الاسم نفسه بنيامين النهاوندي وهو من أعيان القرن التاسع.
وكتب حسداي بن شيروت قبل السنة 961 بعد الميلاد: «من قرطبة إلى ملك الخزر اليهودي في جنوب روسية، إن اليهود خبَّئوا كتبهم في كهف عندما استولى الكلدانيون على فلسطين في السنة 586 قبل الميلاد، وإنهم علَّموا أولادهم أن يُصلُّوا في هذا الكهف في كل مساء وكل صباح، ثم نسوا، ولكنهم واظبوا على ممارسة الصلاة في هذا الكهف. وبعد أيام عديدة قام يهودي يحاول أن يعرف السبب في ذلك، فجاء الكهف ووجده مملوءًا من الكتب فأخرجها منه» (3).
وفي السنة 1878 عرض جماعة من البدو على شابيرا Shapira، تاجر الآثار في بيت المقدس، نسخة قديمة من سفر التثنية مكتوبة بخط يقرُب من الفينيقي، وقالوا إنهم وجدوها في كهف من الكهوف، فحملها شابيرا إلى لندن ودقَّق فيها كليرمون غانيو واعتبرها مزورة، فانتحر شابيرا في السنة 1884 وضاعت نسخته. وقد تكون مزورة وقد لا تكون، ولا سيما بعد ما جرى منذ السنة 1947؛ ولذا فإن مدير الآثار في إسرائيل صموئيل يافين Yievin يُعنى الآن بصور نسخة شابيرا الفوتوغرافية التي لا تزال محفوظة في المتحف البريطاني، وعثر العلامة شختر Schechter في السنة 1896، في جنازة كنيس في القاهرة يعود إلى العصور الوسطى، على مخطوطتين قديمتين تعودان إلى القرنين العاشر والحادي عشر أو الثاني عشر، وتُعرفان بالمخطوطة الدمشقية أو المخطوطة الصدوقية أو مخطوطة القاهرة الصدوقية (4). وتقع الأولى منهما في ثماني وريقات والثانية في وريقة واحدة، وهما تمتَّان بصلة وثيقة إلى مخطوط وُجد في كهف قمران السادس (5). وقد جاء في هاتين المخطوطتين أن جماعة من اليهود ممن شعروا بذنوبهم وتلمَّسوا طريقهم مدة من الزمن غنموا بمعلم صلاح أقامه الله عليهم. وقد خرجوا من إسرائيل وهارون؛ أي: من الشعب والكهنة، وعُرفوا بأبناء صادوق (صموئيل الثاني 8: 17). وقد اتَّفقوا أن يبتعدوا عن الأشرار، وألا ينهبوا الفقراء، ويحفظوا السبت ويحبوا بعضهم بعضًا، وهي أمور اتَّفق عليها أبناء «العهد الجديد» في أرض دمشق، وفي هذا كله اتِّفاق عجيب مع ما جاء في درج القوانين والأنظمة في كهوف قمران، ومع ما وُجد بصورة خصوصية في الكهف السادس …
.......................................
(1) Mercati, Studie Testi V, (1901). 28 f.
(2) Barthelemy. D., and Milik, J. T.: Discoveries in the Judaean Desert, (1955), I, 88, n. 4; Eissfeldt, O., Der Anlass zur Entdeckung der Hohle und ihre Ahnliche Vorgange. Th. Lit. Zeit, 1949, 597–600; Kahle, P.: The Age of the Scrolls, vetus Testamentum, 1951, 44.
(3) Segert, S.: Ein Alter Bericht uber den Fund Hebraischer Handschriften in einer Hohle, Archiv Orientalni, 1953, 263–269.
(4) Sehechter, S.: Documents of Jewish Seetaries, (1910) ; Rabin, Ch: The Zadokite Documents, (1954) , Gaster, Dead Sea Scrolls, 61–85.
(5) Baillel, M.: Rev. Bib., 1956, 513–523.