الأسس الصحفية لتحرير الأخبار:
يراعي المرء في قوله ثلاثة أشياء: أولها وسائل الإقناع، وثانيها الأسلوب أو اللغة التي يستعملها، وثالثها ترتيب أجزاء القول، وهكذا يذهب أرسطو إلى تبيان أنواع الحجج التي تنتج الإقناع. ومقتضيات الأساليب اللغوية وترتيب أجزاء الكلام، وقد عني علم البلاغة الحديث بعملية الإقناع عناية كبرى، توفر لها ما لم يتوفر لأرسطو من حقائق علمية توصل إليها علم النفس الحديث عن السلوك الإنساني، وقد أجريت معظم التجارب السيكولوجية الخاصة بتغيير الاتجاهات خلال الربع الثاني من القرن المنصرم، ويرجع الفضل قدر كبير من المعلومات إلى هو فلاند وزملائه وتلاميذه في جامعة ييل الأمريكية، فقد ساعدته دراساته على بناء نظرية اتصال، وعلم وبلاغة حديث يقوم على أساس علمي.
وحين نتحدث عن الأسس الإعلامية لتحرير الأخبار، فإننا نتحدث عن مصطلح الرسالة الإعلامية في نظرية الاتصال، مدركين أن الشكل التحريري لا ينفصل عن مضمون الرسالة بحال من الأحوال، الأمر الذي يحدد للمحرر الإعلامي مثلاً: الأدلة التي يعتمدها والتي يستبعدها، والحجج التي يفصل فيها القول، وتلك التي يجب عليه استبعادها، ونوعية الاستمالات التي سوف يستخدمها، ومدى قوتها، وذلك أن فن الخبر كرسالة إعلامية - نتاج عديد من القرارات بالنسبة للشكل والمضمون على السواء. وأغلب تلك القرارات لا يمليها الهدف الاقناعي للرسالة الإعلامية فحسب، وإنما تمليها خصائص الجمهور ومهارات المحرر وما إلى ذلك.
إذ لا يكفي أن يعرف ما ينبغي أن يقال، بل يجب أن تقول كل ما ينبغي على حد تعبير أرسطو في «الخطابة».
ولكل كلام جزءان جوهریان هما عرض الحالة، ثم البرهنة عليها، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما بالآخر، ولا تقديم ثانيهما على أولهما؛ لأن البرهان لا بد أن يلي الحالة التي يراد أن يبرهن عليها، وقد يزداد عليهما مقدمة في البدء، وخاتمة في آخر الكلام، وبهذا تكون أجزاء القول عامة ثلاثة:
- المقدمة.
- الغرض، ويقصد به ما يشمل عليه عرض الحالة والبرهنة عليها.
- الخاتمة.
وتقتضي وحدة العمل الفني إدراك الموضوع بما يتضمنه من أفكار، ثم تنظيم المعاني، أو وحدات المضمون بحيث تكون مرتبة منسقة لتتجلى وحدتها. وفيما يخص النثر أدرك العرب إدراكاً عاماً هذا الترتيب، كما في الخطابة والرسائل مثلاً إن الوحدات الأساسية في أي رسالة إعلامية تتمثل في المعلومات، والحقائق والأفكار، وعناصر الأحداث، وما إلى ذلك مما يكون مادة الخبر ومضمونه، ثم تأتي المرحلة التالية لاستقاء الأخبار، وهي مرحلة صبها في الرموز اللغوية في قالب إعلامي يمثل شكل الرسالة التي يستقبلها القارئ، أو المستمع أو المشاهد.
ويمكن التعبير عن مادة الخبر بألفاظ ورموز مختلفة، وعن طريق استخدامات متنوعة، تتيح للغة فعالية أكثر في تحقيق التأثير الاتصالي للرسالة الإعلامية، ولكن اللغة تظل مع ذلك أساسا من أسس التحرير الإعلامي؛ لأن الرسالة لا تقوم على اللغة وحدها وإنما تقوم كذلك على استخدام اللغة في قوالب فنية، وأشكال تحريرية تشمل الأسلوب والإقناع، وتنظيم أجزاء القول جميعا في بنية الخبر الصحفي ذاته.
وتشير نتائج الأبحاث إلى أن الإقناع يصبح أكثر فاعلية إذا حاولت الرسالة أن تذكر نتائجها، أو أهدافها بوضوح بدلاً من أن تترك للجمهور عبء استخلاص النتائج بنفسه، فقد وجد الباحثان هو فلاند وماندل أن نسبة الأفراد الذين عدلوا اتجاهاتهم إلى الناحية التي ناصرتها الرسالة بلغت الضعف، حينما قدم المتحدث نتائجه بشكل محدد، وذلك بالمقارنة إلى نسبة الذين غيروا اتجاهاتهم بعد أن تعرضوا للرسالة ترك المتحدث نتائجها ليستخلصها الجمهور.
ولكن بعض الباحثين يشيرون إلى أن نتائج هو فلاند وماندل ترجع إلى الاختلافات في فهم الجمهور للرسالة، وذهبوا إلى أنه بالسيطرة على مستوى الفهم لم يحدث اختلاف في تغيير الرأي الذي يسببه تقديم النتائج بشكل محدد، إذا قورن بتركها ضمنية. فقد أظهرت دراسات كثيرة أن الإعلام الذي يهدف إلى تغيير الاتجاهات، ينجح حينما تنتقل حقائق دون أن يحاول تغيير الاتجاهات، التي كان من المفروض عليها أن تتغير بعد التعرض لتلك الحقائق. وفي هذه الحالة، فإن المعلومات الواضحة، والحقائق التي تذكر بوضوح، يتم نقلها بنجاح أكبر. في حين أن ترك هدف الرسالة ضمني قد لا يحقق التأثير المرغوب وقد وجد كاتز ولازار سفيلد أنه كلما كان المضمون الذي يقدمه الاتصالي محددًا، ازداد احتمال التأثر به.