يشير إظهار الله سبحانه قهره وعذابه من خلال السحب السوداء المتراكمة أو الملائكة المأمورين بالتعذيب إلى عدة نقاط وملاحظات: أ. إن كلمة السحاب غالباً ما تكون مصدراً لغيث الرحمة ومظهراً لفيض الحق، فإذا وضع الله سبحانه القهر والعذاب فيه، فسيكون ذلك أشد وقعاً على الظالمين؛ لأن نزول العذاب من محل لا يتوقعه الإنسان يكون أشدّ إرعاباً وإذلالاً له، تماماً كما عندما تصل الخيرات إلى المرء من مصدر لم يكن يتوقع وصوله منه فيكون أكثر سروراً بذلك: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ[1]).
والتهديد بالظلة والسحاب إرعابٌ مخوّف يتضمن تحذيراً نفسياً إضافةً إلى ما فيه من التخويف الجسمي أيضاً. وتوضيح ذلك أن كل واحد من الخير والشر يمكن أن يأتي من ثلاث جهات مختلفة، فالطريق الأوّل هو ظهور الخير من مصدره المتوقع والمعهود، والثاني ظهوره من جهةٍ غير متوقعة ولا سابق لها، والثالث ظهوره من جهة يتوقع الإنسان ظهور الشر منها لاعتياده صدوره منها. ولا يخفى أن الطريق الثاني أفضل من الأوّل، والثالث أفضل من سابقيه. ومسألة رزق من حيث لا يحتسب المشتملة على الراحة النفسية أيضاً يمكن أن تكون تطبيقاً للقسم الثاني.
والشر كذلك يمكن وروده من الطرق الثلاثة المذكورة وأسوأها ظهور الشر من الجهة التي كان المتوقع ظهور الخير منها كنزول العذاب من الغيوم المتركمة التي لم يعهد الانسان منها سوى ارسال المياه والرحمة الالهية بمختلف أنواعها نظير ما يفهم من الاية: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ[2]).
وقضية ظهور القهر الالهي في الظلل المتراكمة تندرج ضمن هذا السياق وهذا هو الذي اشار اليه الزخمشري في الكشاف ذيل الاية التي هي مورد البحث عندما قال ان التحليل العميق لمقصود آية: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ[3]) قد اشتد على المتفكرين في تفسير القرآن[4].
ب. كما أن غيوم السماء ينزل منها ما لا يحصى من القطرات فكذلك غيوم الغضب تقذف على رؤوسهم ما لا حصر له من العذاب[5].
ج. ان الغيوم السوداء المتراكمة تحول دون وصول نور الشمس وتحرم الانسان من فيضها ورحمتها واتباع خطوات الشيطان ايضا يشبه السحاب في أنه يقف حائلا دون وصول نور الهداية والحقيقة والمعارف ويحرم مثيري الفتن والتفرقة من الوصول الى الحقائق والتمتع برحمة الحق ورأفته.
د- مثلما تلقي الغيوم السوداء المتراكمة بظلالها فيملا الظلام كل الامكنة فكذلك اتباع خطوات الشيطان يكدر القلب ويظلمه ويكون سببا في سراية فساد الشيطان واضلاله اليه فإذا حصل ذلك فلا سبيل الى اجتثاث جذور الضلال والفساد إلا بواسطة العذاب الالهي المتمثل بالغيوم المتراكمة[6].
[1] سورة الزمر، الآية 47 .
[2] سورة الاحقاف الايتان 24و25
[4] الكشاف عن حقائق التنزيل ج1ص253-254
[5] التفسير الكبير مج3ج5ص234-235
[6] راجع مواهب الرحمن، ج 3، ص 22 1 - 222. إنّ الكثير من نقاط هذا الكتاب هي من باب اتفاق الآراء والتعقل المشترك؛ لا من سنخ النقل عن الآخرين. والقارئ الفطين يمكنه الوصول إلى تفاوت التصوّرات عن طريق تفاوت العبارات. وما نذكره من التخريجات في قسم واسع من هذا الكتاب إنما مبعثه الحذر من تجاهل الآخرين وإهمالهم واجتناب التفرد بالرأي.