بين الله سبحانه في الاية السابقة أن المنافق هو ألد أعداء المجتمع الانساني والإسلامي وأكثرهم لجاجة أما في هذه الاية فيبين علامات عداء هؤلاء المنافقين قائلا إن هذه المجموعة عندما تستلم مسؤولية موقع أو مهمة تعمل ما في وسعها كي تجر المجتمع الانساني والإسلامي عمليا الى الفساد والفناء من الناحية الاقتصادية وإيقاف عجلة التطور والتنمية العلمية للمجتمع من الناحية الثقافية: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ).
وتبيّن هذه الآية نماذج من فساد الولاة المنافقين أو الطغاة البغاة من الزاوية العلمية والعملية.
فهم يسعون من الناحية العلمية إلى بثّ الشبهات لخداع أفكار وقلوب الأفراد السذج كي يدفعوا بهم إلى الفناء، وزرع الوساوس وإشاعة النميمة لقلب علاقات المحبة والاتحاد إلى ما يناقضها من العداوات والاختلافات.
أما من الناحية العملية فهم يسعون إلى إبادة الثروات الاقتصادية المتمثلة بالزراعة والثروات الحيوانية والصناعة والقوة العاملة.
ومعنى ذلك أنهم لا يكتفون بسلب الأمن والاستقرار الفكري من أوساط الناس وتخريب وحدتهم الوطنية بإثارة النزاعات الدموية فقط، بل يهدّدون استقلالهم الاقتصادي الذي يعتمد على ازدهار الحرث والنسل هادفين بذلك إلى جرّ المجتمع الإسلامي إلى الفساد والهلاك من الناحيتين المذكورتين.
وتدلّ عبارة (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) على إبادة الثروة الحيوانية أيضاً؛ لأنّ مفردة (النسل) مطلقة تشمل الحيوان أيضاً إضافةً إلى الإنسان، كما أنها تشمل أيضاً إهلاك الناس - وهم القوة العاملة - في الحروب. فالمنافقون إذا تمكنوا من فرض سيطرتهم على موقع أو عمل عملوا على إشعال نيران الحروب من جهة، وإفساد الثروات الحيوانية والزراعية من جهة أخرى. ولم تذكر هذه الآية الصناعة بصورة صريحة، لأن الصناعة لم تكن بعد قد حققت تقدماً يذكر في ذلك اليوم، إلا أنّ جملة (لِيُفْسِدَ فِيهَا) تشمل الصناعة أيضاً.
وإثارة الخلافات هي نوع آخر من إفساد الولاة المنافقين: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[1]). وإثارة الخلافات هذه هي نفسها الإفساد في الأرض، ومن هنا جاء ذكر قطع الأرحام بعد ذكر الإفساد في الأرض.
وجدير بالذكر أنّ المقصود من (الأرض) في هذه الآيات هو الأرض في مقابل السماء، لا الأرض في مقابل البحر بمعنى أن هؤلاء يفسدون في الأرض ومحيط معيشة البشر، سواء كان ذلك في البحر أم في الصحراء أم في الفضاء.
[1] سورة محمد ﷺ، الآية 22 .