مفهوم البرودة عند ابن ملكا البغدادي (القرن 6ﻫ/12م)
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص41
2026-07-25
10
يَقرن هبة الله ابن ملكا البغدادي (توفي 560ﻫ/1165م) بين مفهومَي الحرارة والبرودة والضوء والظلام، معتبرًا أن البرودة بمثابة الظلام، مع اختلاف واحد بينهما أن للبرودة أثرًا فعالًا؛ فالجسم البارد يُبرد ما يجاوره في حين أن الظلام لا يجعل الأشياء التي يقع عليها ذات لون أسود.
«إن البرودة ليست من المعاني الوجودية، وإنما هي معنًى عدمي بالقياس إلى الحرارة كالظلمة للنور. وما قالوا حقًّا؛ لأن الأعدام لا تفعل، فإن الظلمة لا تحيل غيرها إلى طبعها، والبرودة تفعل؛ فإن البارد يُبرد كما أن الحارَّ يُسخن».
ولتفسير ظاهرة تكاثف الماء التي تحدث حول كأس بارد، افترض أبو البركات وجود أجزاء لطيفة مائية، وهو ما نُسميه حاليًّا بخار الماء، وهي التي تكون محيطةً بالإناء البارد وتتكاثف على سطحه الخارجي؛ فما يحدث هو أن جزيئات بخار الماء الموجودة في الهواء تكون حارَّة، وعندما تُلامِس السطح البارد للإناء فإنها تفقد حرارتها وتبرد وتثقل فتنزل على أطراف الوعاء، ومع تراكم الكثير من الجزيئات التي تبرَّدت تتشكل قطرات الماء.
الفكرة التي كان ابن ملكا مُحقًّا فيها، بخلاف ابن سينا والطوسي، هو أن الهواء لا يحوي في معظمه بخار الماء، وإنما كَمِّيته قليلة، وهي تتغير من فصل لآخر، وما يتكاثف على السطح البارد هي القريبة منه، التي تنقص من تلك الكمية إذا ما استمرَّت عملية التكثيف.
رأي ابن ملكا السابق أورده لنا مؤلفٌ مجهول في إحدى المخطوطات التي عثرنا عليها في معهد المخطوطات في طوكيو: «فإنه زعم (أي ابن ملكا) أن في الهواء الطائف بالإناء أجزاءً لطيفةً مائية، لكنها لصغرها وجذب حرارة الهواء إياها لم تتمكن من خرق الهواء والنزول إلى الإناء، فإذا برد الإناء الذي عليه زالت السخونة من أجزاء المائية الصغيرة فتكثَّفت وثقلت فنزلت واجتمعت على الإناء، وهذا أيضًا لأن الهواء الطائف بالإناء لا يمكن أن يشتمل على أجزاء كثيرة مائية، لا سيما في الصيف؛ فإن حرارة الهواء تبخرها وتصعدها، وعلى تقدير بقاء شيء من تلك الأجزاء يلزم أحد أمور ثلاثة؛ إما نفادها، وإما تناقصها، وإما تراخي أزمنة حدوثها، والكل خلاف الواقع؛ وذلك لأن تلك الأجزاء إما على قرب من الإناء أو على بعد منه، فإن كانت على قرب منه فإما أن ينزل الكل دفعةً فيلزم نفادها في مرة واحدة، أو ينزل شيئًا فشيئًا على التساوي فيلزم نفادها وانقطاعها إذا تواتر نزولها، ولها بعد التسخين مرة بعد أخرى مع بقاء الإناء بحالته الأولى، أو على التناقص فيلزم تناقصها، وإن كانت على بعد منه يلزم تراخي الأزمنة لبعد المسافة، واعتُرض على ذلك:
أولًا لجواز أن يلحق تلك الأجزاء مد، أما أبخرة الأرض فإنها متجددة دائمًا فيما وراء الإناء، فلا يلزم شيء من تلك الأمور الثلاثة.
وأما ثانيًا فبأنه يجوز أن يتحرك الأبعد إلى المكان الأقرب في زمان حركته إلى الإناء مثلًا، وإذا تحرَّك إلى الإناء ما كان على بعد ربع ذراع منه تحرَّك الذي على بعد نصف ذراع منه إلى مكانٍ ما كان على بعد الربع، وهكذا فلا ينفد ولا ينقص بتراخي أزمنة النزول.
وثالثًا بالنقص بوجهين؛ الأول أنه إن كانت برودة الإناء مُقتضيةً لانقلاب الهواء المحيط به ماءً للَزِم أن يصير الهواء المحيط بذلك الماء أيضًا ماءً بسبب برودة الماء، وكذلك الهواء المحيط بذلك الهواء إلى أن يجري به جريانًا صالحًا، والمشاهدة تكذبه. والثاني أنه لو كان برودة الإناء سببًا لانقلاب الهواء ماءً لوجب أن تركيب الندى في جميع سطح الإناء بلا فرجة، وإن كان جميعه في غاية البرودة والهواء أيضًا متصلًا بجميعه فيلزم اتصال القطرات بعضها ببعض، وليس كذلك، بل الراكب على سطح الإناء قطرات منفصلة كحبات متفرقة. وأجيب عن الأول بأن جِرم الإناء لصلابته يغيِّر تكيُّفه بالكيفيات الغريبة، وعند تكيفه يشتد تكيفه بها ويحفظها بطنًا؛ ولذلك ربما يوجد الأواني الرصاصية المشتملة على المايعات الحارة أسخن من تلك المايعات؛ فالإناء المذكور لشدة تبرده يفسد الهواء المحيط به، والماء يضعف تبرده وسرعة تكيفه بالكيفية الغريبة تحيله الهواء المحيط به غير برودته سريعًا فلا يفسد الهواء ما دام على سطح الإناء ماء. وأما إذا تأخَّر عنه واتصل الهواء بالسطح عاد إلى فساده. وعن الثاني بأنه لا يلزم من إحالة جزء من سطح الإناء الهواء الملاصق به إلى الماء إحالة كل جزء منه ما يلاصقه لجواز أن يكون للبرد المحيط شرط لا يوجد في كل جزء منه وإن لم نعلمه.»
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة