0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

عرض الخطوط العامة من قبل الدين للكثير من العلوم

المؤلف:  الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

المصدر:  الإسلام والبيئة

الجزء والصفحة:  ص103ــ119

2026-07-19

80

+

-

20

إن الإسلام رغم تكريم العقل والتجربة من حيث علم المعرفة وتجليل مكاسب البرهان العقلي والتجربة الحسية والفتوى بضرورتها لتأمين صلح عادل وحياة متحضرة، لا يعتبرها كافية لتلبية جميع متطلبات البشر العلمية والعملية. ومن هنا لابد من بيان أن معنى النطاق الديني هـو تحديد وتعيين حدود ما جاء به الأنبياء؛ ومعنى ذلك أن الذي جاء به الأنبياء هل يتحدد بتعيين التكاليف العبادية والأوامر الأخلاقية والوظائف الحقوقية وبيان حد وتعزير المتخلف عن التكاليف والحقوق ولا يتضمن أصولاً وأسساً في المسائل العلمية والكونية والفنون السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلوم الاجتماعية والبيئية ونظائرها، أم أن الدين يمثل مجموعة من الوظائف والأصول العلمية والعملية الحاوية للقيم والمعارف التي يحتاج إليها البشر وقد تعرض لها بالكامل؟

إن الدين لم يتولّ الحثّ لاكتساب العلوم وترغيب المستعدين لتحصيل الكمالات العلمية فحسب بل قام بعرض الخطوط العامة للكثير من العلوم وعلّم المباني الشاملة للكثير من المعارف التجريبية والصناعية والعسكرية وأمثالها.

وهنا لابد من الالتفات إلى أمر مهم في إسناد مسألة إلى الدين أو اعتبارها مسألة دينية وهو أن الدين قد يتعرّض لمسألة ما بجميع مواصفاتها وخصائصها الصغيرة والكبيرة كالعبادات التوقيفية التي وردت جميع فرائضها وسننها بل وآدابها وأحياناً أسرارها في الكتاب وسنة المعصومين (عليهم السلام) بصورة صريحة أو ضمنية أو التزامية وقد يتعرض الدين لمسألة على نحو أصل كلّي شامل مبيناً فيه قاعدة علمية وأصلاً تجريبياً أو فلسفياً وما إلى ذلـك مـن دون بیان حدوده وقیوده وشروطه وشطوره كالكثير من مسائل علم أصول الفقه الذي يعد من العلوم الإسلامية وبعض المسائل المتعلقة بالمعاملات في الفقه التي تحسب من العلوم الدينية.

وإن العارفين بهذين القسمين العظيمين من العلوم الإسلامية يعلمان بأنه لم ترد نصوص دينية غزيرة بشأنهما كما في قسم العبادات الفقهية بتاتاً، حتى قالوا في الفرق بينهما وبين قسم العبادات في الفقه بأن التعقيد في مسائل أصول الفقه وقسم المعاملات الفقهية يكمن في قلة النصوص وكثرة الأصول والقواعد العقلية والعقلانية بحيث يصعب استنباطها وجمعها والاستنتاج منها والصعوبة في المسائل العبادية للفقه تكمن في كثرة النصوص التعبدية وقلة الأصول العرفية حيث يتطلب الاستظهار من كل هذه الروايات بعد جمعها والخروج بنتيجة منها بعد الاستظهار الشخصي، سعياً حثيثاً وهمة عالية وذكاء خارقاً.

والمحصل أن هذه كلها تدخل في عداد العلوم الدينية. حتى في المواطن التي وردت بحوث معمقة ومصطلحات كثيرة لحل بعض مسائل أصول الفقه أو بحث المعاملات الفقهية ولا توجد في المتون الدينية أثر لهذه البحوث العميقة أو الاصطلاحات الفنية كبحث الاشتراط والإطلاق والتعليق والتنجيز والصحيح والأعم، وسراية تعدّد العنوان إلى المعنون أو تعدي وحدة المعنون إلى العنوان في اجتماع الأمر والنهي، والحكومة والورود، والتخصيص والتخصص، والتقييد والتقيّد، والأقل والأكثر الارتباطي والاستقلالي، والفرق بين الشرط والسبب والمقتضى والمانع والشرط المتأخر والمتقدم والمقارن إلى غير ذلك من الأبحاث وكذلك المصطلحات الأصولية والفقهية التي هي عصارة استنباطات علماء الأصول والفقهاء المضطلعين حيث استظهر كـل واحد منهم مبحثاً عميقاً من أصل شامل وقدّم لاستنباطه مقدمة ورتب للاستنتاج منه مؤخرة والشاهد على ذلك تراكم مباحث أصول الفقه أو مسائل قسم المعاملات الفقهية.

عاملان مؤثران في إسلامية المباحث

إن المسائل الكثيرة الواردة في مثل هذه المواطن، إما أن تكـون مــن بـاب إدراك أصل شامل واستنباط فروعها وإما أن تكون خاضعة لتأييد قوانين العقلاء الذي يتم بمرأى ومسمع من صاحب الشريعة ومع إمكانية الطرد والمنع لم تتعرض للنقد والردع لأن هناك عاملان مؤثران في إسلامية مسألة ما؛ أحدهما وهو الأصل والأساس تأسيس وإبداع مسألة من قبل الشارع المقدس والآخر الذي يتخذ طابعاً دينياً هو إقرار وتأیید قرارات الناس لئلا تكون مغايرة للأصول المبدئية وقواعد المعرفة الإسلامية.

المعيار في إسلامية العلم

لابد من الالتفات إلى هذه المسألة وهي أن المعيار في أن يكون العلم إسلامياً ليس في أن يُدرّس في الحوزة العلمية لأن هذه الضابطة لا هي مانعة ولا جامعة، فمن الممكن أن تُدرس بعض العلوم الإسلامية في خارج الحوزة وأن تدرس في الحوزة بعض العلوم التي لا تحمل طابعاً إسلامياً في ذاتها وإنما هي مقدمة لاكتساب العلوم الإسلامية - كالأدب الذي هو مقدمة لنشر الآثار المخالفة للإسلام أيضاً ـ كما أن هناك من نهض للبراز بزعمه الفائل ورأيه الآفـل فـي قبال تحدي القرآن الكريم مستعيناً بفنون الأدب العربي؛ فإن كانت أصول الفقـه من العلوم الإسلامية ـ وهي كذلك - فإن الكثير من العلوم الإنسانية الأخرى وكذلك العلوم التجريبية أيضاً يمكن عدها ضمن العلوم الإسلامية.

وفي هذه الصورة فإن درجة إسناد مضامينها إلى الإسلام مرهونة بدرجتها العلمية، فإن كان ثبوتها العلمي قطعي يكون إسنادها إلى الإسلام يقينياً وإن كانت نسبة ثبوتها ظنية يكون مقدار إسنادها إلى الإسلام على حد الظن وإن كان ثبوتها مجرد احتمال ومرجوحاً يكون إسنادها إلى الإسلام أيضاً بهذه النسبة، كالإسنادات المختلفة لمسائل الفقه وأصول الفقه والتفسير والسيرة والأخلاق وسائر العلوم المصادق على إسلاميتها ولابد من العلم بأن كشف الخلاف في العلوم التجريبية أو الرياضية لا ضير فيه، كما أن كشف الخلاف في سائر مواطن الإسناد أيضاً لا ضرر يعتريه.

طرح الكثير من المباحث الطبيعية في المتون الدينية

إن أصول الفقه بكل سعته قد تم استخراجه بوساطة العقل من عدد ضئيل من آيات القرآن الكريم والروايات الإسلامية والحال أن هناك آيات وروايات كثيرة في موضوعات أخرى يستطيع البشر عبر التفكر والتدبر فيها استخراج الكثير من العلوم المتعلقة بعالم الخلق.

وكما أن أصول الفقه من خلال الدراسات المعمقة في الآيات والروايات المتعلقة به يُعد علماً إسلامياً، يمكن عبر البحث في الآيات والروايات المتعلقة بخلق السماء والأرض والماء والهواء وغيرها اعتبار هذه العلوم أيضاً ضمن العلوم الإسلامية.

فعلى سبيل المثال قد تم استنباط أبحاث موسعة في البراءة من آية {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وكذلك يمكن من خلال آيات عديدة نظير: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65] استخراج أبحاث كثيرة من قبيل كيفية نزول المطر، وإحياء الأرض، وتفتح الأشجار، وتأمين المواد الغذائية للمخلوقات الحية وازدهار المناظر الطبيعية. فالكلام في هذه الآية لا يتعلق بإفاقة الأشجار، بل يرتبط بإحياء التراب الميت حيث يتبدل إثر جذب الأشجار له إلى موجود حي فإن الأشجار النائمة تفوق في بادئ أمرها عبر هطول الأمطار ثم تثمر من خلال التغذي من الماء والهواء والمواد الغذائية بواسطة الجذر وعندها تتبدل الأرض الميتة بوساطة الأشجار إلى موجود حي (الغصن والجذع والورق والثمر).

فإن وردت المباحث المطروحة في القرآن الكريم في فروع الزراعة وتربية الحيوانات وصيد الأسماك والأنواء الجوية والمناجم و... والفنون المتعلقة بها لأستفيد منها أكثر مما استفيد من آية {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. في بحث البراءة في أصول الفقه.

كيفية الاستفادة من المتون الدينية في العلوم الأخرى

لمزيد الاستفادة من القرآن الكريم في العلوم المختلفة لابد من:

التعرض للآية المختصة بموضوع البحث.

ذكر معنى مفردات الآية.

بيان المعاني العرفية المتبادرة إلى الذهن.

ترجمة الآية بشكل بليغ مع ملاحظة معاني مفرداتها.

ملاحظة آراء المفسرين الماضين والمتأخرين.

مناقشة آرائهم والخروج بنتيجة منها.

طرح الآيات الأخرى المؤيدة لهذه الآية.

ملاحظة الروايات الواردة بشأن هذه الآية.

ملاحظة الحصيلة العلمية (العلم القطعي أو المفيد للطمأنينة لا الفرضية) في ذلك الموضوع؛ فلا يمكن الاستناد إلى أصالة إطلاق أو أصالة. عموم الأدلة النقلية بمفردها، بل لابد من البحث عن المخصص اللبّي لئلا يحصل تعارض بـيـن مـفـاد الأدلة النقلية وبين الأدلة العقلية القطعية.

ثم الاستنتاج من هذه المباحث بعد ملاحظة كل هذه الأمور وبالتالي بيان الرأي العلمي.

فالمهم أن نعتبر ما توصلنا إليه منهجياً من العقل التجريبي أو الرياضي أو الفلسفي والكلامي حجة فيما بيننا وبين الله.

حجية الفهم المنهجي العقلاني

يعتبر الفهم المنهجي العقلاني حجة فمن توصل علمياً إلى مسألة مـا فـي علم البيئة أو علم النبات أو علم الصيدلة أو علم الحيوان أو الأرض أو البحار أو علم الكون سواء كان كافراً أو مسلماً يكون حجة فيما بينه وبين الله سبحانه. فإن كان مسلماً يُؤجر ويُثاب إن عمل بالمسألة العبادية وفق فتوى العقل أو امتثل بقصد القربة في المسائل التوصلية ويُؤاخذ يوم القيامة إن خالفها. وإن كان كافراً كذلك يُخفّف عنه العذاب يوم القيامة إن وافق عملـه فـتـوى العقل ويضاعف له العذاب إن خالفها؛ لأن الكافر مكلف بالفروع كمـا هـو مكلّف بالأصول أيضاً. فلو تصدّى منظر للبحث منهجياً وتوصل إلى ضرورة بناء سد خَرَسانيّ مُسلّح الحجز وتخزين ماء المطر وتحسين حياة الناس والحؤول دون أضرار السيل المحتملة ولأثره في البيئة وفائدته في حقل الزراعة وتربية الحيوانات والصناعة ولتأمين ماء الشرب للناس ثم خالف ما توصل إليه عقله وسلك طريقاً آخر، فسيغمره العذاب في يوم القيامة ولا يمكنه ادعــاء عـدم ورود مثل هذا الأمر لبناء السد في القرآن أو الروايات الإسلامية لأن العقل قد دله على ذلك وتمت حجة الله عليه.

ويتضح من هذا البيان أن المنظر كالمجتهد إن أصاب رأيه الواقع فله أجــران وإن أخطأ فله أجر واحد وإن خالف رأيه وثبت بعد ذلك أنه كان مخطئاً لم يقترف ذنباً فقهياً ولكنه اجتراء ودلالة على سوء السريرة وهو ذنـب مـن الناحية الكلامية. فالكلام ليس عن كفر المنظر أو إسلامه بل الكلام عن العلم والمعلوم. فالمعلوم هو فعل الله وخلقه والعلم أيضاً حجته، ومعنى ذلك هو العلم بأسرار فعل الله عبر العقل الذي هو حجة إلهية وكما أن العلم حجة منطقية لإثبات مسألة ما فهو حجة أصولية وفقهية بين العبد ومولاه أيضاً.

وقد ورد في المسائل الفقهية أن من كان سفره معصية عليه أن يتم صلاته ويجب عليه عند الضرورة الصوم أيضاً. وكانوا يضربون فـي السابق لتعيين مصداق سفر المعصية مثال قاطع الطريق الذي يُخل بأمن السفر، واليوم لابد من القول أن الخبير الفني إذا حال دون حركة سفينة أو طيران طائرة لشعوره بالخطر سيكون سفر هذه السفينة أو الطائرة سفر معصية كذلك، سواء كان المسافر مسلماً أم كافراً. ولذا فإن كل ما يتوصل إليه العقل ويخرج من الفرضية إلى العلم فهو حجة فقهية، ولكن علينا أن نعرف بأن العلم لا يُكتسب مــن خـلال الحس والتجربة فحسب لكي يقال: ما هي العلاقة بين صلاة الاستسقاء والدعاء والتضرع وبين نظام العالم التكويني فإن الحس والتجربة لا سبيل لهما إلى الكثير من المسائل. وإن العلوم التجريبية لا يمكنها إلا أن يكون لها كلام إثباتي وإثبات العلاقة بين الظواهر ولكنها غير قادرة على الكلام السلبي؛ فإن بإمكان العلوم التجريبية أن تقول بأني جربت هذه المسألة ويحدث مثل هذا الوضع في مثل هذه الظروف ولكن لا يمكنها القول بأن هذا هو الطريق الوحيد، وإن الطرق الأخرى لا يمكن اختبارها حتى تعطي العلوم التجريبية رأيها فيها. فاتضح بهذا البيان أن العلوم إسلامية بأسرها ولا يوجد علـم غـير إسلامي لكي يقال: ما هو الفرق بين الفيزياء الإسلامية والفيزياء غير الإسلامية؛ ومعنى ذلك أننا إن طالعنا نظام الوجود من أعماق الأرض إلى الفضاء والبحار والقفار وغيرها فقد طالعنا كتاب الله التكويني وتحدثنا عن فعل الله سبحانه ومن جانب آخر إذا توصلنا إلى علم بالعقل فإنه حجة إلهية، ومن هنا فإننا من خلال الحجة الإلهية نتدارس أفعال الله وبالنظر إلى النظام الفاعلي والغائي لها تكون العلوم إسلامية بأجمعها.

إن إسلامية العلوم القرآنية أمر مسلّم به ولكن إن أنكر امرؤ مبدأ نزوله وهو الله سبحانه ورفض العمل به المتعلق بالحشر والنشر والمعاد، سيتبدل القرآن إلى نص عربي ليس إلا، وفي هذه الحالة إن اهتم فرد بأدبه وفصاحته وبلاغته وقصصه وسائر علومه يمكنه الادعاء بأن القرآن لا معنى لأن يكون إسلامياً وغير إسلامي، لأنه أنكر المبدأ والمعاد ونظر إلى القرآن بوصفه كتاباً يعنى بالأدب العربي.

إن العالم الخارجي وهو كتاب الله التكويني يضاهي كتـاب التدوين لله سبحانه وتعالى، وإن الأرض والسماء والجبال والبراري والصحاري والنباتات والحيوانات وسائر الموجودات يُمثلون أوراق الكتاب التكويني لله. فإن حلّق الإنسان إلى الفضاء أو خاض أعماق الأرض والبحار فإن أحكام الله واحدة لأنها من مبدأ واحد: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، وكما أن الحياة في سائر الكرات لا تُغيّر الفقه وتفسير القرآن، كذلك الحال بالنسبة للمبدأ والمعاد في عالم الخلق.

حجية معطيات العقل الأصيل

إن هناك ارتباط ثنائي بين النقل والعقل والفصل والتفكيك بينهما بعد بيان هذا الارتباط أمر عبث وعندها سيتجلى معناه بشكل آخر.

تبين النصوص الدينية من جانب أهمية العقل فـــي كـلا بعديه النظري والعملي، فيقول الله مثلاً في القرآن الكريم: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].

فيكون الهدف من خلق المنظومة الكونية بالاستناد إلى هذه الآية هـو علـم الإنسان، وبما أن العقل النظري هو الذي يتولى الجانب الفكري، يظهر أن عطاء الكائنات ومخلوقات العالم بأسرها متعلقة به ولا يصل الإنسان إلى هدف الخلقة إلا إذا استفاد جيداً من قوة الفكر واستخدم العقل النظري لكشف المجهولات وحقائق العالم.

ويقول الله سبحانه أيضاً في أهمية العقل العملي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. فجعل الله الهدف من الخلقة في هذه الآية عبادة الجـن والإنس. ومن جانب فإن العبادة والعبودية مرهونة بالنية الصحيحة الصائبة ولا تتحقق من دون استخدام العقل العملي؛ ومعنى ذلك أن الإنسان إن لم يكن قادراً على إيجاد نية صحيحة وصالحة في نفسه وعلـى أن يتخذ لأفعاله أهدافاً سامية بالنظر إلى ما وراء الماديات فإن عبادته وعبوديته لا تأخذ معناها الصحيح ومفهومها الصائب ومن هنا فإن هدفية الخلقة مدينة للعقل العملي أيضا والناس من دون العقل العملي يفقدون القدرة على إيجاد النية الصائبة والعبادة الحقة ويُحرمون من الوصول إلى هدف الخلقة.

وبالطبع لا ينبغي التصوّر أنه إذا كان الهدف من الخلقة هـو العقل النظري إلى جانب العقل العملي فإن ذلك سيُفضي إلى التضادّ والتعارض، لأن لكلّ من هذين النمطين من العقل دور ثبوتي في حد ذاته والأمران المثبتان لا يتعارضان بتاتاً وإثبات أحدهما لا يُلقي الآخر في دائرة الحصر والنفي.

ومن جانب آخر فإن المتون الدينية علاوة على تقييم العقل قد ذكرت في تعاليمها الاتجاه الصحيح للتفكير وكذا طريقة الاختيار الصائب للنية ومن هنا فهي لا تترك العقل ولا توكله إلى نفسه بل تدله إلى كشف الحقائق المجهولة عبر تبيين الطرق والمناهج الصحيحة.

وبعد ملاحظة جانب واحد من التعامل، لابد من الاهتمام بالجانب الآخر أيضاً. وفي هذا الخضم فإن لرقي قيمة التعقل من الأهمية بحيث أنه قد تبين من أدلة الشرع القطعية. ويتم إثبات هذا التقييم بالنظر إلى أربعة مسائل:

1- إن محور الشريعة هو حكم الله

2- المصدر الوحيد الذي ينبثق منه حكم الله هو الإرادة الإلهية 

3ـ الأدلة الشرعية هي الكاشف الوحيد عن إرادة الله

4- الأدلة الشرعية إما عقلية أم نقلية، والأدلة النقلية إما الكتاب أم سنة المعصومين (عليهم السلام)

والمحصل من هذه المسائل الأربعة هو أن العقل كالنقل وما يتفرع منه - كالكتاب والسنة، وما يتفرع من السنة أيضاً كالخبر الواحد والمتواتر والإجماع والشهرة الفتوائية والروائية و ... - يتمتع بالحجية والكاشفية عن إرادة الله وحكمه ومن هنا فإن العقل الأصيل كالنقل المعتبر حجة إلهية ولا فرق بينه وبين سائر الأدلة الشرعية. ويتضح أيضاً أن العقل لا يُقابل الدين ولا يعد أمراً منفصلاً عنه، بل العقل يُقابل النقل. وإن نداء ومحتوى أي دليل عقلي أم نقلي يمثلان نداء الدين ومحتواه أيضاً.

وإن أمعنا النظر في التعامل بين العقل والنقل وعدم الفصل بين الميادين الحقيقية لهما لاتّضح جيداً بطلان الفصل بين المنهجية والإيديولوجية وعندها لا يمكن القول بأن بيان الإيديولوجية على عهدة الشارع والمنهجية على عهدة العقل لأن أصل التمايز بين المسائل المقتبسة من المتون النقلية للدين والمسائل من العقل لا علاقة له بأنهما منضويان تحت أصـل شـرعي وديني والشارع يؤيد كلا المجموعتين من دون أي فصل وتمايز بينهما.

وبعبارة أخرى كما أن النقل المعتبر حجة الله فإن العقل الأصيل أيضاً حجة الله ولا فرق بين محتواه أياً كان - سواء كان فقهياً أم أصولياً، توصلياً أم تعبدياً - وبين محتوى الدليل النقلي ولهذا لا يوجد هناك فرق في المسائل الاجتماعية والسياسية الإسلامية بين الأحكام المأخوذة من المتون الروائية والقرآنية وبين النتائج الحاصلة من العقل البرهاني وكلها تدخل ضمن النظام السياسي والاجتماعي.

وبعبارة أخرى، لا يختص نظام الإسلام السياسي والاجتماعي بالمسائل المشار إليها في المتون الدينية مباشرة، بل يشمل الإشارات الشرعية الناتجة من العقل، والمتون الدينية أيضاً مليئة بالتصريح بصحة إسنادها.

وهنا نسترعي الانتباه إلى نقاط عدة:

1- العقل يُقابل النقل لا الدين. وإن تقسيم الشيء إلى عقلي وشرعي تقسيم خاطئ، بل الصحيح تقسيمه إلى عقلي ونقلي.

2- حجية العقل مشروطة ببعض الشروط كما أن حجية النقل أيضاً مشروطة ببعض الشروط.

3ـ العقل غير القياس لأن العقل حجة والقياس ليس بحجة.

4- لقد تبينت مسألة عدم حجية القياس في أصول الفقه وقبلها في فن المنطق قبل بيانها في الفقه لأن عباقرة المنطق في العصور الغابرة قد أفتوا بأن القياس الفقهي الذي هو نفس التمثيل المنطقي، إن لم يقترن بالبرهان فهو ساقط عن الاعتبار. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد