(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 189)
خلاصة التفسير: لا شك في أن العبرة في تأمل خلق السماوات والارض والنظر في معالمها وأشكالها هي الكشف عن أسرار الخلقة وأسباب الايات التي تحويها تلك العوالم وقد دعا الله سبحانه وتعالى الانسان الى ملاحظة كل تلك العجائب حيث وفرفي القرآن الكريم أرضية البحث المعمق في المسائل الطبيعية وما بعد الطبيعية فاتحا أمامه أبواب التحقيق والدراسة بدءا من العقل التدريجي ووصولا الى العقل التجريدي ورغم أن بعض الاسئلة التي طرحها الاميون من الناس هي أسئلة معقدة تتطلب إمعانا دقيقا في أجوبتها إلا أن الجواب القرآني كان مقنعا وكافيا في كل مرة. وسئل رسول الله ﷺ كثيرا حول الحكمة من ظهور الهلال في أول كل شهر هجري والفائدة من تغير أشكال القمر من هلال ثم بدر ثم محاق وكذلك كيفية تدبير الله سبحانه لهذا كله والعبرة منه.
وكلنا نعلم بأن المحور الاساسي للقرآن الحكيم سواء في حالة البيان الارتجالي أو من خلال الاجوبة المحققة أو المقدرة هو تعليم الكتاب والحكمة بغية تعميق المعارف الصائبة وتزكية النفوس لتحقيق الهدف الصالح ولهذا أمر الرسول الاعظم ﷺ بالإجابة على السؤال المذكور والقول بأن الغرض من أشكال القمر وتغيراته عبر أيام الشهر هو التقويم الطبيعي والعمومي وتمكين الناس من معرفة الاوقات (أول الشهر ووسطه وآخره) وتعريفهم وتعليمهم بكيفية حساب الأشهر والسنين وتنظيم أوقات العبادة والمعاملات والمسائل الاخرى ليستطيعوا بذلك إدارة أعمالهم وحساباتهم بالإضافة الى تنظيم برنامج الحج ومهما يكن من أمر فقد تكون العلة الغائية وكيفية ترتيب وتنظيم الاجرام السماوية شيئا آخر وموضوعا مختلفا تماما عن موضوع التقويم وغيره لكن المنفعة المباشرة التي تهم الانسان والتي يمكن توضيحها ببعض كلمات بسيطة لا تتعدى استفادة من تلك الاشكال والصور في تنظيم أموره الحياتية.
ويتضمن الجواب كما هو واضح بيانا قيما ذا حكمة ومنفعة وغاية ومع هذا فقد يكون المراد من السؤال المطروح هو المبدأ والسبب الطبيعي والرياضي لتلك الاشكال والتغييرات وفي هذه الحالة لا بد من أن يتناول الجواب المسائل الرياضية والنجومية (الفلكية) وهذه أمور قد لا يفهمها الناس جميعا بمستوى واحد وعندئذ لن يكون الجواب مفيدا بالقدر المطلوب[1] وهكذا قدم الله العليم الحكيم جوابا فيه ما ينفع الناس ويكون بمستوى فهمهم وإدراكهم وأما ما يؤكد هذه النقطة فهو ذيل الاية الشريفة المذكورة حيث أراد الله أن ينبه السائل الى أن طرح مثل هذه الاسئلة إنما هو السير في الطريق الخاطئ فضلا عن أن طرح سؤال كهذا على رجل أمي - وهو النبي ﷺ - ليس منطقيا ولا ننسى كذلك الايات التي تدعو الانسان الى التفكير والتأمل في أسرار الخلقة ونظامها المعقد ورغم أن الجميع يمتلكون الحق في السؤال والتساؤل بل ومكلفون بذلك أيضا إلا أن المشكلة تكمن في كون أولئك القوم الاميين الغارقين في الجاهلية المزمنة لم يكونوا يميزون بيت علم النبوة ولا يعرفون الدخول من الباب الاصلي لذلك البيت ولا هم قادرون على ايجاد المفتاح الذي يكون بواسطته فتح ذلك الباب الجليل اطلاقا!
وأما السبب في الاكتفاء بالإشارة الى موضوع الحج دون غيره من المواضيع فهو أهميته القصوى لدى أهل الحجاز آنذاك واهتمامهم الخاص بالأهلة وتغير القمر من فترة الى أخرى مما يكسب الموضوع مشروعيته سيما خلال الشهور الثلاثة الخاصة بالحج وكذلك لبيان وتثبيت موسم الحج والحيلولة دون تخلف الحاج عن موسم الحج خاصة إذا ما علمنا بأن المشركين كانوا يعمدون في الكثير من الاحيان الى تغيير الاشهر الحرم واللعب بمواقيتها مع أن تلك الاشهر كانت تضم شهري الحج أيضا ولاشك كذلك في أن المقصود من ذكر مسألة الحج هو الاشارة بعد ذلك الى الايات المرتبطة بنفس الموضوع.
هذا ويعرف الله سبحانه البر في هذه الاية من خلال الاشارة الى سيرة الابرار وسلوكهم قائلا بأن البر يعني المتقين وأن التقوى هي محور البر خاصة في المسائل العقائدية والأخلاقية والعملية والاجتماعية والاقتصادية والعلة في تعريف البر بهذه الطريقة هي أن معرفة البر من سيرة الابرار تؤدي الى الهداية والارشاد الى البر الذي يعتبر هدفا من أهداف القرآن الكريم وأما مجرد فهم معنى البر فهو عمل علمي محض لافائدة كبيرة فيه.
ومن بين البدع والتقاليد التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي دخول الحاج المحرم الى البيت من ظهره وليس من الباب الرئيسي فأراد الله سبحانه بذلك ابطال تلك العادة السخيفة وإفهام أصحابها أن الدخول الى البيوت من ظهورها ليس من البر في شيء وأن الفضيلة تقتضي الدخول الى البيوت من أبوابها أما ما كنتم تفعلونه فليس سوى الرذيلة.
وتمثل التقوى الهدف الرئيسي في بعض الامور في حين تعتبر وسيلة بالنسبة لكمال المستقبل ويكون الفلاح والسؤدد حينئذ هما الهدف المنشود منها وهنا ينبغي على السالك أن يرتدي درع التقوى في سيرة وسلوكه ليتمكن من الوصول الى الهدف المراد وهو السؤدد.
واستناد الى سياق الاية الشريفة فإن الامر بالتقوى يعني خشية الله سبحانه وعدم السؤال عما لا ينفع وعدم اللجوء الى تغيير أحكام الله تعالى وإقامة كل فريضة وعبادة في موعدها ووقتها المعين لها. وإذا أردتم _ أيها الناس – أن تبحثوا في أمر أو موضوع ما فعليكم اتباع سلبه الخاصة به وعدم الخوض في أي منها عبر الطرق المعوجة والمسالك الملتوية أو الدخول من ظهر البيت ولا ريب في أن التوفيق سيكون حليف المتقين فقط لأن من يدخل البيت من ظهره ليس بتقي[2].
تفسير المفردات: يسألونك :السؤال هنا هو سؤال استفهامي كقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ[3]) حيث يستخدم حرف الجر عن لصياغة السؤال الاستفهامي وذلك خلافا للسؤال الاستعطائي الذي يصاغ إما بدون حرف الجر مثل قوله سبحانه: (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا[4]) أومع حرف الجر من نظير قوله عز وجل: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ[5]) لكن يصاغ السؤال الاستفهامي كذلك دون الحاجة الى استخدام حرف الجر مثل قوله سبحانه: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ[6]) لأن كلمة (أَيَّانَ) في هذه الاية تشير بوضوح الى السؤال وقد استخدم نمط آخر في هذا السياق وهو قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ[7]) مع حرف الجر عن.
الأهلة: جمع الهلال: القمر في أول ليلة والثانية[8]، وأضاف بعضهم الليلة الثالثة كذلك وآخرون قالوا بهلاليته منذ سطوعه على قوس منير فيما أطلق بعضهم الاخر الهلال على الليلة السابعة لظهوره كذلك عندما يغلب نور القمر على ظلمه الليل ثم يصير قمرا بعد ذلك[9]. وأما الفيومي فقد أجاز اطلاق الهلال على الليلة السادسة والعشرين والسابعة والعشرين من الشهر[10].
والسبب في تسمية الهلال بذلك هو أن الهلال يعني رفع الصوت فكانوا يرفعون أصواتهم مع رؤية الهلال ويرونه لبعضهم البعض كما سموا تلبية المحرمين بالإهلال لرفعهم أصواتهم عند التلبية ويطلق على الصوت الذي يسمع من المولود بعد ولادته بالإهلال[11].
تذكير: القمر علم واحد وأما تعدده الأهلة فلظهوره في أول كل شهر بأشكال مختلفة[12]، واسم القمر: الزبرقان، واسم دارته: الهالة والفخت: اسم ضوئه أو ظلمته على خلاف فيه اسم ظله السمر[13].
مواقيت: جمع ميقات من الوقت واعتبر العديد من علماء اللغة أن الميقات مصدر بمعنى الوقت واحيانا والموضوع أو المكان في أحيان اخرى[14]، لكن آخرين من علماء اللغة قالوا: بأن الميقات ليس مصدرا ولا يدل على المكان أو الزمان المحدودين بل هو اسم الآلة وبمعنى الوسيلة لتحقق وقت معين وزمان محدود في الخارج[15]، وعليه فإن مراد الاية الشريفة (الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) هو أن الأهلة هي وسائل تمكن الناس من تنظيم أوقاتهم الشرعية وأعمالهم العرفية المرتبطة بالوقت وكذلك أوقات دفع الزكاة ووقت الصيام وموسم الحج وفترة الحمل والإرضاع وعدة الوفاة أو الطلاق ومواعيد تسديد الديون وحساب كل ذلك من خلال رؤية الهلال واختلاف الشهور وهكذا فإن مواقيت الاهلة للناس بمعنى توقيت شؤون حياتهم بموجبها ولو لا ذلك لما كان لهم ما يستطيعون به تحديد الاوقات ومعرفة الازمنة.
تناسب الايات: تمثل الاية الشريفة تكملة لأحكام الصيام وشهر رمضان المبارك ويكمن السر في السؤال عن الأهلة في أن الصوم والإفطار مقرونان برؤية الهلال[16].
وقد ذكر السبب وراء السؤال عن الأهلة وظهور القمر ثم اختفاؤه خلال الشهر في الايات السابقة فالكثير من الاحكام وخاصة ما يتعلق منها الحج وهو ركن من أركان الاسلام ونظير للصوم تستند الى الهلال وتغييراته ويقال: إن الأهلة كالحكام تنفي أمورا وتوجب أخرى[17]، وهذا يشبه كون شهر رمضان المبارك وقتا لوجوب الصيام وكان الحج واقعا في جزء من الاشهر الحرم وكان الجهاد مثلا محرما في تلك الاشهر إلا إذا تعرض المسلمون الى الاعتداء ففي هذه الحالة يحق لهم الدفاع عن أنفسهم حتى وإن كان ذلك في الاشهر الحرم ولذلك وبعد الاشارة الى أحكام الصيام ومسألة الاموال التي تمثل وسيلة لأداء فريضة الحج ورد الكلام بشأن القتال[18].
هذا من جهة، ومن الجهة الاخرى، وبالنظر الى السياق العام للآيات السابقة من سورة البقرة فإن شرح موضوع التقوى هو في الحقيقة بيان لكيفية الوصول اليها وعرض آثارها. وتعتبر الاية التي نقوم بتفسيرها استمرارا كذلك للسياق المذكور حيث يرى بعض المفسرين أنها تفيد تصحيح تصورين اثنين مغلوطين ومخالفين للتقوى بل ومحورين لوقوع الانسان في الزلل والخطأ أحدهما الخلط بين معرفة الحكمة ومعرفة القانون العام للعالم أو الطبيعة ثم الخلط بين رسالة الدين وهدفه ورسالة العلوم التجريبية وهنا تحاول الاية بيان وتوضيح أن معرفة الحكمة من خلق الاشياء هي جزء لا يتجزأ من الدين نفسه في حين أن معرفة الامور والمسائل الحسية هي موضوع آخر يختلف تماما عن سابقه أما التصور الخاطئ الاخر فهو نسبة كل عمل معقد وغير معقول بزعم البعض الى الدين وهكذا نلاحظ بأن الاية المفسرة ومن خلال تنقية وتصفية مسألة التقوى من كل التصورات والاعتقادات الخاطئة وحالات التطرف الاخرى تريد القول بأن الوصول الى التقوى يكون عبر أحد سبيلين السبيل الاول ويتمثل في معرفة حكمة الاشياء المخلوقة ولايكون ذلك إلا عن طريق الدين أما السبيل الاخرى فهي التعرف على حقيقة الاشياء الحسية بواسطته (أي: بواسطة الدين) وهوما يتأنى من خلال الدراسة والتأمل ومعرفة الطبيعة والظواهر الموجودة فيها[19].
هذا وتعرض الاية المذكورة موضوعين اثنين: الاول: هو الأهلة والثاني: هو الورود أو الدخول الى البيوت من أبوابها وقدم المفسرون احتمالين للربط بين ذينك الوجهين: أحدهما: هو أنه وبعد سؤالهم عن الاهلة فكان القرآن الكريم يجيبهم بأن الله عز وجل لا يفعل أي شيء إلا وفقا لما تقتضيه الحكمة فلا تسألوا عن السبب (الطبيعي) بل تأملوا في حكمة العمل وما ينفعكم فلا تعودا تظنون أن الشيء الفلاني بر والشيء الفلاني ليس كذلك[20]، وعليه فإن قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا) إنما هو تنبيه لهم بأنهم قد أخطئوا في سؤالهم ذاك كما أخطئوا في بعض أفعالهم وانتهجوا عكس المنطق والمعروف فحثهم على السؤال عما هو أكثر نفعا لهم ونهاهم عن السؤال عما لا ينفعهم ولا يضرهم[21].
ثانيهما: لقد سألتم عن أسباب انتقال القمر من حال الى حال ولم ينزل الدين من أجل هذا إذ سبيل هذا العلم بظواهر الكون من خلال التأمل والتجربة ومعرفة الاسباب ففعلكم هذا يشبه إتيانكم البيوت من ظهورها[22] لذلك فإن قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا...) هو تعريض بأن من يسأل النبي ﷺ عن أمور لم يبعث من أجلها سيما إذا كانت معرفة مثل هذه الامور لا تتوقف على الوحي كمن يطلب شيئا من غير محله أو مصدره وهذا يشبه من يدخل البيت من ظهره لا من بابه[23].
تذكير: 1. من الملاحظ أن بعضا من الوجوه المذكورة التي تعتبر أن تعليم المسائل الدنيوية خارجة عن اطار الرسالة الدينية غير صحيح وسوف نوضح ذلك من خلال بحثنا هذا.
2. لا شك في أن كل آية من آيات القرآن الكريم إنما نزلت بما ينسجم وأوضاع المجتمع الجاهلي وظروفه فإما أنها كانت جوابا لسؤال ملفوظ أو إجابة على طلب ملحوظ أو تحذيرا من حدث مستقبلي آت أو تدبيرا وحلا لحادثة مضت أوغير ذلك.
3. يوجد تصوران حول التناسب والعلاقة الضمنية للاية المفسرة أولهما: إن موضوعيها متناسبان مع بعضهما البعض والعلاقة بينهما تكون من خلال أحد الوجوه المذكورة أو ما شابه ذلك. أما ثانيهما: فهو أن كلا من الموضوعين يحل مكانته الخاصة بما يتناسب وسبب نزوله دون أدنى شك لكن الموضوعين المذكورين لا يتناسبان مع بعضهما البعض بل إن أحدهما استطراد للآخر كقوله تعالى مثلا: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ[24]) حيث ينفي صدر الاية وجود أي تشابه أو تساوين البحرين المشار اليهما بينما يؤكد ذيل الاية على تساويهما في بعض الحالات[25]، إذا فليس من الضروري وجود التناسب بين الموضوعين المذكورين في الاية المفسرة.
4. قد يكون السؤال أحيانا عن الموضوعين في آن واحد ولذا فإنه وبصرف النظر عن تناسب كل من الموضوعين مع سبب ووجه النزول فإنه يوجد تناسب معين بينهما وبين موضوع آخر وقع موقع السؤال كذلك رغم عدم وجود أي تناسب ملحوظ بين السؤالين كما هي الحال مع عدم وجود أية علاقة بين الجوابين أيضا.
[1] قال بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: 379/30) والسؤال عن الأهلة لا يتعلق بذواتها، إذ الذوات لا يُسأل إلا عن أحوالها، فيعلم هنا تقدير وحذف أي عن أحوال الأهلة، فعلى تقدير كون السؤال واقعاً بها غير مفروض فهو يحتمل السؤال عن الحكمة ويحتمل السؤال عن السبب فإن كان عن الحكمة فالجواب بقوله: (قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ) جارٍ على وفق السؤال... ولعل المقصود من السؤال حينئذ استثبات كون المراد الشرعى منها موافقاً لما اصطلحوا عليه؛ لأنّ كونها مواقيت ليس مما يخفى حتى يُسأل. عنه، فإنّه متعارف لهم، فيتعيّن كون المراد من سؤالهم إن كان واقعاً هو تحقق الموافقة للمقصد الشرعي. وإن كان السؤال عن السبب فالجواب بقوله: «قُلْ هِيَ مَواقِيتُ غير مطابق للسؤال، فيكون إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل إلى غير ما يتطلب، تنبيهاً على أنّ ما صُرِف إليه هو المهم له؛ لأنهم في مبدأ تشريع جديد والمسؤول هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان المهم لهم أن يسألوه عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم، وهو معرفة كون الأهلة ترتبت عليها أجال المعاملات والعبادات كالحج والصيام والـعــدة، ولذلك صرفهم عن بيان مسؤولهم إلى بيان فائدة أخرى، لا سيما والرسول ﷺ لم يجئ مبيناً لعلل اختلاف أحوال الأجرام السماوية، والسائلون ليس لهم من أصول معرفة الهيئة ما يُهينهم إلى فهم ما أرادوا علمه بمجرد البيان اللفظي، بل ذلك يستدعي تعليمهم مقدمات لذلك العلم، على أنه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين أشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم يومئذ، ولكان ذلك ذريعة إلى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه، فإنهم قد أسرعوا إلى التكذيب فيما لم يطلعوا على ظواهره كقولهم: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم) وقولهم: (مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) وعليه فيكون هذا الجواب بقوله: (هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) تخريجاً للكـلام عـلـى خـلاف مقتضى الظاهر».
[2] قال: بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: 3/ 193: ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها أن سبب نزولها كان موالياً أو مقارناً لسبب نزول الآية التي قبلها، وأن مضمون كلتا الجملتين كان مثار تردّد وإشكال عليهم من شأنه أن يسأل عنه، فكانوا إذا أحرموا بالحج أو العمرة من بلادهم جعلوا من أحكام الإحرام ألا يدخل المحرم بيته من بابه أو لا يدخل تحت سقف يحول بينه وبين السماء، وكان المحرمون إذا أرادوا أخذ شيء من بيوتهم تسلّموا على ظهور البيوت أو اتخذوا نقباً في ظهور البيوت إن كانوا من أهل المدر، وإن كانوا من أهل الخيام دخلوا من خلف الخيمة».
[8] مفردات ألفاظ القرآن: 843، مادة «هلل».
[9] مجمع البيان: 1 - 2 / 507 - 508. قال أمين الإسلام الطبرستي مثل: «الأهلة، جمع هلال، واشتقاقه من قولهم: استهل الصبي، إذا بكى حين يُولد أو صاح؛ وقولهم: أهل القوم بالحج، إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وإنّما قيل: هلال؛ لأنه حين يُرى يهل الناس بذكره. يُقال: أهل الهلال واستهل، ولا يُقال: أهل، ويقال: أهللنا الهلال وأهل لنا شهر كذا، أي دخلنا فيه. وقد اختلف في تسميته هلالاً، كم يُسمى ومتى يُسمّى قمراً ، فقال بعضهم: يُسمّى هلالاً لليلتين من الشهر ثُمّ لا يُسمّى هلالاً إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال آخرون: يُسمّى هلالاً ثلاث ليال، ثم يُسمّى قمراً. وقال بعضهم: يُسمّى هلالاً حتى محجر، وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة، وهذا قول الأصمعي. وقال بعضهم: يُسمّى هلالاً حتى يبهر ضوره سواد الليل، ثم يُقال: قمر، وهذا يكون في الليلة السابعة. واسم القمر عند العرب الزبرقان واسم دارته الهالة واسم ضوئه الفخت والميقات مقدار من الزمان جعل علماً لما يقدر من العمل، والتوقيت تقدير الوقت وكلما قدرت غايته فهو موقت والميقات منتهى الوقت والآخرة ميقات الخلق والإهلال ميقات الشهر والحج».
[10] المصباح المنير: 639 ، مادة «اهل». قال الفيومي: «وَأَمَّا الهلالُ فَالأَكْثَرُ أَنَّهُ الْقَمَرُ فِي حَالَةٍ خَاصَّة؛ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَيُسَمَّى الْقَمَرُ لِيْلَتَيْنِ مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ هِلالاً وَفِي لَيْلَةِ سِنُّ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِ وَعِشْرِينَ أَيْضًا هِلالاً وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ يُسَمَّى قمَرًا».
[11] المصباح المنير: 639 ؛ التبيان: 2 / 140؛ الجامع لأحكام القرآن: المجلد 1، 2 / 318. قال الفيومي: «أَهَلَّ المولود إهلالاً خَرَجَ صَارِحًا... وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ وَاسْتَهْلَلْنَاهُ رَفَعْنَا الصَّوْتَ بِرُؤْيَتِهِ... وَأَهَلَّ الْمُحْرِمُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَكُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَدْ أَهَلَّ إِهْلَالاً... وَأَهَلَّ الرَّجُلُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِذِكْرِ الله تَعَالَى عِنْدَ نِعْمَةٍ أَوْ رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُعْجِبُهُ». وقال الطوسي قدس سره: «الأهلة، جمع هلال، وسُمي الهلال لرفع الصوت بذكره عند رؤيته، ومنه: أهل بالحج، إذا رفع الصوت بالتلبية». وقال القرطبي: يُطلق لفظ «الهلال» لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوله، وقيل: لثلاث من أوّله... وهو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق، وقيل: بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع. ويُقال: أهللنا الهلال، إذا دخلنا فيه... وأهل الهلال واسهل على ما لم يسم فاعله، ويُقال أيضاً: اسهل، بمعنى تبين، ولا يُقال: أهل، ويُقال: أهللنا عن ليلة كذا ولا يُقال: أهللناه فهل كما يُقال: أدخلناه فدخل، وهو قياسه... ويُقال: أهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا».
[12] التبيان: 2 / 140؛ مجمع البيان: 1 - 2 / 508.
[13] قال الطوسي ف التبيان: 2/ 140: وإنما اقتصر في جمعه على أهلة استثقالاً له في التضعيف، كما قالوا فيما ليس بمضعف: حمار وأحمر وحمر.
[14] كتاب العين: 3/ 1972 ؛ المصباح المنير: 667 ؛ مفردات ألفاظ القرآن: 879، مادة «وقت»؛ تفسير الميزان: 2 / 55. قال الفيومي: الْوَقْتُ مِقْدَارٌ مِنَ الزَّمَانِ مَفْرُوضٌ لَأَمْرِ مَا، وَكُلُّ شَيْءٍ قَدَّرْتَ لَهُ حِينًا فَقَدْ وَقَتَهُ تَوْقِينًا، وَكَذَلِكَ مَا قَدَّرْتَ لَهُ غَايَةٌ، وَالْجَمْعُ: أَوْقَاتٌ، وَالْميقَاتُ: الْوَقْتُ، وَالْجَمْعُ مَوَاقِيتُ، وَقَدْ أَسْتَعِيرَ الْوَقْتُ لِلْمَكَانِ، وَمِنْهُ مَوَاقِيتُ الحَج مَوَاضِعِ الإِحْرَام». وقال الأستاذ العلامة الطباطبائي نت: والمواقيت جمع ميقات، وهو الوقت المضروب للفعل، ويُطلق أيضاً على المكان المعين للفعل كميقات أهل الشام وميقات أهل اليمن، والمراد هاهنا الأول.
[15] التحقيق في كلمات القرآن: 13 / 170 ، مادة (وقت). قال الدكتور المصطفوي: فهذه مواقيت يتوسل إلى تحقق زمان منظور مُعيّن... ودلالة الأهلة على وصول زمان المواعيد والمنسك للحج. فهذه الأمور آلات ووسائل لتعرفة الأزمنة المعينة ،المنظورة، وليست صيغة الميقات مصدراً أو دالة على المكان والزمان. وإنّما الاشتباه نشأ من جهة إطلاق الصيغة على المكان كما في مواقيت الإحرام، ولكن الحق أن الصيغة - كما قلنا - تدلّ على الآلة والوسيلة من أي شيء كان. فالمكان المعهود في المورد آلة ووسيلة لبلوغ الزمان المنظور في الابتداء والشروع في المناسك، فيلاحظ في الصيغة جهة الالية في البلوغ إلى زمان منظور.
[16] تفسير غرائب القرآن: 1 / 523 ؛ تفسير التحرير والتنوير: 2/ 170. قال صاحب غرائب القرآن: «لما كان الصوم منتهياً إلى الإفطار، والإفطار يتضمن الأكل، ناسب أن يردف حكم الصيام بحكم ما يصلح للأكل وما لا يصلح له. ولما كان الصوم والفطر منوطين برؤية الهلال عقبا بذكر السؤال عن حال الأهلة.
[17] نظم الدرر: 1/ 359 قال البقاعيّ: «لما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده تما شرعه في شهر الصوم ليلاً ونهاراً وبعض ما تبع ذلك، وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم، وكانت الأهلة كالحكّام توجب أشياء وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقاً أو باطلاً، وكان ذكر الشهر وإكمال العدة قد حرّك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ) وجعل ذلك على طريق الاستئناف جواباً لمن كأنه قال: هل سألوا عن الأهلة؟ فقيل: «نعم، وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحاً، فكان سبباً للسؤال عن السؤال عنها. وكذا ما يأتي من قوله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ) و(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ).
[18] تفسير المنار: 2/ 201. قال صاحب تفسير المنار: ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ الأَمْوَالِ عَقِبَ ذِكْرِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمُناسَبَةِ، وَالصَّيَامُ عِبَادَةٌ مَوْقُوتَةٌ لا يَتَعَدَّى فَرْضُهَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَالأَمْوَالُ وَسِيلَةٌ لِعِبَادَةِ الْحَجِّ وَهُوَ يَكُونُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَلِعِبَادَةِ الْقِتَالِ مُدَافَعَةٌ عَنِ اللَّةِ وَالأُمَّةِ وَهِيَ قَدْ كَانَتْ تَمنُوعَةٌ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعَقِّبَ بَعْدَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ وَالْأَمْوَالِ بِذِكْرِ مَا يُشْرَعُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنَ الْحَجِّ وَمِنَ الْقِتَالِ عِنْدَ الاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
[19] الاساس في التفسير: 1/ 436-438.
[20] المصدر السابق. قال سعيد حوى في تفسيره الأساس في التفسير: «الدين لريأت لتعليم ليعلم الناس قوانين الظواهر الكونية، بل ليعلم الناس عقائدهم وعبادتهم، ومناهج حياتهم... ولذلك كان الجواب بما ينسجم مع طبيعة الرسالة ومهمة الرسول وتعليم القرآن... وربط العبادات الإسلامية بمظاهر كونية كالشمس والقمر أدعى إلى المعرفة السهلة وأبعد عن التلاعب من أي مصدر كان. وليس البر بتحرجكم من دخول الباب في بعض أحوالكم، إذ هذه قضية غير معقولة المعنى، وأعمال البركلها معقولة المعنى... فهل حرم الله عليكم دخول البيــوت مــن أبوابها؟ فإذا لم يفعل فليس ما تفعلونه براً، وهذه هنا من تمام تصفية التصرفات كلها حتى تكون أثراً عن اتباع كتاب الله وهداه. وفي الآية موضوعان: موضوع الأهلة وموضوع دخول البيوت، والصلة بينهما من وجهين رئيسيين: أولاً: لما سألوا عن الأهلة كان الجواب كأنه ما يلي: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا لحكمة، فدعوا السؤال عن السبب، وانظروا في الحكمة، ثُمّ انظروا فيما هو أليق بكم كهذه الخصلة التي تفعلونها مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا، فكما أنكم أخطأتم هذا الموضوع بتصوركم، فقد أخطأتم في سؤالكم، وكما أن الصواب أن تأتوا البيوت من أبوابها، فكذلك الصواب في هذا الموضوع أن تأتوا الأمــور مــن وجوهها فتتعرفوا على ظواهر هذا الكون. فالتقوى في هذا الموضوع ذات شقين: أن تعرفوا حكمة الأشياء، وهذا سبيله الدين، وأن تعرفوا حقيقة الأشياء الحسية عن طريق ذلك، ووجهه وبابه الدراسة والتأمل والعلم الكوني».
[21] نظم الدرر: 1 / 360. قال البقاعي و لما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلاً منكراً وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: مــلاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض... قال تعالى عاطفاً على لَيْسَ البر مقبحاً لذلك الفعـل عـلـيـهـم منبهـا عـلى أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم، ويجوز أن يكون معطوفا على حال دل عليها السياق تقديرها: والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها (وَلَيْسَ الْبِرُّ) وأكد النفي بزيادة الباء في قوله: (بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ) أي لا الحسية ولا المعنوية (مِن ظُهُورِهَا) عند القدوم من الحج أو غيره، كما أنه ليس الترمأن تعكسوا في مقالكم يترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم.
[22] الأساس في التفسير: 1 / 436.
[23] تفسير المنار: 2 / 206. قال صاحب المنار: فَفِي الكَلام تَعْرِيضُ بِأَنَّ سُؤَاهُمْ فِي غَيْرِ تَحَلِّهِ، وَلَوْ تَوَجَّهَ هَذَا السُّؤَالُ مِمَّنْ يَتَعَلَّمُ عِلْمَ الْفَلَكِ إِلَى أُسْتَاذِهِ فِيهِ لا عُدَّ قَبِيحَا وَلَا قِيلَ: إِنَّهُ فِي غَيْرِ عَحَلْهِ؛ وَلَكِنَّهُ مُوَجَّهُ مِنْ أُمِّي إِلَى نَبِيٍّ لا إلَى فَلَكِيٌّ ، فَهُوَ نَبِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا لِذَاتِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ النَّظَرُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَأَجْلِ الْوُقُوفِ عَلَى أَسْرَارِ الْخَلِيقَةِ وَأَسْبَابِ مَا فِيهَا مِنَ الآيَاتِ وَالْعِبَرِ مَذْمُومًا، وَكَيْفَ يُذَمُّ وَقَدْ أَرْشَدَنَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَحَمَّنَا فِي كِتَابِهِ عَلَيْهِ: (أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ) وَالآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
[25] تفسير الكشاف: 1 / 234؛ تفسير البحر المحيط: 2 / 71. جاء في تفسير الكشاف: ومثل هذا من الاستطراد في كتاب الله تعالى قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا...) إلى آخر الآية فإنه تعالى بين عدم الاستواء بينهما إلى قوله: (أُجَاجٌ) وبذلك تم القصد في تمثيل عدم استواء الكافر والمسلم، ثم قوله: (وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ) لا يتقرر به عدم الاستواء، بل المفاد به استواؤهما فيها ذكر، فهو من إجراء الله الكلام بطريق الاستطراد المذكور، وإنما مثلت هذا النوع الذي نبه عليه الزمخشري؛ لأنـه مـفــرد عـن الاستطراد الذي بوّب عليه أهل صناعة البديع والمطابق لما بوبوا عليه.