1. نماذج من أكل المال بالباطل: عن الحسن بن علي بن فضال قال: قرأت في كتاب أبي الاسد الى أبي الحسن الثاني عليه السلام وقرأته بخطه سأله ما تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) قال فكتب اليه بخطه الحكام القضاة قال: ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم[1].
قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ) قال العالم عليه السلام: قد علم الله أنه يكون حكاما يحكمون بغير الحق فنهى أن يتحاكم اليهم فأنهم لا يحكمون بالحق فتطبل الاموال[2].
وعن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله عز وجل في كتابه (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) فقال: يا أبا بصير إن الله عز وجل قد علم أن في الامة حكاما يجورون أما إنه لم يعن حكام أهل العدل ولكنه عنى حكام أهل الجور. يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته الى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافقك الى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم الى الطاغوت[3].
وروي عن أبي جعفر عليه السلام: إنه يعني بالباطل اليمين الكاذبة يقتطع بها الاموال[4].
وعن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الرجل منا يكون عنده الشيء يتبلغ به وعليه دين أيطعمه عياله حتى يأتي الله عز وجل بمسيرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان وشدة المكاسب أو يقبل الصدقة؟ قال: يقضي بما عنده دينه ولا يأكل أموال الناس إلا وعنده ما يؤدي اليهم حقوقهم إن الله عز وجل يقول: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ[5]).
عن زياد بن عيسى وهو أبوعبيدة الحذاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) فقال: كانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عز وجل عن ذلك[6].
إشارة: أ. من الواضح أن اطلاق الاية الشريفة وعموميتها كذلك تشملان كل موارد الاكل الحرام ولا يمكن لشأن النزول الخاص أو المقيد أن يصبح سببا لتقييد أو تخصيص الاية أو اطلاقها وعموميتها[7]، وكما قام بعض المفسرين من أمثال الشيخ الطوسي وأمين الاسلام الطبرسي قدس سره بالإفتاء بالعموم[8]، فإنه ينبغي حمل ذلك على المعنى الجامع.
ب. تبين الاحاديث المذكورة التي تعتبر نماذج من أكل المال بالباطل بالإضافة الى بيانها لحكم المال المأخوذ من جهة وحكم أصل الاخذ من جهة اخرى تبين أنها ضمن اطار تطبيق المصداق لا التفسير المفهومي لذلك فلا وجود لأي تضاد فيما بينها ومثل هذه الاحاديث لا تتصف أساسا بالتفسير المفهومي لتكون مانعا للإطلاق أو العموم بل تمتلك جانبا تطبيقيا حيث أشارت الى بعض النماذج الخاصة بحالة من الحالات كالمال المأخوذ بحكم قاض جائر أو المال الذي يحصل عليه الفرد بسبب الاحتكام لدى حكام جائرين أو المال المدفوع مقابل اليمين الكاذبة والمراوغة في تسديد الديون مع امكانية ذلك والأموال التي تأتي عن طريق القمار والميسر.
ج. إن مسألة مراعاة حقوق الاخرين هي من أهل المسائل الحياتية والاجتماعية إذ ينبغي على المدين أولا تسديد ديونه ومنحها الاولوية مما لديه من المال وإن كان يعاني من بعض المشاكل المعيشية ثم بعد ذلك يقوم بترتيب أمور حياته بواسطة الاقتراض وغيره.
د. إذا كان هناك حكام أو قضاة آخرين غير الحكام والقضاة الجائرين وأصر الشخص على مراجعة الحاكم أو القاضي الجائر وأخذ هذا الاخير مالا من الا المدين وأعطاه الى الدائن فلا يحق للدائن التصرف بالمال المذكور لأنه لا يحق للقاضي الجائر استبدال الدين بالعين أما إذا كانت العين هي موضوع النزاع واستطاع الشخص استرداد ماله بمساعدة القاضي الجائر عندئذ يمكن لذلك الشخص التصرف بالأموال التي حصل عليها وإن كانت مراجعته للحاكم أو القاضي الجائر غير جائزة وإن كان بإمكانه مراجعة قاض عادل.
تذكير: أشارت بعض الاحاديث الى هذا الموضوع - أي حرمة أخذ عين المال رغم حليته - وذلك ضمن اطار مراجعة الحكام الجائرين لكن ذلك ليس هو المستفاد بعينه من تلك الاحاديث.
2. الرشوة: قال النبي ﷺ: إياكم والرشوة فإنها محض الكفر ولا يشم صاحب الرشوة ريح الجنة[9].
وقال الصادق عليه السلام فأما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم[10].
وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنتئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرم كله علينا أهل البيت فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية فقلت هبلتك أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة فألوكها ما فعلته وإن دنياكم عند لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعلي ونعيم يفنى ولذة لا تبقى؟ نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين[11].
إشارة: لا شك في أن الرشوة تعد من كبائر الذنوب فترى القاضي الجائر مثلا يرى النملة السوداء في ظلمة الليل الحالك بينما يعجز عن تمييز الظلم من العدل ومعرفة الظالم من العادل في ضوء النهار وهذا التعامي المتعمد سببه الرشوة التي قبضها ذلك القاضي.
3. الواقع و حكم القاضي: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أقضي بينكم بالبينات والإيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له به قطعة من النار[12].
إشارة: أ. لا ريب في أن الحكم الحاكم لا يغير من الواقع شيئا حتى وإن كان ذلك الحاكم هو رسول الله ﷺ أي لا يمكن للمال أن يكون من نصيب الظالم المحكوم له وإن كان ذلك بحكم الحاكم بل إن ما يحصل عليه المحكوم له إنما هو قطعة من النار لا غير فرسول الله ﷺ شخصيا كان يحكم بين الاخرين ويفض نزاعاتهم وفقا للشهود واليمين كما يفعل الحكام والقضاة رغم أنه ﷺ كان عالما بإذن الله تعالى بأمور الناس كلها ولو لم يكن المعيار المعتمد هو ظاهر الامور وكان الرسول الاعظم ﷺ يحكم بما يعلم وبما هو واقع بالفعل الخشي الناس افتضاح أمرهم وانكشاف أسرارهم ولما أحسوا بطعم الحرية وثواب الابتلاء والامتحان.
ب. لما كان الحكم الحقيقي للإسلام ثابتا لا يتغير بالحكم الظاهري للقاضي فقد أصبح هذا المبدأ هو القانون السائد على جميع أحكام القضاة بحيث لم يعد هناك أي فرق بين موضوع النكاح والتجارة ولا وجود للتفاوت في ميزان الاموال ومقاديرها.
وينقل القرطبي مسألتين عن بعض علماء السنة المسألة الاولى: إن البعض حدد حرمة المال بمئتي درهم وقالوا بأن الحرمة لا تكون في أقل من ذلك بينما حدد البعض الاخر ذلك بعشرة دراهم أو خمسة دراهم بل وبدرهم واحد فقط في حين أن المال الحرام لا نصاب فيه ليكون بالأماكن تحديده[13].
أما المسألة الثانية: فهي قوله إن أبا حنيفة قال بكفاية حكم القاضي في موضوع النكاح وإن شهد الشاهدان خلاف ذلك واستنادا الى هذا الحكم تحل المرأة الاجنبية (المحرمة) للرجل الاجنبي (المحرم) لكن لم يوافقه أيا من أصحابه على هذا الامر[14].
4. ريح الكنيف وريح الطيب: عن عبد الله بن موسى بن جعفر عليهم السلام عن أبيه قال: سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطيب سواء؟ قلت: لا قال: إن العبد إذا هم بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال صاحب اليمين لصاحب الشمال: قم فإنه قد هم بالحسنة فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده فأثبتها له وإذا هم بالسيئة خرج نفسه منن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين قف فإنه قد هم بالسيئة فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده وأثبتها عليه[15].
إشارة: يشير الحديث المذكور الى أن نتيجة كل من العمل الصالح والعمل السيئ واضحة وجلية لأولياء الله في هذه الدنيا وواضحة وجلية لجميع الخلق يوم القيامة حيث تزال كل الحجب وترفع جميع الستائر فيظهر الخفي والجلي والباطن والظاهر: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ[16]) وسيعلم الجميع حقيقة كل واحد منهم وما إذا كان الشخص الفلاني يقضي حياته في الدنيا داخل روضة نضرة خضراء أم كنيف عفن ذي رائحة نتنة وما هو نصيب أولئك الذين أدلوا بدلوهم وهل كان دلوهم نازلا الى بئر زمزم أم الى بالوعة قذرة وهل أتى دلوهم بالماء الزلال أم الحمأة العفنة؟
5. اجتناب أكل مال الحرام: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام يا معشر التجار الفقه ثم المتجر الفقه الفقه ثم المتجر الفقه ثم المتجر والله للربا في هذه الامة أخفى من دبيب النمل على الصفا[17].
إشارة: تبين الراوية أعلاه وأهمية الاطلاع على المعارف والأحكام الدينية لكي يتمكن الفرد من تجنب الوقوع في حبائل الفتن ومضمون هذا الحديث الشريف لا يقتصر على مسائل السوق والأمور الاقتصادية وحسب بل إن المقصود به هو الفقه ثم السياسة الفقه ثم الرئاسة الفقه ثم الوكالة...، لأن باستطاعة العقل البرهاني والنقل الموثوق اكتشاف حكم الله سبحانه وتعالى واستنباطه فإذا دخل الشخص الى مضمار المسائل القضائية أو السياسية أو الحقوقية من دون الرجوع الى العقل البرهاني والنقل الموثوق فإنه لا محالة سيضل طريقه ويقع في المحذور ولا جرم في أن الانحراف عن أي من العلوم المذكورة يعني الخسران المبين الذي لا يمكن تعويضه أو إصلاحه.
[1] تهذيب الاحكام: 6/ 219-220 تفسير العياشي: 1/ 85
[3] الكافي: 7 / 411؛ تفسير العياشي: 1 / 85
[4] تفسير مجمع البيان: 1-2 / 506 .
[7] الدر المنثور: 1 / 489: إن إمرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمِي اخْتَصَا في أرض وأراد امرؤ القيس أن يحلف فَفِيهِ نَزَلت: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ).
[8] تفسير التبيان: 2/ 138. تفسير مجمع البيان: 1-2/ 506) قال أمين الاسلام الطبرسي قدس سره والأولى حمله على الجميع لأن الاية تحتمل الكل.
[9] بحار الانوار: 101/ 274
[11] نهج البلاغة: الخطبة 224.
[12] الكافي :7/ 414. وسائل الشيعة: 27/ 232
[13] قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن المجلد 2، 2/ 340 - 341: اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه، خلافاً لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة، حيث قالوا: إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مئتي درهم ولا يفسق بدون ذلك؛ وخلافاً لابن الجبائي حيث قال: إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها؛ وخلافاً لابن الهذيل حيث قال: يفسق بأخذ خمسة دراهم، وخلافاً لبعض قدرية البصرة، حيث قال يفسق بأخذ درهم فما فوق ولا يفسق بما دون ذلك.
[14] الجامع لأحكام القرآن المجلد 1 ، 2/ 315 - 317. قال القرطبي: وروى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون الخَن بِحُجّته من بعض فاقضي له على نحو ما أسمع، فَمَن قطعتُ له من حق أخيه شَيْئاً فَلا يَأخُذه فإنها أقطع له قطعة من نار - في رواية - فليحملها أو يذرها». وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء، وهو نَص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يُغير حكم الباطن. وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج، إلا ما حُكي عن أبي حنيفة في الفُروج، وزعم أنه لو شهد شاهداً زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعد التهما عنده فإنّ فرجها يحل لمتزوجها - تمن يعلم أن القضية باطل - بعد العدة، وكذلك لو تزوّجها أحد الشاهدين جاز عنده؛ لأنه ما حلت للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء؛ لأن قضاء القاضي قطع عصمتها، وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعاً، ولولا ذلك ما حلّت للأزواج. واحتج بحكم اللعان وقال: معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما، فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه السلام: «فَمَن قطعتُ له مِن حق أخيه شيئاً فَلا يَأخُذه» الحديث.