يتلخص انطباع بعض مفسري أهل السنة عن الاية المذكورة: أولا: إن من شروط الاعتكاف هو اقامة في المسجد وعدم جواز ذلك في مكان آخر غيره. وثانيا: إن الاعتكاف لا يختص بمسجد معين دون آخر[1]، لأن كلمة (الْمَسَاجِدِ) جمع دخل عليه الالف واللام (ال التعريف) ليشير الى عموم المساجد.
لكن الانطباعات المذكورة والتصورات المطروحة ليست كاملة لأن الاية الشريفة لا تقصد بيان مكان الاعتكاف واشتراط اقامته في المسجد فهي لا تقول سوى: إذا كنتم معتكفين في المساجد فلا تباشروا نساءكم وأما اشتراط المسجد أو عدمه فلا بد من استنباطه من روايات المعصومين عليهم السلام. هذا وقد أجاز البعض الاعتكاف في أي مكان آخر غير المساجد وأحل الجماع في هذه الحالة[2]، في حين أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد أما حرمة الجماع فبسبب الاعتكاف نفسه ولهذا إذا خرج المعتكف من المسجد في حالة الضرورة فإنه لا يحق له الجماع.
يقول الشيخ الطوسي وأمين الاسلام الطبرسي قدس سرهما: والاعتكاف لا يصح عندما إلا في أحد المساجد الأربعة: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ ومسجد الكوفة ومسجد البصرة وعند سائر الفقهاء يجوز في سائر المساجد إلا أن مالكا قال: إنه يختص بالجامع[3].
وهذا ما صرح به أيضا أبو الفتوح الرازي معللا ذلك بقوله أن النبي ﷺ أو الامام المعصوم عليه السلام كانا قد أقاما صلاة الجماعة يوم الجمعة في المساجد المذكورة[4]، لكن عبارته التي تشير الى اتفاق علماء الامامية على ذلك غير صحيحة لأن فقهاء الامامية ينقسمون الى فريقين حول ذلك فمنهم من قال بوجوب أن يكون الاعتكاف في أحد المساجد الاربعة المذكورة[5]، ومنهم من أضاف اليها مسجد المدائن كذلك فيما أجاز البعض الاخر الاعتكاف في أي مسجد تقام فيه صلاة الجماعة[6].
ووفقا للروايات التي استند اليها بعض المحققين وأفتوا بموجبها ومنهم صاحب الجواهر قدس سره فإن مكان الاعتكاف ليس محصورا بالمساجد الاربعة المذكورة بل يمكنه أن ينعقد في أي مسجد جامع تقام فيه صلاة الجماعة بشكل صحيح[7] وسوف نشير الى تلك الروايات في البحث الروائي إن شاء الله تعالى ولا يخفى أن الاعتكاف في المساجد الاربعة المذكورة هو أفضل على أية حال.
والاصل هو اعتبار الوقت والزمان في الاعتكاف لكن الفقهاء المسلمين اختلفوا في مقدار ذلك الوقت وطوله فمنهم من لم يعترف بأصل الزمان في الاعتكاف أساسا ولكن لما كان الاعتكاف بطبيعة الحال هو عمل عبادي وأنه لا يمكن لأي عمل خارجي لموجود متزمن كالإنسان مثلا أن يكون إلا في إطار الزمن فلا بد إذا من أن يكون للاعتكاف وقت وزمن معينين ويصب في هذا الاطار ما قاله الشافعي من صحة الاعتكاف ول وكان لمدة ساعة واحدة فقط (أي فترة قصيرة[8])، وعلى هذا فلا اعتبار للصوم في حال الاعتكاف.
ومنهم من أقر بأصل الزمان في الاعتكاف وقالوا بكفاية أن يكون يوما وليلة وهو ما ذكر مالك وأبو حنيفة[9]، وأصل الزمان معتبر لدى فقهاء الامامية وأقله ثلاثة أيام[10].
ويشترط الصيام لصحة الاعتكاف ففي الاوقات التي يحرم فيها الصوم كعيد الفطر وعيد الاضحى لا يصح الاعتكاف[11]، ويستحب كثيرا الاعتكاف في شهر رمضان المبارك وخاصة في العشر الأواخر منه[12].
[1] تفسير الكشاف 1 / 232؛ الجامع لأحكام القرآن المجلد 1 ، 2/ 310 - 311. قال الزمخشري في تفسيره الكشاف والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه... وعن قتادة: كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته، ثُم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك. وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد. وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبي وهو أحد المساجد الثلاثة. وقيل: في مسجد جامع، والعامــة عـلى أنه في مسجد جماعة».
[2] رحمة من الرحمن: 1 / 274 .
[3] مجمع البيان: 1 - 2 / 505؛ التبيان: 2 / 135 مع بعض الاختلاف في العبارات. قال الشيخ الطوسي قدس سره: (وعندنا لا يكون أي الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام وبه قال أهل المدينة؛ وقــال أهل العراق: الاعتكاف جائز به کل مسجد يُصلّى فيه جماعة، وقال مالك: لا اعتكاف إلا في موضع يُصَلّى فيه الجمعة من المصر. وقال أهل العراق المرأة تعتكف في مسجد بيتها؛ وقال مالك: لا تعتكف إلا في مسجد جماعة؛ وقال الشافعي: المرأة والعبد يعتكفان وكذلك المسافر حيث شاؤوا، وقد بينا ما عندنا في ذلك ولا فرق بين الرجل والمرأة فيه. وقال مالك: لا يكون الاعتكاف أقل من عشرة أيام وعند أهل العراق يكون يوماً. ومسائل الاعتكاف قد بيناها في النهاية والمبسوط في الفقه، لا نطول بذكرها، والاختلاف فيها ذكرناه في مسائل الخلاف).
[5] كتاب الخلاف: 12 / 227. قال الشيخ الطوسي قدس سره مسألة :91 لا ينعقد الاعتكاف لأحد - رجلاً كان أو امرأة - إلا في المساجد الأربعة التي هي: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة. وقال الشافعي في الجديد: لا ينعقد اعتكاف المرأة إلا في المسجد، وقال في القديم والجديد معاً: بكره لها أن تعتكف في غير مسجد تبتها، وهو الموضع المنفرد في المنازل للصلاة؛ وبه قال أبو حنيفة (الفتاوى الهندية: 1 / 211؛ وفتاوی قاضي خان: 1 / 221، وتبيين الحقائق: 1 / 350 ، والمبسوط: 3 / 119 ، والنتف 1 / 161 ، واللباب: 1 / 175 ، والهداية: 1 / 132 ، والمجموع: 6 / 484 ، وشرح فتح القدير: 2 / 109 ، وشرح العناية: 2 / 109 ، وبداية المجتهد: 1 / 303 ، والمغني لابن قدامة: 3 / 129)؛ دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا فلا خلاف أنّ في المواضع التي ادّعيناها ينعقد الاعتكاف وإن خالفوا في كراهته لها، ولم يدل دليل على انعقاده في المواضع التي قالوها، فَوَجَب لذلك (نَفْيها).
[6] جواهر الکلام: 17 / 170 - 173 .
[7] المصدر السابق: 7 / 173
[8] الجامع لأحكام القرآن المجلد 1 ، 2 / 311. قال القرطبي: قال الشافعي: أقله (أي الاعتكاف لحظة ولا حد لأكثره).
[9] المصدر السابق. قال القرطبي: وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة، فإن قال: الله علي اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم ، وكذلك إن نَذَرَ اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة.
[10] جواهر الكلام: 17 / 166 - 167.
[12] المصدر السابق: 160 - 161.