ترك لنا نيوتن أداةً رائعة للتنبؤ بالمستقبل، وهي المعادلات التفاضلية باستخدام الأعداد التي تصف التكوين الحالي لنظامٍ ديناميكي كشروطٍ ابتدائية لحل المعادلة، يمكننا من خلال الحل استخراج توقعات لحالة النظام في أي وقت من الأوقات. ولكن للأسف، ظهر في القرن العشرين أن هذا النهج غالبًا ما يكون غير فعَّال. تكمن المشكلة في أن سلوك الحل يمكن أن يكون «شديد» الحساسية للشروط الابتدائية. اكتشف هنري بوانكاريه، ابن عم الرجل الذي قاد فرنسا خلال معظم الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، هذه المشكلة في بداية القرن العشرين، ولكن لم تتضح أبعادها إلا في ستينيات القرن العشرين؛ إذ أصبح من الممكن حل المعادلات التفاضلية للأنظمة الديناميكية العامة باستخدام أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية. يوفر النظام الشمسي مثالًا واضحًا ومذهلًا في الآن نفسه لهذه الظاهرة.
يمكن بسهولة كتابة المعادلات التفاضلية التي تحكم حركة الكواكب، كما أن الملاحظات الفلكية توفر شروطها الابتدائية بدقة عالية. ولكن هذه الدقة لا تتيح لنا التنبؤ بتكوين الكواكب إلا لنحو 40مليون سنة في المستقبل؛ وإذا تعدَّلَت الشروط الابتدائية ضمن حدود عدم اليقين في الملاحظات، فإن التنبؤات للفترات الزمنية بين 50و60 مليون سنة لاحقة تختلف اختلافًا كبيرًا. للحصول على توقعات تمتد حتى 60 مليون سنة بالدقة نفسها التي حصلنا عليها لتوقعات تمتد حتى 40 مليون سنة، نحتاج إلى شروط ابتدائية أكثر دقة بمقدار 100مرة، على سبيل المثال يجب معرفة المواقع الحالية للكواكب بهامش خطأ لا يتجاوز 15 مترًا. وإذا أردنا دقة مماثلة تمتد حتى 60,15 مليون سنة، فعلينا معرفة مواقع الكواكب الحالية بهامش خطأ لا يتجاوز 15 مليمترًا. نحن هنا نواجه حدودًا صارمة لمعرفتنا؛ فمن غير المتصور أن نتمكن يومًا من تحديد التكوين الحالي للنظام الشمسي بدقة كافية تسمح لنا بالتنبؤ بمواقع الكواكب لأكثر من نحو 60 مليون سنة في المستقبل. وهذا يمثل جزءًا ضئيلًا ومخيبًا للآمال من العمر الإجمالي للنظام الشمسي، الذي يبلغ 4600 مليون سنة.
في ظل هذه الظروف، كل ما يمكننا فعله هو استخدام المعادلات التفاضلية لحساب التكوينات الأكثر احتمالًا في المستقبل. ونفعل ذلك عَبْر أخذ عيناتٍ عشوائية من التكوينات الحالية التي تتفق مع البيانات الرصدية، ثم نحسب الحل المقابل لكل تكوينٍ مأخوذ لنتمكن من التنبؤ بمواقع الكواكب في كل حالة. التكوينات المستقبلية الأكثر احتمالًا هي تلك التي يمكن الوصول إليها عَبْر العديد من التكوينات الحالية المأخوذة كعيِّنات.
إحدى السمات المهمة لحلول المعادلات التفاضلية للنظام الشمسي هي أنه بعد تأرجح متغير معيَّن — مثل الاختلاف المركزي لعطارد — ضمن نطاقٍ ضيق لملايين السنين، فإنه يتحول فجأة إلى مدًى مختلف تمامًا. يعكس هذا السلوك أهمية الرنين في ديناميكا النظام؛ فعند نقطةٍ زمنية معيَّنة، تتحقق حالة رنينية تؤدي إلى تغيير تدفق الطاقة داخل النظام؛ إذ يمكن لاضطرابٍ صغير أن يتراكم على مدى آلاف أو ملايين الدورات ليؤدي إلى تأثيرٍ كبير. إذا بدأنا التكاملات من تكوين يختلف ولو قليلًا عن التكوين السابق، فقد لا تتحقق الحالة الرنينية، أو قد تتحقق في وقتٍ أبكر أو لاحق، مما يؤدي إلى حلولٍ مختلفة تمامًا.
تكمن أهمية الرنين في أنه يجعل سلوك النظام حساسًا للغاية حتى لأدق التفاصيل في القوانين الفيزيائية. في الفصل السادس، سنتناول نظرية النسبية لأينشتاين، ونناقش بعض تطبيقاتها الفلكية. لكننا هنا نشير إلى أن أهمية النسبية تُحدَّد بواسطة النسبة ، حيث v2/c2 وvهي السرعة النموذجية وcهي سرعة الضوء. بالنسبة إلى الأرض، تبلغ هذه النسبة نحو8-10 وهي نسبةٌ صغيرة جدًّا، وحتى بالنسبة إلى عطارد فهي أكبر بنحو 2.5 مرة فقط. ولكن ثمَّة تجربة أجراها جاك لاسكار ومايكل جاستينو تشير إلى أننا ربما لم نكن لنُوجَد في هذا الكون لولا التأثير الطفيف الذي تُحدثه تصحيحات أينشتاين على معادلات نيوتن للنظام الشمسي.
أجرى لاسكار وجاستينو محاكاة لتطور النظام الشمسي من تكوينه الحالي باستخدام مجموعتَين من الحلول. في كل مجموعة، استخدما تكويناتٍ متوافقة مع أفضل البيانات الرصدية المتاحة كشرطٍ ابتدائي للحل. وقدَّرا مجموعةً من الحلول تمتد إلى خمسة مليارات سنة في المستقبل باستخدام نظرية نيوتن وحدها، بينما استخدما في المجموعة الأخرى تصحيحات أينشتاين الطفيفة. وقد وُجِد أنه عند إدراج تصحيحات أينشتاين، كان الاختلاف المركزي لعطارد أكبر من 0.7 في واحد في المائة فقط من الحلول، بينما في غياب هذه التصحيحات، كان هناك حل واحد فقط من بين 2500 حل أبقى عطارد في مدار باختلافٍ مركزي أقل من 0.7. إذا وصل عطارد إلى اختلاف مركزي أكبر من 0.7 ، فإن العواقب على الأرض ستكون كارثية؛ إذ سرعان ما يؤدي الاختلاف المركزي لعطارد إلى زيادة الاختلاف المركزي للزهرة، مما يؤدي إلى زيادة الاختلاف المركزي للأرض، الذي بدوره يؤدي إلى زيادة الاختلاف المركزي للمريخ. وتترتب على ذلك تداعياتٌ هائلة؛ فمن بين الحلول البالغ عددها 2500 للمعادلات النيوتنية غير المصحَّحة، اصطدم عطارد بالزهرة في 87 حالة، واصطدم بالأرض في 34 حالة. وحتى في الحالات التي لا تصطدم فيها الكواكب الداخلية ببعضها، فإنها إما تسقط في اتجاه الشمس أو تُقذف خارج النظام الشمسي تمامًا.
يبدو إذن أننا نعيش على حافة الهاوية، ولولا تصحيحات أينشتاين الطفيفة للغاية على معادلات نيوتن، لما كان كوكب الأرض على الأرجح قادرًا على توفير الملاذ لنا. وحتى مع تصحيحات أينشتاين، فإن استقرار كوكبنا غير مضمون إلا لفترة لا تتجاوز تقريبًا 80 مليون سنة في المستقبل. على الرغم من ذلك، وبفضل النسبية العامة، فإن احتمال بقاء كوكب الأرض مرتفعٌ جدًّا حتى تبتلعه الشمس المتضخمة بعد حوالي أربعة مليارات سنة.
تجعل تصحيحات أينشتاين الحياة ممكنة من خلال تعطيل رنين ضعيف بين المشتري وعطارد. ونظرًا لضعف هذا الرنين، فإنه لا يؤثِّر على النظام إلا في ظل ظروف محدَّدة للغاية. وتصحيحات أينشتاين تجعل من الصعب تحقق هذه الظروف.