رواية عبد الخالق الركابي
وقفة تحليلية:
على الرغم من أن هذ الرواية قد أرخت لبداية العدوان الإيراني على العراق يوم بدأ بقصفه القرى الحدودية قصفا همجيا فافتتحت قسمها الأول به واسدلت آخر صفحة في قسمها الثالث عليه فإنها ليست رواية تسجيلية. وثائقية. وانما هي رواية فنية عالجت موضوعة الحرب معالجة غير مباشرة من خلال تقديمها لعوالمها على نحو لا يبدو فيه اي تكلف أو قسر. فضلا عن أنها لم تكن لتشدد على معركة بعينها بقدر ما كانت تريد أن تشدّد على قضية الصراع بين الخير والشر في الجانب الفردي والجماعي والدولي على وفق رؤية تنم عن حصافة في أغلب طروحاتها التي حملتها إلينا شخصياتها المحورية واتزان لا يقل عن تلك الحصافة. وتكثيفا لما نريد قوله في تحليل هذه الرواية رأينا أن تكون الزوايا التحليلية مقتصرة على المحاور الآتية:
1) الشكل والموضوع والحبكة
2) الشخصيات
3) الزمن
4) البناء الفني
5) ما على الرواية
منطلقين من خلالها الى المحاور الأخرى. لأن الحديث عن محاور معينة من غير أن تتداخل بامور هي من تفريعات محاور اخرى يعد ضربا من الادعاء. ففي كل محور يمكن للقارئ أن يجد ما يخص اخرى. كما أن القطيعة بين المحاور المتخذة زوايا لا يمكن أن تقع على وفق هذه الرؤية فان وجد القارئ اختصاراً في العنوانات فليس معنى ذلك إهمالا لغيرها لأنه سيقف عليها متداخلة على وجه من التكثيف. علما أن هذه المحاور قد لا تستطيع أن تخدم القارئ الخدمة المطلوبة اذا كان يعتمد عليها أولا وأخيرا في الاكتشاف من غير أن يسهم هو أيضا في القراءة الواعية للنص على أفضل الوجوه
الشكل والموضوع والحبكة:
يعد الشكل في الانواع الأدبية غاية في الاهمية وهو يقدم مضمون النص بأخيلته. وعواطفه وحالات أبطاله النفسية. وأفكاره وغير ذلك. فاذا وفق المبدع في تقديم النص تقديما فنيا ناضجا جودة. وجدة كان اسلوبه اسلوبا يرقى الى التفرد، ويحمل علامات تميزه من غيره مؤشرا حالة جعل الشكل متوحدا بالمضمون على نحو ينسى فيه القارئ التفريعات الاسلوبية. أو التجزيئية المفروضة على النص عند التحليل التطبيقي. ومن يمعن النظر في مكابدات عبد الله العاشق مقرونا بظروف رؤيتها الى النور قياسا على ما صدر آنذاك من روايات عن المعركة يكتشف دور شكلها المتميز في نجاح موضوعها. وما طرحته من أفكار إنسانية. فهي تقوم على اسلوب التقطيع المعمول به في السينما وهو ما يسمى بالمصطلح السينمائي السيناريو ويبدو أن المؤلف كان واقعا تحت هذا التأثير بشغف لا يخلو من اصرار حتى في الصور المعهودة للأحداث الكبيرة. أما موضوعها فهو موضوع واقعي استمد من حياتنا المعاصرة وليس في ذلك أي اعتراض لأن نجاح أي عمل ابداعي يقترن بما يغترفه من المنبع الأثير له. وهو الحياة على أن تكون حبكة الأحداث حبكة مثيرة غير مخلخلة. تؤدي الى جمل موضوعها الواقعي يشع بأبعاد أخرى تصل حد التفسير الرمزي. وتجعل ما كان فرد یا خاصا يؤول إلى جماعي عام. يطلبه وصمد فموضوع استشهاد (عبد الله) وإن كان في حقيقته موضوعاً فردياً لم يكن في الحسبان. إلا أن ما آل إليه الاستشهاد من معنى أدى الى تحول الثأر من ثأر فردي الى ثار جماعي (1) يطلبه الشعب جميعة متمثلاً بخروج الفلاحين الى ساحة القتال / الثأر للاقتصاص من المعتدين. وهذا بعينه ما أراده القاص والمجتمع وما يجب أن يكون عليه الابداع الفني نتيجة. ولم يكن هذا الخروج للثأر من غير تصميم فني في فكر الروائي - وإن بدا عفويا - وانما كان خروجا مدروسا بحذق. فموضوع الثأر الذي حملته الحكاية الشعبية على لسان (عبد الله) وأوصلته الى (صمد) كان البداءة التي هيأت للثأر الذي كانت تهدف إليه الرواية. إذ تحول التصميم الفردي على طلب الثأر عند (العراف) الى تصميم جماعي عند أهل القرية متمثلا بتصميم (صمد) الممثل للجيل الذي سيرة العدوان. وهذا التحول دخل الى الرواية من خارجها. أو هو حدث خارجي في الرواية مكنه الروائي من أن يكون داخليا ومثل هذا الدخول لن يكون بغير تصميم. أما الحبكة فنقصد بها الأحداث التي ترتبط فيما بينها بازمنة معينة تؤدي أخيراً الى نتيجة يبشر بها النص. سواء أكانت خيرا أم شرا.
وقد عرفها معجم مصطلحات الادب بأنها تسلسل الحوادث الذي يؤدي الى نتيجة في القصة ويكون ذلك اما مرتبا على الصراع الوجداني بين الشخصيات أو تأثير الأحداث الخارجة عن إرادتها ... وعلى وفق هذا فإن وحدة الحبكة في نظر ارسطو نتيجة لعلاقة الضرورة والسببية بين الاحداث. (2)
وعلى وفق هذا التعريف نخرج بالنتيجة الآتية: إن الرواية ان كانت تعنى بتطور الشخصيات عاطفيا وفكريا عبر الأحداث. فانها تعد رواية تحليلية يقوم الصراع الوجداني بين الشخصيات من جهة. والصراع النفسي لكل شخصية نامية من جهة اخرى بترتيب نهاية الحبكة أو النتيجة. أما إذا كانت الرواية رواية احداث لا تعنى بالتطور العاطفي لشخصياتها لكونها غير نامية. فانها تعد رواية حبكة. وعندها فإن الأحداث هي التي تقود أخيرا إلى النتيجة التي تقدمها الرواية. ورواية مكابدات عبد الله العاشق هي من النوع الثاني. لذلك فان التطبيق لن يقف هنا ليعنى بالصراع الوجداني بين الشخصيات لكونه كان بسيطا. فضلا عن أن الرواية ليست تحليلية لقيامها على أحداث معينة من غير أن يكون لنفسيات شخصياتها الأثر الكبير في الاحداث. ولعل وضوح الأحداث. يجعل الدارس قادرا على تقييم الحبكة معياريا.
الشخصيات:
ويكاد ينعقد من العناصر المهمة في العمل القصصي عنصر الشخصية.
الاجماع على أن الشخصية تشكل نقطة الارتكاز في أي عمل ناجح لأسباب عديدة منها: أنها تمثل حيوات بعض الناس الذين نمثل نحن جزءا منهم ... وأنها هي التي تقوم بتحريك الأحداث وتصاعدها .... وأنها تقود الصراع ... وأنها تنمي الحبكة ... وغير ذلك. فضلا عن أن الوقوف على أنواعها في العمل الفني يسهم في معرفة أسرار النص ودقائقه وصولا الى حكم نقدي سليم. والشخصية كما عرفنا تنقسم قسمين: شخصية مسطحة وشخصية نامية تكون المسطحة عادية ثابتة لا تنمو مع الاحداث يفهمها القارئ بمجرد تعرفها. من غير أي جهد يذكر. بينما تكون - النامية متحركة. لا تكشف عن ابعادها بسهولة وتحتاج الى قراءة واعية لفهمها أو سبر غور نفسيتها ومراقبتها عبر العمل الفني كله لكونها لا تكتمل بناء عند المتلقي الا بعد أن يكون القارئ قد أكمل فهمها استقراء. ومع أن شخصيات مكابدات عبد الله العاشق ليست كثيرة. إلا أن المحورية منها ليست معقدة. (أونامية) وانما هي شخصيات عادية. أو واقعية. تختلف عن بعضها سلوكيا. (وإن اكتنف سلوك بعض منها ما ينم عن شذوذ نفسي) وهذا أمر طبيعي في بناء الشخصيات. بل هو أمر ضروري لتمييز الشخصيات عن بعضها بعضاً في البناء النفسي والافكار والحوار وردود الافعال. وغير ذلك. لكن البطل الذي تشدد عليه الرواية أو الانموذج الذي تمحورت حوله الأحداث اختلف عن بقية الشخصيات اختلافا بينا في السلوك. والعواطف والأخيلة. والأفكار فعبد الله العاشق فيه كل صفات الفارس: رباطة جأش. وشجاعة نادرة. ورفض للظلم وتحد للقهر. واقدام. وإباء وعقة وما الى ذلك. ولما كانت هذه الشخصية تعيش في مجتمع ريفي قروي يقع على الحدود. العراقية فان مثل هذا المكان لن يكون مناسباً كما يظن الشخصية نامية معقدة. بحكم النشأة والموقع والمناخ. وانعدام كل ما يمت الى الثقافة برابطة نسب. أو وشيجة. بفعل الهيمنة التي فرضها ابو الليل - على الفلا من. ومن ثم الشيخ - نصيف ابنه الذي فاقه ظلما وجبروتا وتسلطا.
وإذا كان عبد الله العاشق فارسا عنيدا مثل تاريخهم المشرق منذ اليوم الذي بصق فيه في وجه (السيرجنت) الانكليزي وتحدى الشيخ (نصيف) وأذل السركال (بشار) فجعله قعيد بيته الى الابد (3) فان الشيخ (نصيف) مثل حالات العقم في تاريخهم ذاك إذ لم تمنعه المشيخة والجاه من الاتجار بالممنوعات. وتهريبها عبر الحدود. فضلا عن تقديمه يد العون والمساعدة للمستعمر الانكليزي المحتل. ولقاء عمله ذاك حصل على المئات من بنادق (لي انفليد) و (الموزر) بثمن التراب. وشرع بتهريبها عبر الحدود وترسخ نفوذه تماما. وبدأ الانكليز بالاعتماد عليه فساعدوه بترميم القلعة واعادة تجديد بناء المضيف. حيث شرعت دقات هاونه تتابع على امتداد السهب داعية الفلاحين لتذوق قهوته المرة: (4). أما (بشار) فقد كان رمزا للقوة المغتصبة التي يعتمد عليها الشر في سيادته القرية. كما أن الفعل الذي قام به تجاه (نرجس) يمثل تدنيسا لا يمكن السكوت عليه. لأن السكوت عليه يعني الاعتراف بالجريمة وتجرعها. وبذلك يؤدي هذا الى تخصيب للتدنيس. لذلك كان تعطيل الاخصاب في (بشار) رمزا للثأر المشروع من الغاصب الغدار ... ووسط تلك الفوضى التي اجتاحته من كل جانب تناهى لسمعه صليل معدني ضمن أن مصدره خنجر أخرج من قرابه فخفق قلبه في صدره بعنف كأنه أوشك على الانفجار ومرة اخرى ناضل للخلاص وقد درك برعب لا يوصف ما هم مقدمون عليه فحاول اطباق ساقيه. لكن اليدين الممسكتين بهما زادتا من فتحهما. ولسعته برودة معدنية مقيتة ما بين فخذيه. فقف شعر جسده بكامله قبل أن تفاجئه طعنة مريعة جعلته يتخيل أن السماء انطبقت على الارض. وتدفق سائل ساخن أسفل بطنه. ولحظة أوشك أن يفقد وعيه سمع همسا راجفا يتردد قرب اذنه. ذلك من أجل نرجس (5) أما شخصية السيد صيهود فقد بيت مثالاً واحداً لذنب من الاذناب العميلة التي كان المستعمر الانكليزي يبثها بين صفوف الفلاحين البسطاء تحقيقا لأهدافه في السيطرة. وابتزاز خيرات البلاد. وتفرقة الصفوف وترويج الدعايات المغرضة. وتقديم الخدمات المناسبة في الاوقات المحددة ... انها بتعبير أدق الشخصية التي تهيؤها مخابرات المستعمر لتكون وسيلتها الى الجاسوسية. متخذة من التظاهر الديني طريقاً للوصول الى هدفها الذي يحرمه الدين وقيم السماء والارض. وقد نجح الروائي في وصف هذه الشخصية، وتوضيح ذيليتها من غير أن يفسد على القارئ متعة الكشف لأنها كانت مكشوفة وهي تبث الدعاية للعمل عند الانكليز. كان رجلا وسيما. اسمر اللون. له عينان حادتان. ولحية صغيرة جعداء تنمو على ذقنه مضفية عليه مظهر غجري عندما تفتر شفتاه المكتنزتان عن ابتسامة مرحة تسطع اسنانه الذهبية ملء فمه بوهج يخطف الابصار. كان يعتمر خرقة سوداء يلفها حول رأسه كيفما اتفق ويشد وسطه بقطعة قماش أخضر دلالة كونه (سليل بيت النبوة) - كما كان يقول - يشفع تأكيده ذاك بأن يخرج من طية حزامه ورقة متهرئة ملفوفة بشكل أسطواني مغلفة بجلد غزال. وكانت عند نشرها ذات طول مفرط عليها كتابات متشابكة.. تلك هي (شجرة النسب) التي كان (السيد) يعتز بها ويبالغ بالحرص عليها ... والشيء الذي ثبت في النهاية أنه لم يكن (سليل بيت النبوة) بل انه كان يشيع ذلك الادعاء زوراً مستثمراً احترام الفلاحين لتلك الفئة. كما وأن الانكليز هم الذين زودوه بتلك الورقة لأجل تغطية الغرض الحقيقي من تنقلاته بين العشائر (6) أما الشخصيات الأخرى مثل: (رمضان) و (موسى) و (عبد الزهرة) و (صمد) و (خلف) و (ناظم الاسود) وغيرهم فلعل الدارس قادر بسهولة على معرفة دورها في الاحداث فهي وان شكلت بعض جزيئات الحبكة إلا أنها تعد ثانوية في البناء والأثر. وما ينعكس منها على الآخرين.
الزمن:
للزمن أهمية خطيرة في الابداع الأدبي. وقد تنبه الى ذلك عدد من نقادنا المعاصرين. ونبه اليه. لكن نازك الملائكة دعت سنة 1951م إلى الالتفات الى هذا البعد الجديد. واستثماره في الأعمال الأدبية حين وجدت أن نظرية الابعاد الثلاثة للأشياء أصبحت تعد من مخلفات العصور السالفة. (7) فهذه النظرية كانت ترى أن الاشياء تمتلك ثلاثة أبعاد: الطول. والعرض. والارتفاع. ولم تكن تلتفت الى البعد الرابع، حتى جاء اينيشتاين فبدأ الزمن يتحول الى بعد رابع له امتداده. وعمقه. وقيمته الكبيرة مثل أي بعد من الابعاد الاخرى (8) وتوضيحا للفكرة من أن الزمن ما عاد فراغا وهميا من ابتداع الانسان وانما هو بعد رابع للأشياء له قيمته وأثره وخطورته قالت نازك الملائكة: إن هذا الكرسي في هذه اللحظة من الزمن يملك ثلاثة أبعاد. كما تملك الصورة الواحدة المقتطعة من شريط سينمائي جمودا ذا بعدين. ونستطيع ان نضيف الى الكرسي بعده الرابع حين تكون صورتنا له جامعة للحظاته الزمانية كلها منذ صنعه. فإذا ذاك تكون مجموعة التغيرات التي اعترته هي الزمن. وهي تقابل حركة الشريط السينمائي التي تكسب الصورة المنفردة حركة رائعة فنراها تبتسم وتتحرك وتفكر (9) ولما كان الزمن واحداً من العناصر الاساسية في البناء القصصي عامة نجد نجاح أي أثر ابداعي مرهونا بطريقة الكاتب في معالجته وكيفية ربطه بالأحداث لتقديم الحبكة بثقل فاعل، واقتدار في التصاعد وصولا الى الذروة. وإذا اتفقنا على أن لا ابداع في الفن القصصي من غير زمن فاننا لا بد أن نتفق على أن لازمن متفق عليه بالاهمية. بمعنى أن الزمن مختلف فيه طريقة. واختيارا عند المبدعين. فقد يتخذ أحدهم من الزمن العادي الذي يبدأ من نقطة معينة وينتهي في اخرى مجالا لا بداعه فيرسم أحداث أثره على شريطه تدريجيا. وصولا الى الذروة فيه كما في القصص التي ترسم مرحلة واحدة من مراحل انسان أو حدث. او كما في الروايات التي تعنى برسم الأحداث التاريخية. أو الشخصيات التي تمر بتلك الأحداث. وقد يتخذ آخر من الزمن المتخيل الذي يبدعه خياله مجالا لا بداعه لذلك لابد من معرفة نوع الزمن. أو طريقة الكاتب في اختياره لتسهيل مهمة تحليل النص والحكم عليه أخيرا. أما زمن المكابدات فقد عولج من مستويين فعلى الرغم من أن زمن الأحداث كان واقعيا. إلا أن تقديمه لم يكن كذلك. فقد بدأه الكاتب من نهاية الاحداث. فقدم لنا في القسم الأول فجيعة القرية وهي تودع جثمان ابنها البار (عبد الله) الى مثواه الأخير شهيداً من شهداء القصف الهمجي الذي كانت إيران تمهد به قبل شنها العدوان على العراق في الرابع من ايلول سنة 1980 م. وهذه البداءة هي عينها نهاية الرواية. وهذا معناه أن الروائي سيعتمد على التداخل الزمني في تقديم الأحداث. وصولا لاستكمال الحبكة التي كان قد وضع تصميماته البنائية لها.
البناء الفني:
في هذه الرواية اعتمد المؤلف على عدة أساليب فنية في بنائها العام كان منها
اسلوب السرد الذي طغى على بقية الأساليب على نحو واضح فمرة يقود الراوية /
المؤلف السرد فتأتي الصور والأحداث، والحبكة الثانوية على لسانه. (وهو الأعم
الاشمل) وفي الأخرى يكون السرد على لسان شخصية من الشخصيات الرئيسية.
(وهو الأقل اعتمادا). كما أن الروائي استخدم اسلوب المناجاة النفسية في حالات
عديدة وهو ما اصطلح عليه بـ المونولوج الدرامي.. فضلا عن التداعي الحر
الذي لون بعض حالات المناجاة النفسية واحكم ربطها. أما اسلوب الارتجاع الفني
الفلاش باك فان اعتماد المؤلف عليه كان في حالات قليلة ومع ذلك فان تلك
الحالات التي تم استرجاعها أكثر اثارة في تصويرها من غيرها. ولعل استرجاع
(بشار) لليلته المفزعة (10) واسترجاع (صمد) الحكاية أبيه عن (العراف) (11) خير
ما يمثل تلك الحالات.
ولن يعدم الدارس للرواية أساليب فنية اخرى. كالحوار والتقابل الزمني وما الى ذلك وهذا يدلل على أن الكاتب استعان بكل الأساليب الفنية لتوصيل روايته الى القارئ ما على الرواية: ما تقدم كان ما للرواية وهو حق في ذمة النقد المنصف. أما ما على الرواية فهو حق النقد على الأثر الابداعي وفيما يأتي بعض ما لدينا من ملاحظات:
1- ان تقسيم الرواية ثلاثة أقسام غير مبرر فنيا فضلا عن أن الاقسام لم تراع القسمة العقلية فالأول يتكون من احدى وثلاثين صفحة. بينما الثاني يزيد على الخمسين في حين أن الثالث يقارب الأول فهو يتألف من أربع وعشرين صفحة.
2- ان الاكثار من استخدام بعض المفردات العامية يخرج المتلقي من متعته. ويجعله يفكر بأشياء هو في غنى عنها مثل (يقوقئ) (12) و (قرقر) (13) و (بقيقة) (14) و (مطرطشة) (15) و (طبطبة) (16) وغيرها.
3 - لم يبين المؤلف كيف ارتضى الشيخ (نصيف) أن يكون (ناظم الاسود) ساقيا لقهوته في المضيف. لأن مثل هذا الاختيار يدلل على أن في الشيخ انسانية لا همجية ومثل ذلك نقص في البناء.
4- لم يرسم الروائي الصراع النفسي لشخصية (عبد الله) وهو يقرر اختيار (نرجس) زوجا له. فمثل هذا القرار لا يمكن أن يمر من غير تردد نفسي. وقلق معاش وحيرة مشروعة. أما الاكتفاء بالجانب الانساني فقط بعيدا عن أثر العادات، والاعراف والتقاليد التي عليها الناس يسبب فجوة في المعمل الا بداعي لا بد من تلافيه ...
5- لم تقنعنا الرواية بما قدمته عن غياب (عبد الله) عن القرية وهو هارب من مطاردة رجال الشيخ (نصيف) بعد تلك الليلة التي اقتص فيها من (بشار) فظلت أيام هربه واختفائه. ومكان تلك الأيام سرا من الأسرار التي لا داعي لها.
ختاما فإن ما على الرواية قليل ولا يشكل قدحا فيها لأن مالها كثير جدا.
_______________
(1) صبري مسلم. تجربة الحرب في روايتين، جريدة الثورة بغداد في 18 / 1 / 1986
(2) مجدي وهبة معجم مصطلحات الأدب 259 - 411.
(3) عبد الخالق الركابي مكابدات عبد الله العاشق منشورات وزارة الثقافة والاعلام، الجمهورية العراقية 1982 م .....
(4) الرواية. 16
(5) الرواية. 88
(6) الرواية 48.
(7) نازك الملائكة الناقدة. 250
(8) بنظر نازك الملائكة الابعاد الاربعة في الأدب. مجلة - الكتاب القاهرة ج 3 مارس 1951 م. 364 - 318
(9) الابعاد الاربعة. 314.
(10) الرواية 56.
(11) الرواية 96 وما بعدها.
(12) الرواية 28، 90.
(13) الرواية 62 82
(14) الرواية 65.
(15) الرواية 71، 73
(16) الرواية 87