العزيمة والرخصة في القصاص
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص166-167
2026-06-10
20
يعتبر الحكم الصادر بموجب الاية الشريفة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) حكما الزاميا لكن بالنسبة للقاتل فإن العزيمة والنسبة إزاء أولياء الدم تمثل رخصة وقد فرض على القاتل والجاني تسليم نفسه لأولياء الدم لكن هؤلاء لم يفرض عليهم القصاص ولم يلزموا به فبإمكانهم أن يعفوا أو يتصالحوا فيما بينهم على تعيين الدية لكن إذا أصر أولياء الدم على القصاص مقابل النفس أو العضو فإنهم (أي أولياء الدم) ملزمون بعدم الخروج أو تجاوز المثل أو الحد المنصوص عليه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [1]) و(الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ) لا أن يقتلوا عدة أشخاص مقابل قتيلهم الواحد كما كان يفعل في العصر الجاهلي. والدليل على أن الالزام في الحكم في قصاص العضو والنفس يكون على الجاني لا على المجني أو ولي الدم هو ذيل الاية الشريفة المذكورة: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) وقد امتاز الدين الاسلامي على اليهودية بهذه الخصوصية[2].
وأما السر في اعتبار القصاص ملزما لطرف ومرخصا لطرف الاخر فهو أن القصاص يمثل من جهة حقا ثابتا لإحدى ولذلك فباستطاعة المجني عليه أو ولي الدم التنازل عن هذا الحق بل ويستحب ذلك أيضا: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) ومن الجهة الاخرى فالقصاص هو حكم ثم هناك مقدمات لاستيفاء الحق لإجراء وتطبيق الحكم الاسلامية التحقيق في الامر وتقع مهمة تحضير الشهود والأدلة على المجتمع الاسلامي كله وينبغي على الجاني كذلك تسليم نفسه لتسهيل عملية استيفاء الحق لولي الدم أو المجني عليه. ومعنى هذا أن التكليف إما أن يكون فرديا أو جماعيا أو أن يكون نفسيا (ذاتيا) أو نسبيا بينما يعتبر الحق – لا الاباحة الصرفة نسبيا دائما فعندما يصبح شيء ما في المجتمع حقا شخصيا مشروعا حقيقيا كان أو حقوقيا فإن على البعض أن يتعاون لاستيفاء ذلك الحق ويجب على من وقع عليه الحق أداؤه وإذا لم يكن على أحد أي حق بل كان ذلك على الطبيعة فلا يجوز للآخرين الممانعة أو الحيلولة دون استيفاء الحق المذكور إذا فالحق يكون مع تكليف الاخرين دائما لكن قد يكون التكليفى شخصيا ولما كانت لدين الله تعالى حقوق على أتباعه ومعتنقيه يمكننا القول: بأن التكليف يكون دائما في مقابل حق الشيء أو الشخص الاخر أي عندما يصبح شيء ما واجبا على أي شخص في أي مسألة فإن ذلك يشير الى وجود حق للإسلام أو لشخص ما حقيقي أو حقوقي في تلك المسألة ويعتبر القصاص من هذا القبيل وكذلك حد إعدام المحارب أو المفسد في الارض في مقابل حق الاسلام أو المجتمع الاسلامي.
[2] بحار الأنوار: 22/ 449. قال العلامة المجلسي قدس سره: كاتب الأمم السالفة تجعل قربانها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمَن قُبلت ذلك منه أرسلت عليه نار فأكلته ومن لم يقبل منه رجع مشبوراً. وقد جعل الله قربان أمة نبيه محمد ﷺ في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبل ذلك منه أضعف له أضعافاً مضاعفة ومَن لم يُقبل منه رُفعت عنه عقوبات الدنيا. ومنها أن الله تعالى كَتَبَ عليهم في التوراة القصاص والدية في القتل والجراح ولم يُرخص لهم في العفو وأخذ الدية ولم يُفرق بين الخطأ والعمد في وجوب القصاص، فقال (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ثُمَّ خَفَّف عنا في ذلك فخُيّر بين القصاص والدية والعفو وفرّق بين الخطأ والعمد فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الى قوله (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة