تحالفت الدول الأربع (تشو، أو، يان، داي) واستعدَّت لغزو تشين، فدعا ملكها الوزراء جميعًا بالإضافة إلى ستِّين من الشخصيات العامة لحضور اجتماعٍ عام، وقال للجميع أثناء لقائه بهم: «تعلمون جميعًا أن الدول الأربع قد اتَّحدت تحت راية التآمُر والحرب ضدَّنا، وسط ظروفٍ بالغة الدقة والخطورة، إذ ينقصنا الكثير من الموارد المالية والبشرية، خاصة، بعد أن نزحت كثير من العائلات إلى خارج الحدود، وأريد منكم أن تُشاركوني في وضع تصوُّر لمواجهة خطر هذا الغزو الرباعي.» ولم يُجِب أحد بشيء، بل ظلوا واجِمين مُعتصمين بالصمت، إلا واحدًا من بينهم وهو الوزير «ياوجيا» [من مواطني وي، تنقَّل في البلاد واستقر في تشين] تحدث إلى الملك بقوله: «أنا على استعدادٍ أن أقوم بدورٍ فعَّال لإحباط سعي التحالف الرباعي إذا سمح جلالة الملك بإيفادي مبعوثًا رسميًّا إليهم، وسأبذل كل جهدي للحيلولة دون أي زحفٍ عسكري ضد تشين.»
وهنالك أمر الملك بتجهيز سفارة إلى التحالُف الرباعي بقيادة هذا الوزير، وزوَّده بمائة عربة عسكرية وألف وزنةٍ من الذهب، وخلع عليه خلعةً ملكية، بل قام ووضع التاج الملكيَّ بين يدَيه، وقلَّده سيفه ومنطقته الذهبية. ولمَّا حان السفر قام بتوديعه في أُبَّهة زائدة، وتجول الوزير «ياوجيا» بين البلاد وبذل مساعيه التي تكلَّلت بالنجاح في نزْع فتيل الحرب وصدِّ مؤامرة التحالف الرباعي ضد تشين، ووقف زحف القوات المُعتدية إليها، بل استطاع أن يُقيم جسور صلاتٍ دبلوماسية مع الدول المعنية، وعاد من سفرته ليُقدم تقاريره إلى الملك، يشرح فيها ما توصَّل إليه من نتائج وغمرت السعادة قلب جلالته، وأهدى «ياوجيا» واحدة من أحسن المقاطعات في البلاد وأنعم عليه برُتبة «الوزير الإمبراطوري» الشرفية.
وبلغت هذه الأخبار مسامع «هان فيتس» [الفيلسوف السياسي الشهير 260–233ق.م] فذهب والتقى بالملك وقال له: «كنت قد أرسلت ياوجيا في مهمة رسمية فسافر وهو يحمِل كمياتٍ هائلة من الذهب والهدايا الثمينة، فقصد جنوبًا إلى دولتي: «تشو»، و«أو» وسافر شمالًا إلى دولتي: «يان» و«داي»، وكمل له من الزمن في ذلك كله ثلاث سنوات. هذا بينما لم يكن التحالف المزعوم بين الدول الأربع مُحققًا أن يصل بها جميعًا إلى أية نتائج إيجابية، ففيمَ هذا الإسراف في توزيع الجواهر والذهب والنفائس الثمينة يمينًا ويسارًا؟!
والحقيقية أن «ياوجيا» استطاع أن يُقيم العديد من الصلات الشخصية مع أمراء الممالك والدويلات مُستغلًّا ثرواتك، وسلطاتك بغير حدود، فأرجو من جلالتكم التحقُّق من ذلك الأمر بنفسك واسمح لي بأن أذكركم بأن «ياوجيا» ليس إلا واحدًا من أبناء دولة وي وكان أبوه يعمل حارسًا في القصور الملكية، وأنه اتُّهم ذات مرةٍ في جريمة سرقة بمدينة «واليانغ»، وأنه مطرود من أحد المناصب الوزارية بدولة جاو، ولا أدري كيف يمكن لجلالتكم أن تتوقعوا أي إصلاح لشئون الدولة على يدِ لصٍّ قديم من وي، ومطرود من جاو، ولا أظن أن مثل هذه الطريقة في إدارة الحُكم يمكن أن تُشجع الوزراء على الإخلاص والتفاني.»
وأسرع ملك تشين باستدعاء ياوجيان، فلما مثل بين يدَيه ابتدره قائلًا: «بلغني أنك أقمت علاقات شخصية ودِّية مع أمراء الدويلات والممالك مُستغلًّا في ذلك ما منحتك إيَّاه من أموال ونفائس، فهل هذا صحيح؟» فلمَّا رد عليه بالإيجاب، دُهِش الملك وسأله: «وهل بلغت بك الصفاقة أن تتجاسَر على المُجاهرة بما اقترفتَ في حضوري هكذا، ودون أن يطرف لك جفن؟» فأجابه ياوجيان قائلًا: «على رسلك يا مولاي، ألا إن الابن البار بأبيه وأمِّه قدوة طيبة، ومثل رائع في باب الولاء والعرفان، والخادم المُطيع لسيده، نموذج يتمنَّاه كل أمير أو صاحب ولاية، والفتاة الحائكة الماهرة في فنِّ التطريز، صورة حلوة في خيال كل شابٍّ يحلم بشريكة حياة، وقد صارحتك بكل إخلاص فوق عرفاني وولائي لجلالتك، وقد سافرتُ لأجلك يا سيدي وأقنعت الأمراء بالنزول على مشيئتك، ولمن تظنُّني أدعوهم بالخضوع وتقديم أَسمَى آيات الولاء والتقدير إن لم يكن لأجل مجدك وعزيز مقامك؟ وكيف تظنُّهم يأمنون لي ويمنحونني ثِقتهم إن كنت خائنًا لك منكرًا لفضلك، وأنا أُحدثك عن أربع دول كبرى مُتحالفة وليست مجرد دويلةٍ صغيرة، وقد قيل قديمًا إن الإمبراطور شياجي (آخِر أباطرة أسرة شيا) قد نكَّل بوزيره وقتله بسبب وشاية كاذبة، ففتح بذلك الباب لكل واشٍ وساعٍ بالبهتان وانتهى الأمر بمقتله هو نفسه وزوال ملكه، وأخشى إن أصغيتَ يا مولاي لمثل هاتيك الافتراءات ألَّا يبقى لك خادم مُخلص أو بطانة وفية.»، وكلَّمه الملك قائلًا: «وبلغَني أنك في الأصل ابن أحد الحراس وأنك مُتهم بجريمة سرقة في وي، بالإضافة إلى أنك مطرود من وظيفة رسمية بدولة جاو، (فما قولك في هذا كله)؟» فأجابه: «إن شخصية تاريخية مرموقة مثل الحكيم الفاضل «لي وانغ» — وكان في الأصل زوجًا فاشلًا فطردته امرأتُه — حاول أن يعمل قصَّابًا فلم يفلح، فسافر إلى بلدة جييجن للعمل أجيرًا، فلم يُحالفه التوفيق، وأخيرًا، كان الملك أون حاكم «تجو» هو الذي صنع منه رجل دولة من الطراز الأول، واستطاع أن يُوحِّد به الممالك في دولة كبرى، بل كان «كانشون» (أحد أشهر وزراء العصر القديم) يعمل في الأساس بائعًا متجولًا في وي، ثم انتقل للإقامة في «نانيانغ» حيث عاش حياةً مُزرية بائسة، فلمَّا ضاقت به الحال سافر إلى «لو»، ولم يكن حظه هناك بأفضل مما سبق، إذ تورَّط في مِحَن ألقت به في غياهب السجون زمنًا طويلًا، وبرغم كل ذلك، فقد استطاع ملك تشي أن يستغلَّ مواهب هذا الرجل، فضمَّه إلى سدة الهيمنة الإمبراطورية التي أخضعت تحت سُلطانها أُممًا ودولًا وإمارات.
وكان المدعو «بيليشي» يجوب الشوارع يستجدي لقمة العيش من مارة دولة «يو»، وقيل إنه وقع في العبودية وبيع بثمنٍ بخس (خمس رقائق من جلد الضأن)، وغير أن الملك موكون (حاكم تشين، وأحد أعظم أباطرة العصر التاريخي المُسمَّى ﺑ عصر الدول المتحاربة) تولَّى أمره حتى بلغ في عهده منصب الوزير الأعظم، فكان هو الذي استطاع أن يقهر الدويلات المُتمرِّدة في أقصى غرب البلاد وأن يأتي بها صاغرةً عند أعتاب القصر الإمبراطوري لدولة تشين. وليس سرًّا أن حاكم دولة جين، بسط رعايته لواحدٍ من أعتى مجرمي زمانه، أشهر لصٍّ في تاريخ دويلة جونشان، وللعجب، فقد كان هذا الشقي قاطع الطريق هو الذي قاد جيش دولة جين إلى موكب النصر التاريخي على دولة تشين في موقعة بوشينغ.
إذن، فهؤلاء الأربعة لم يكونوا من ذوي السمعة الحسنة، ولا المَنبت الشريف، بل دُمغت سيرتهم الأولى بخصالٍ يندى لها الجبين، برغم ذلك كله، فلم يأنف الملوك الحكماء الأربعة من تقريبهم إلى مساحات القصور الحاكمة، بل قد استعانوا بهم في تحقيق الإنجازات الكبرى التي سجَّلها لهم التاريخ بفخر وشرف، ولئن كان أولئك الرجال — برغم وصمة نشأتهم الأولى — قد حققوا المآثر العظيمة، فإنهم قد تفوقوا بذلك على آخرين ممن كانوا في مواقع مرموقة، لكن أصحاب الجلالة لم يجدوا لديهم بُغيتهم، ففضلوا عليهم أصحابنا المشار إليهم آنفًا، فأقالوا عثراتهم، وتغاضوا عما اقترفوه في سابق الحال، فلفظوا ما خبث منهم، واستصفوا ما طاب من حميد سجاياهم لبلوغ أسمى الأهداف وأعظم الغايات، فلهذا درج رجال الحكم على أن يتَّخذوا مُساعديهم ممَّن ينبغون في رفعة شأن الأوطان وتحقيق أمنها واستقرارها، حتى لو كانوا موضع التندُّر أو الاستخفاف من الآخرين ذلك أن الوضيع الذي يبلغ بك إلى حضيض الكارثة، ومن ثم يبذل الوزراء أقصى جهدهم لاستحقاق الجدارة.»
أما المَلك، فقد أُعجب بمقالته، واستصوب رأيه، وأصدر قراره بتجديد الثقة فيه واستمراره في منصبه، ثم إنه قضى بإعدام [الفيلسوف] هان فيتس.